رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الرابع 4 بقلم أماني السيد
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
في تلك الليلة، لم تستطع مهرة أن تمنع عقلها من المقارنة بين زيدان وصفوان.
كانت تريد ان تجد سبب لحبها السابق لزيدان هل كانت تحب شخصه ام هيبته ام وعد العائله بابزواج ، لكنها كلما وضعت صفوان في كفة وزيدان في الكفة الأخرى، وجدت الكفة التي بها صفوان أثقل.
لم تكن تعرف لماذا.
زيدان قوي، صاحب شخصية تفرض نفسها على من حوله، لكن صفوان كان مختلفًا عنه. كان أكثر هدوءًا، قليل الكلام، حاد الطباع، لكنه يعرف كيف يسيطر على نفسه، وكان أكثر ما يلفت مهرة فيه أنه لا يبدو رجلًا تهزه المظاهر أو تشغله التفاصيل السطحية.
كلما حاولت أن توقف تلك المقارنة، وجدت نفسها تعود إليها من جديد.
حتى ضاقت بنفسها وقالت:
– إيه اللي أنا بعمله ده؟
ثم حاولت أن تشغل نفسها بشيء آخر، لكنها فوجئت بأن صورة صفوان عادت إلى ذهنها مرة أخرى.
– خلاص يا مهرة… ما تفكريش فيه.
لكنها لم تستطع.
وفي اليوم التالي، كانت مهرة تجلس مع خديجة، وظلت لبعض الوقت تبحث عن طريقة تسألها بها عن صفوان دون أن يبدو الأمر وكأنها مهتمة.
وأخيرًا قالت بعفوية مصطنعة:
– هو صفوان بيكون موجود في البيت كتير؟ عايزه اعرف عشان ادخل الجيم بتاعه ؟؟ وتفتكرى يا خديجه لو دخلت الجيم هيزعل المفروض استاذن قبلها صح ؟؟؟
نظرت إليها خديجة وقالت:
– لأ، شغله واخد معظم وقته. بس لما تشوفيه اساليه مافتكرش انه هيعترض .
هزت مهرة رأسها وكأنها لم تكن تسأل عن شيء مهم، ثم قالت:
– أصل أنا مشوفتهوش من امبارح. انا فكرت استاذنه الاول بصراحه
ردت خديجة ببساطة:
– طبيعي، هو عنده شغل كتير.
سكتت مهرة قليلًا، ثم قالت:
– هو… مش مرتبط؟
فهمت خديجة مقصدها، فقالت:
– صفوان خاطب.
حاولت مهرة أن تحافظ على هدوء ملامحها.من حوالي ست شهور.
ثم أضافت خديجة:
– خطوبة عائلية، وماقولناش لحد.
تظاهرت مهرة باللامبالاة، وسألت:
– وما اتجوزش ليه لحد دلوقتي؟
قالت خديجة:
– خطيبته عايزة فيلا منفصلة، وعندها ترتيبات خاصة.
ثم ضحكت وهي تكمل:
– وكل شوية تعمل تعديلات. يعملوا حاجة، تنزل حاجة جديدة موضة، تهد القديم وتقول عايزة الجديد، ويبدأوا من أول وجديد.
ظلت مهرة صامتة وهي تستمع إليها، لكن عقلها توقف عند جملة واحدة فقط:
صفوان خاطب من ستة شهور.
عند سماع مهره ان صفوان خاطب اتخذت قرارها بالابتعاد عنه قدر الامكان لن تظهر أمامه وستتجنب أن تراه
فهي بالكاد تستطيع إخراجه من رأسها، فكيف ستنجح في ذلك إذا ظلت تراه أمامها كل يوم؟
كانت تعرف أن وجوده أمام عينيها سيجعل الأمر أصعب، ولذلك بدأت تتعمد اختيار الأوقات التي لا يكون فيها في البيت، وإذا سمعت صوته من بعيد تختلق لنفسها أي سبب يجعلها تبتعد عن المكان.
حتى إذا جلست مع خديجة، كانت تسألها أولًا:
كانت تفعل كل ذلك وهي تقنع نفسها أنها تحمي قلبها فقط.
فهي لا تريد أن تتعلق برجل مرتبط بغيرها، ولا تريد أن يأتي يوم تجد نفسها فيه تتمنى شيئًا لا يمكن أن يحدث.
قررت مهره أنها لن تساله عن شئ وطلبت من خديجه أن تتحدث هى معه
ـ خديجه ممكن طلب
ـ خير
ـ بصى عايزاكى تكملى صفوان وتقوليله ينفع استخدم الجيم ولا لأ انتى عارفه كلامى معاه معدوم وهتحرج اطلب منه عشان كده عايزاكى تتكلمى بدالى ينفع عشان ما اتحرجش وكده
ـ مافيش مشكله هقوله حاضر هتصل بيه وابلغه بس أنا رأيى انك عايشه معانا ومش غريبه مافيش مشكله لو كلمتيه بنفسك عشان مايبقاش فى احراج بعد كده
ـ ربنا يسهل بس على ما اتعود اطلبى انتى
ـ حاضر يا ستى اعملى حسابك الدراسة فضلها اسبوع
ـ باباكى خلص الورق ولا لسه
ـ روكى اساليه ولا مكسوفه منه هو كمان
ـ هساله دى اخر سنه وعايزاها تعدى على خير
فى مكان اخر
قبل أن تكتمل الساعه الثامنة تماماً، كان الأمن قد أفسح الطريق، وانفتح الباب الخلفي ليرتجلّ منه صفوان القحطاني.
لم يكن هناك حاجة للنداء أو التنبيه؛ فالجميع في البرج يعلمون أن الساعه الثامنة هى التي يطأ فيها صفوان العتبة.
مشى بخطوات متزنة، حاسمة، تتطابق سرعتها مع إيقاع الساعة الجدارية الكبرى في البهو. في المبنى كله، كانت الحركة تسير وفق نظام ؛ موظفو الاستقبال في أماكنهم، أجهزة المسح الضوئي تعمل بلا تعطل، حركة المصاعد مبرمجة، والأوراق تتحرك بين الأقسام بانتظام يثير الذهول.
ما إن مرّ صفوان في الممر الرئيسي، حتى خفتت الأصوات تدريجياً. لم يرفع صوته يوماً، ولم يصرخ في وجه موظف، لكن حزمه الصارم وجديته المطلقة شنا هيبة جعلت الجميع يلتزمون بالقوانين والتعليمات حرفياً.
دخل المصعد الخاص، وصعد إلى الطابق الأخير.
استقبلته سكرتيرته بوقفة منتظمة، وقدمت له موجز جدول اليوم في ثلاث جمل مختصرة أثناء سيره نحو مكتبه:
* صباح الخير يا صفوان بيه. تقرير التصدير الأسبوعي على مكتبك، واجتماع الفيديو مع فرع الصعيد جاهز بعد خمس دقائق.
أومأ برأسه دون أن يتباطأ:
* القهوة السادة، والملف المالي لصفقة المواشي.
على مكتب حضرتك. جلس خلف المكتب الضخم، وبدأ يراجع الأرقام بنظرات حادة لا تفوّت تفصيلة واحدة.
وفي تمام التاسعة صباحاً بالدقيقة… أضاءت الشاشة أمامه بإشعار بدء اجتماع الفيديو من فرع الصعيد.
ضغط صفوان على زر الاتصال ببرود، فظهرت على الشاشة الكبيرة أمامه صورة زيدان القحطاني.
كان زيدان يجلس في مكتبه بهيبته المعتادة التي تجعل الجميع في الصعيد يحسبون له ألف حساب ويخشون مجادلته. لكن بمجرد أن التقت عينان زيدان بعيني صفوان عبر الشاشة، تغيرت نبرة وجهه تدريجياً، وظهر عليه تحفّز و حظر، وكأنه يزن كل كلمة قبل أن تخرج من فمه.
قال زيدان بنبرة هادئة يحاول أن يحافظ فيها على ثباته:
* مساء الخير يا صفوان.
ألقى صفوان نظرة سريعة على الملف المالي أمامه، ثم رفع عينيه بثبات نحو الشاشة، وبصوته المنخفض الحاسم قال:
* مساء النور يا زيدان… تقرير الشحنة الجديدة لمزارع التسمين وتصدير الألبان وصلني، وفيه تأخير أسبوعين عن الجدول الزمني للتصدير.
تنحنح زيدان وشبك يديه أمامه، وقدم تبريره بثقة:
* التأخير في توريد العجول ومحطات الألبان كان من كبار الموردين هنا في الصعيد يا صفوان. كانت الشحنات محتاجة فحص بيطري إضافي وتأكيد على سلالات التصدير، وأنا فضّلت نأجل التسليم كام يوم علشان نضمن جودة الماشية وما نستعجلش.
ساد الصمت في مكتب صفوان بالقاهرة لثوانٍ معدودة… صمتٌ ثقيل يُشعر الطرف الآخر عبر الشاشة وكأنه يقف في مهب الريح.
لم يصرخ صفوان، بل أمال رأسه قليلاً ونظر لزيدان بنظرة حاده جعلت الأخير يتحرك في مقعده بعدم أريحية:
* زيدان… إنت عارف إن طريقة الإدارة دي ما تمشيش معايا.
قالها صفوان بنبرة رخيمة لكنها كانت أشد قسوة من أي توبيخ علني.
ثم أردف بتحديد:
* تأخير أسبوعين معناه إن الميناء والشحن البحري يتعطلوا، ومحطات الألبان تفقد التبريد والمواصفات المطلوبه في العقود المبرمة… وإنت أكتر واحد عارف إن شغل القحطاني في التصدير مفيش فيه مجاملات ولا أعذار.
حاول زيدان أن يدافع عن وجهة نظره، وهو الرجل الذي لا يجرؤ أحد في العائلة على مقاطعته:
* بس تجار العجول ودول كبار البلد يا صفوان، والتعامل معاهم بحزم شديد أو تهديد بإلغاء العقود ممكن يعمل غضب في السوق…
قاطعه صفوان بصوت خفيض لم يعلُ درجة واحدة، لكنه حمل حسماً قاطعاً أنهى الجدال تماماً:
* كبار البلد على عيني وعلى راسي لما نكون قاعدين في المجلس العرفي أو في عزومة… لكن لما نكون بنورد شحنات تصدير باسم الشركة، مفيش غير اسم “القحطاني” وشروط العقد. زيدان ماحدش يهدد عيله القحطانى … إحنا اللى نهدد بوقف الشغل … اعرف قيمه اسم القحطانى قبل ماتقول تجار كبار
ظل زيدان صامتاً لعدة لحظات، يبتلع غصته. كان يعلم تماماً أن صفوان ليس كباقي رجال العائلة، وأن وقوفه أمامه بحجج واهية لن يزيد الأمر إلا سوءاً.
تابع صفوان بلهجة حازمة لا تقبل المراجعة:
* المورد اللي مش هيلتزم بمواصفات ومواعيد شحنة العجول والألبان يتغير فوراً، والتأخير يتعوض في خلال 48 ساعة، والتقرير النهائي للتصدير يترسلّي بنفسك… مفهوم يا زيدان؟
أومأ زيدان رأسه بخفة، ولأول مرة يظهر على ملامحه الامتثال الكامل دون أي اعتراض:
* مفهوم يا صفوان… هيكون عندك.
* الموضوع مش محتاج وقت عشان يتحل يا زيدان ومش مستاهل انزل البلد بنفسى دى اخر مره يحضل فيها كده فاهم عشان لو اتكررت وقتها هنزل بنفسى وانت عارف ماعتقدش إن فى حد يحب وجودى هناك
أغلق صفوان الاجتماع بنقرة واحدة، وعاد يتصفح أوراقه ببرود تام…
في إحدى المناطق الراقية بالقاهرة، داخل فيلا عائلة “الجمال”، كانت رشا تجلس على أريكتها الفخمة، تلف حول كتفيها شالاً خفيفاً، وأمامها كوب من الشاي الدافئ.
رن هاتفها برقم صديقتها المقربة “شهد”، فردت بصوت يغلبه التعب والكسل:
أيوة يا شهد… صباح الخير.
أجابتها شهد باهتمام:
صباح النور يا رشا، إيه يا بنتي؟ إنتِ فين؟ استنيتك في الشركة النهاردة عندي أوراق محتاجة توقيعك.
تنهدت رشا وهي تسند رأسها للخلف:
قمت من النوم حاسة بتعب ومش قادرة أتحرك… اتصلت بالسكرتيرة وقلتلها إني مش هقدر أنزل الشركة النهاردة.
سألتها شهد بفضول:
ألف سلامة عليكي يا حبيبتي… طيب وصفوان؟ عرف إنك تعبانه ؟ وأخباره إيه معاكي؟
اعتدلت رشا في جلستها وقالت ببرود ممتزج بشرود:
كويس… صفوان زي ما هو، مشغول طول الوقت في شغله واجتماعاته.
صمتت شهد للحظة، ثم سألتها بنبرة ذات مغزى:
طب والفيلا يا رشا؟ هتفضلي تتلككي لحد إمتى بتوضيبها وتغيير الديكورات؟ الخطوبة بقالها ست شهور وصفوان مش بتاع انتظار وطولة بال!
سكتت رشا، وظلت تفرك طرف شالها بأصابعها قبل أن تتنهد بصوت خفيض:
مش عارفة يا شهد… بس أنا أوقات بخاف منه.
استغربت شهد وقاطعتها:
بتخافى منه؟! بتخافي من صفوان القحطاني اللي نص رجال الأعمال بيتمنوا نظرة منه؟
ردت رشا بنبرة تحمل حيرة حقيقية:
مش قصدي خوف بالمعنى ده… بس مش حاسة إننا ممكن نكون زي أي اتنين طبيعيين يا شهد. كلامنا محدود، وقليل أوي لما يعبّر عن أي مشاعر أو يتقال بينّا كلام حلو. كل حاجة عنده بحساب وبالعقل، حتى وهو معايا بحس إنه بيفكر في الشغل أو بيقيم كلامي. أوقات بحس إن الهيبة والجفاء دول هيخنقوني بعد الجواز.
ضحكت شهد بخفة تحاول تهدئتها:
يا بنتي ده طبع رجال الأعمال الكبار، وبعدين إنتِ عارفة صفوان من أيام الجامعة وعارفة طبع عيلته وشخصيته الصارمة… المهم إنه راجل له قيمة واسمه وحده يوزن بلد ومش من النوع اللى عينه زايغه وهيقرفك ويخليكى تشكى فى نفسك
نظرت رشا نحو النافذة وقالت بصوت هادئ يحمل تساؤلاً لم تجد له إجابة بعد:
عارفة… بس أنا ست في الآخر، و الشغل والمظاهر مش هيكونوا كل حاجة بينّا.
تابعت رشا وهي تحرك كوب الشاي بين يديها ببطء، ونبرة صوتها تزداد شروداً:
المشكلة مش بس في طَبعه يا شهد… المشكلة إني بدأت أحس بملل. العلاقة بينّا مفيش فيها أي اندفاع أو شغف، كل حاجة ماشية بجدول ومواعيد وكأننا بننفذ مشروع. أنا عارفة إنه راجل ملتزم جداً ومحترم لأقصى درجة، ومفيش في حياته لف ولا دوران ولا سهر ولا علاقات جانبية زي غيره من رجال الأعمال، وده في حد ذاته مريحني جداً ومخليني مطمنة… بس رغم ده كله، أنا مش فاهمة نفسي! مش عارفة أنا عايزة إيه، ومش عايزة أستعجل خطوة الجواز والبيت المقفول وأنا حاسة بالفراغ ده.
ضيّقت شهد عينيها وقالت بنبرة حذرة تحمل تحذيراً صريحاً:
إنتِ بتلعبي بالنار يا رشا! صفوان القحطاني مش الرجل اللي يقعد يستنى وحدة مترددة أو تغير رأيها كل يومين عشان مش فاهمة مشاعرها. افرضي ملّ من حوار تأجيل الفيلا والتعديلات ده… وفركش الخطوبة؟! رشا فكرى وخدى القرار عشان ماترجعيش تندمى بعد كده صفوان بنات البلد كلها تتمناه
ساد الصمت بينهما لثوانٍ، شعرت فيها رشا بثقل الكلمة، لكنها هزت كتفيها ببرود ظاهري يُخفي خلفه خوفاً خفياً، وقالت بنبرة حاسمة أنهت بها الجدال:
يبقى كل شيء نصيب يا شهد… اللي فيه الخير ربنا يقدمه.
ثم أغلقت المكالمة وسندت رأسها إلى الخلف، وهي تتساءل في سرها عما إذا كانت بالفعل قادرة على تحمّل عواقب كلمتها تلك لو أصبحت واقعاً
في تلك الأثناء، داخل فيلا العم جاسر بالقاهرة، كانت مهرة تسير بخطوات مترددة نحو غرفة المكتب.
أخذت نفساً عميقاً قبل أن تطرق الباب بهدوء، وحين جاءها صوته بالدخول، فتحت الباب وابتسمت بتوتر خفيف:
صباح الخير يا عمي… آسفة لو قاطعت شغل حضرتك.
رفع العم جاسر عينيه عن الأوراق أمامه، وابتسم بدفء ألغى مسافة الغربة والتردد من قلبها:
صباح النور يا مهرة، تعالي يا بنتي قاطعي براحتك، المكتب صاحبته دخلت خلاص.
جلست مهرة أمامه، وشبكت أصابعها في حجرها وهي تحاول طرح سؤالها بأسلوب هادئ:
كنت عايزة أسأل حضرتك عن ورق تحويلي للجامعة هنا… الدراسة فاضل عليها أسبوع، وحابة أطمن إن كل حاجة تمام عشان دي سنتي الأخيرة وعايزة أركز فيها. وحاجه تانيه ينفع انزل اتدرب فى الشركه ؟؟
ابتسم عمها بقلة حيلة محببة، وأخرج هاتفه المحمول قائلاً:
زمان صفوان خلّص الموضوع ده من يومين يا مهرة، إنتِ ناسية إن ابن عمك مش بيسيب حاجة للصدفة؟ استني أتصل بيه نطمن سوا.
ضغط على رقم صفوان وفتح مكبر الصوت. لم تمر سوى رنتين حتى جاء صوت صفوان الهادئ من الطرف الآخر:
السلام عليكم يا بابا… خير؟
وعليكم السلام يا صفوان، أنا معايا مهرة في المكتب وسألتني عن أوراق تحويلها للجامعة، فقلت أطمن منك.
أجاب صفوان بنبرة عملية ومحددة:
كل حاجة خلصت يا بابا . أوراق التحويل والموافقة النهائية للجامعة بقت في ملفها جاهزة، وبكرة الصبح المندوب هيجيب الملف لحد البيت.
تهللت ملامح مهرة وشعرت براحة كبرى تنزاح عن صدرها، فقالت بصوت خافت وصل عبر الهاتف:
شكراً جداً يا صفوان.
سكت صفوان لثانية واحدة، ثم رد بنبرته الوقورة المختصرة:
العفو يا مهرة.
وقبل أن ينهي العم المكالمة، نظر لمهرة بابتسامة تحمل تشجيعاً كبيراً، ثم قال لابنه عبر الهاتف:
بقولك إيه يا صفوان… مهرة في سنتها الأخيرة إدارة أعمال، وإنت عارف إن الشغل العملي بيفرق جداً. إيه رأيك تنزل تتدرب في الشركة وتتعلم الشغل على أصوله تحت إيدك؟هى أداره اعمال
ساد الصمت عبر الهاتف لثوانٍ معدودة. كانت مهرة تحبس أنفاسها، تخشى أن يرفض أو يرى في ذلك عبئاً، لكن صوت صفوان جاء هادئاً وخالياً من أي تحفّظ:
مفيش مشكلة يا بابا. اللي هي شايفاه مناسب لجدول دراستها تبلغني بيه، وأنا هنسّق مع قسم التدريب والموارد البشرية يجهزولها برنامج مناسب لربط الدراسة بالشغل. بس لازم تعرف أن الشغل مش سهل ولما تقرر تنزل تبقى اد المسئولية الشغل مافيهوش مجاملات ولا قرايب
تنفست مهرة براحة، وقال عمها بابتسامة:
ماتقلقش يا صفوان مهره شاطره وهترفع راسك مع السلامة يا بني.
أغلق جاسر المكالمة ونظر لمهرة بتشجيع:
إيه رأيك بقى؟ الشركة شركتك، وسط أهل بيتك، وهتتعلمي في مكان كبير د
فركت مهرة يديها، وشعرت بمزيج من الحماس والخوف الخفي من التواجد في محيط صفوان، فقالت بنبرة متزنة:
أنا موافقة جداً يا عمي ونفسي أتعلم فعلاً… بس استأذنك آخد وقتي أظبط جدول المحاضرات والأيام الأولى في الجامعة الأول، وبعدها أبلغ حضرتك بالمواعيد المناسبة للشغل.عشان مايكنش فى تقصير منى فى الشغل
أومأ جاسر برأسه متفهماً، وقال بحنان:
براحتك خالص يا مهرة، المهم إنك تعملي الحاجة اللي تريحك وتبني مستقبلك بثقة… ومفيش حد هنا هيضغط عليكِ في حاجة أبداً.
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!