رواية عروس الهواري الفصل السادس 6 بقلم أسما السيد
لتصفح الموقع بدون إعلانات (أضغط هنا)
فإذا قلت نعم، فسأصبح زوجة ناصيف الهواري.
وإذا قلت لا، فسأترك أبي يواجه وحده عواقب هروب لين.
وبين القرارين، كانت هناك فتاة في الحادية والعشرين من عمرها، تحاول أن تحمي مستقبلها دون أن تكسر قلب أبيها.
يتبع…
بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للكاتبة. يُمنع نسخ الرواية أو إعادة صياغتها أو إعادة نشرها دون إذن مسبق، وتحتفظ الكاتبة بحقها في اتخاذ الإجراءات القانونية والإبلاغ عن أي انتهاك لحقوق الملكية الفكرية.
#عروس الهواري #الكاتبه_اسما_السيد #روايات_صعيدية #رومانسي #حصري
بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري
— تمام… كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا.
شعرت بأن قلبي سقط بين قدماي حين سمعت ناصيف الهواري ينطق بهذه الجملة بمنتهى البرود، وكأنه يتحدث عن صفقة أرض، لا عن زواج سيغير حياتي بأكملها.
لكن قبل أن أستوعب كلماته، سمعت صوته الآمر يقول:
— بس قبل ما أمشي من هنا، عايز أسمع موافقة أسما من لسانها هي… مش من أبوها ولا من عمها!
تجمدت في مكاني خلف باب غرفتي..أما عمي حسان فقال بسرعة:— يا ولدي، البت بنت أخوي، وإحنا أدرى بيها، وأبوها قالك إنها موافقة.
رد ناصيف بنبرة حادة:
— وأنا مش بسأل أبوها المرة دي يا عمي حسان. أنا بسألها هي. البنت دي هتكون على ذمتي أنا، ومش هبدأها بظلم بت مالهاش ذنب في اللي حصل.
شعرت بشيء غريب يتحرك داخل صدري.
هل هذا هو الرجل الذي تتحدث عنه البلدة كلها باعتباره قاسيًا لا يعرف الرحمة؟
أم أنه يقول ما يقوله فقط ليحفظ صورته أمام أبي وعمي؟
سمعت أبي يتنهد قبل أن يقول:
— أسما لسه متلخبطة يا ولدي… الموضوع جه عليها فجأة.
— وده حقها.
ساد الصمت للحظات.
ثم أكمل ناصيف:
— أنا مش مستعجل على جوازة لدرجة إني أتجوز واحدة خايفة مني. لو مش موافقة، الفرح يتلغي، وكل واحد يروح لحاله.
اعترض عمي حسان:
— والناس يا ناصيف؟! والبلد اللي كلها مستنية الفرح بكرة؟!
ضحك ناصيف ضحكة قصيرة، ثم قال:
— هو أنا هعيش مع الناس يا عمي حسان، ولا هعيش مع مراتي؟!
لم أتمالك نفسي.
وضعت يدي فوق فمي حتى لا يسمع أحد شهقتي.
لأول مرة منذ الصباح، شعرت أن هناك بابًا صغيرًا قد فُتح أمامي.
ربما أستطيع الرفض.
ربما تنتهي هذه الكارثة الليلة.
لكن صوت أبي أعادني إلى الواقع:
— يا ناصيف يا ولدي، البت صغيرة، وعندها أحلام وطموحات، وأنا خايف الجوازة دي تأثر على مستقبلها… وتمنعها تكمل تعليمها
جاء رد ناصيف سريعًا: ومين قال إن الجواز هيمنعها تكمل تعليمها؟
قال أبي بدهشة:— يعني إنت موافق إنها تكمل
— هو أنا هتجوزها علشان أحبسها في البيت يا عم وهدان؟!
ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:
— بس فيه حاجة لازم تكون واضحة من الأول. أنا راجل شغلي كتير، ومسؤول عن عيلة كبيرة، ومش فاضي لخناقات كل يوم. اللي هتدخل بيتي هتكون ست البيت وليها احترامها ومكانتها، لكن في المقابل أنا عايز راحة بال.
قال عمي حسان بحماس:— ودي أسما يا ولدي! والله ما هتلاقي أهدى منها ولا أعقل منها! دي حافظة كتاب ربنا، ومتربية تربية أزهرية، وعمرنا ما سمعنا صوتها عالي!
أغمضت عيني بضيق…ها هو عمي يعرض مميزاتي كأنني سلعة في سوق!
لكن ناصيف فاجأه بقوله:
— أنا مش طالب شهادة حسن سير وسلوك يا عمي. أنا طالب أعرف البنت نفسها عايزة إيه.
ثم سأل:— هي فين؟
توقف قلبي للحظة.أجاب أبي:
— في أوضتها.
— طيب بلغها إني عايز أسمع رأيها، من غير ما حد يقف فوق راسها.
قال عمي بسرعة:— أناديها لك دلوك…
لكن ناصيف أوقفه:
— استنى يا عمي. أنا ما قلتش تدخل عليا. خلي أمها تسألها، ولو حبت تتكلم من ورا الباب أو تبعت ردها، براحتها…
لم أدرِ لماذا شعرت بالامتنان لتلك الجملة.
فهو لم يكن يعرفني، ولم يرَ وجهي، ومع ذلك احترم خصوصيتي أكثر مما فعل أقرب الناس إليّ في الساعات الماضية…تخيلت ردة فعل اقسي من ذلك ؟.. أن يثور.. يغضب … يبحث وينتقم من اختي لكن رغم كل الوجع ممتنه..له
بعد دقائق، دخلت أمي غرفتي.
كانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء، ووجهها شاحبًا… قلبها رقيق كنسمه ربيع مهشم لجزاين.. نصف مع اختي العاقه الهاربه والآخر معي ..
أغلقت الباب خلفها واقتربت مني.
— سمعتي الكلام؟
هززت رأسي:— كله.
جلست على طرف السرير.
— ناصيف طلع راجل عاقل يا أسما… توكلي علي الله وانقذينا يابنتي
نظرت إليها بحزن.
— يا ماما، أنا مش ضد إنه يكون عاقل، أنا ضد إنكم تحطوني في موقف زي ده… طول عمري بدفع تمن غلطات بنتك البكريه.. هو دا ذنبي..
أمسكت يدي.
— عارفة يا بنتي… والله عارفة.
— طب ليه عملتوا كده؟ ليه انا؟
انهمرت دموعها.
— علشان خفنا. خفنا على أبوكي، وعلى سمعة أختك، وعلى المشاكل اللي ممكن تحصل بين العيلتين…
سحبت يدي برفق:— وإنتوا ما خفتوش عليا؟
خفضت رأسها.
— خفنا عليكي أكتر من الكل.
ضحكت بمرارة.
— واضح…سكتت أمي قليلًا، ثم قالت:
— ناصيف مستني ردك. ولو قلتي لأ، هو بنفسه قال الجوازة تتلغي.. بس اعرفي هو في النهايه راجل ميعيبوش شيء احنا المضرورين يا بنتي…نظرت إلى الباب المغلق.
كان القرار أمامي الآن…لا أحد يستطيع إجبارى.
حتى الرجل الذي كانوا يخيفونني باسمه منذ سنوات أعطاني حق الرفض…فلماذا شعرت أن الأمر أصبح أصعب؟
سألت أمي:— هو عرف كل حاجة عن لين؟
— عمك حكاله إنها هربت، وإنها كانت رافضة الجوازة…
— وزعل؟
— مش باين يا بنتي دي كانت جوازة عقل هو شافها ولا شافته.. اصلا بس هو كغلط ما غلطش في حد.
ترددت قليلًا قبل أن أسأل:— وانا؟
ابتسمت أمي ابتسامة حزينة.ط
— سأل إذا كنت موافقة، وقال لو وافقت ليها كل احترامها
خفضت عيني…كنت أريد أن أكرهه…كان ذلك سيجعل رفضي أسهل.
لكن الرجل لم يعطني حتى الآن سببًا واضحًا لكراهيته.
قلت:— يا ماما، أنا عمري ما اتكلمت معاه.
— عارفة.
— ولا أعرف طباعه.
— عارفة.
— ومش عارفة هعيش إزاي وسط عيلته، خصوصًا مهيرة أخته.
تغير وجه أمي عند ذكر مهيرة.
— مهيرة مالها؟
— إنتِ ناسية اللي حصل بينها وبين لين؟
تنهدت.
— دي حكايات عيال يا بنتي… مهيره وللاسف احسن من اختك بكتير اختك كانت سبب المشكله اصلا..
هززت رأسي: — لين ما كانتش بتشوفها كده.
ثم نظرت إليها مباشرة:— أنا عايزة أعرف حاجة واحدة… لو وافقت، هبقى زوجته بجد، ولا مجرد ست حطيتوها مكان أختها علشان الناس ما تتكلمش؟
لم تستطع أمي الإجابة..وكان صمتها كافيًا ليزيد خوفي.
في الخارج، كان ناصيف قد نهض من مكانه.
نظر إلى ساعته، ثم التفت إلى أبي:— أنا همشي يا عم وهدان.
انتفض عمي حسان.
— تمشي إزاي يا ولدي؟ ما إحنا لسه ما خلصناش!
أجابه ناصيف:
— البنت محتاجة تفكر، وأنا مش هقعد مستني قدام بابها كأني بضغط عليها.
قال أبي:— طب والفرح بكرة؟
— هنتصرف.
— يعني إيه؟
نظر ناصيف إليه بثبات.
— يعني لو أسما وافقت، نكمل. ولو رفضت، أنا اللي هبلغ أهلي إن الجوازة اتأجلت لأسباب تخصني…
اتسعت عينا أبي:— وهتعمل كده علشاننا؟
رد ناصيف بجدية:
— هعمل كده علشان محدش يجيب سيرة بنتك بسوء. لين غلطت لما هربت بالشكل ده، لكن ده مش مبرر إن الناس تاكل في سيرتها.
شعر أبي بالخجل.أما عمي حسان فقال:
— ربنا يكبر مقامك يا ابن الهواري.
التفت إليه ناصيف.
— المقام مش بالكلام يا عمي… المقام إن الواحد يعرف إمتى يستر على الناس.ثم تحرك ناحية الباب.
وقبل أن يخرج، توقف فجأة وقال:
— وعلى فكرة يا عم وهدان، لو أسما وافقت، أنا عايزها تعرف حاجة من الأول.
سأله أبي:— إيه يا ولدي؟
— أنا مش هطلب منها تسيب كليتها، لكن مش هقبل إنها تتعامل مع الجوازة كأنها عقوبة. لو دخلت بيتي، تدخل وهي مقتنعة إنها مراتي، مش بديلة عن أختها.
ثم أضاف بصوت حاسم:
— وأنا كمان هتعامل معاها على إنها أسما… مش لين.
سمعت تلك الكلمات من خلف الباب.
وشعرت للمرة الأولى أنني أمام رجل مختلف عما تخيلت.
لكن الاختلاف لم يكن يعني أنني مستعدة للزواج منه.
معاكم ساعه من دلوقتي …وقد كان.. أتته الموافقه
لم أنم تلك الليلة…ظللت جالسة أمام كتبي، أنظر إلى الصفحات دون أن أقرأ حرفًا.
كانت صورة ناصيف تتكرر في رأسي.وجهه الوسيم الذي لمحته صباحًا.قامته الطويلة.نظراته الثابتة.وصوته الهادئ الذي يخفي خلفه قوة يصعب تجاهلها.
ثم تذكرت كلام لين.”ده راجل يخوف الحجر.”
هل كانت تبالغ؟أم أنها تعرف عنه ما لا أعرفه؟
مددت يدي إلى هاتفي وفتحت محادثتنا.
آخر رسالة منها كانت قبل ثلاثة أيام.
“أسما، لو حصل أي حاجة، سامحيني.”
وقتها ظننت أنها تقصد عصبيتها معي.لكن الآن…
أصبحت الرسالة تحمل معنى مختلفًا تمامًا.كتبت لها:
“إنتِ فين يا لين؟”
ثم أضفت:”إنتِ عارفة عملتي فينا إيه؟”ترددت قبل أن أكتب الجملة الأخيرة:
“هما عايزين يجوزوني ناصيف مكانك.”
ضغطت إرسال.لكن الرسائل لم تصل.كان هاتفها مغلقًا.
وضعت الهاتف جانبًا، ودفنت وجهي بين كفي.كيف استطاعت أختي أن تتركنا هكذا؟
كيف هربت دون أن تفكر في أبي المريض، أو أمي، أو حتى في؟
كنت أحب لين رغم اختلافنا.كانت أختي الكبرى.
كانت أول من علمني كيف أربط حذائي وأنا صغيرة.
وأول من دافع عني حين تشاجرت مع إحدى البنات في المدرسة.
لكنها في تلك الليلة بدت لي غريبة…كأنني لم أعرفها يومًا.
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!