رواية عروس الهواري الفصل الرابع عشر 14 بقلم أسما السيد
لتصفح الموقع بدون إعلانات (أضغط هنا)
ابتسمت: دي السرايا كلها عرفت اللي قاله امبارح… «اللي يهين أسما يبقى أهان ناصيف الهواري».
شعرت بحرارة تصعد إلى وجهي.
لكن زينة أكملت فجأة: بس خلي بالك يا ست أسما… الست سيلين مش لوحدها..توقفت: يعني إيه؟
نظرت خلفها بخوف.
ثم همست: فيه حد تاني في السرايا مش عايزك تفضلي هنا.
وقبل أن أسألها عن هوية ذلك الشخص، جاء صوت حاد من نهاية الممر:زينة!
انتفضت الفتاة.
التفتنا معًا…كانت مهيرة تقف أمامنا، ترتدي ثوبًا أخضر داكنًا، وعيناها مثبتتان فوق وجه زينة.
— إنتِ واقفة بتعملي إيه عند أوضة أخويا؟
ارتبكت زينة، الست الكبيرة بعتتني يا ست مهيرة.
اقتربت مهيرة بخطوات بطيئة، بعتتك تساعدي العروسة، مش تقفي ترغي معاها!
خفضت زينة رأسها: حاضر.
ثم انسحبت بسرعة…أما مهيرة، فالتفتت إلي وبابتسامة باردة رددت: صباح الخير يا عروسة.
أجبت بحذر: صباح النور.
نظرت إلى السوار حول معصمي…ثم توقفت ابتسامتها… لمع الخبث في عينيها فهي رأت أخيها وهو يبتاع هذا السوار بالأمس من عمران الزعبي صاحب محل المجوهرات الخاص بالعائلة وقررت اللعب قليلا.. فبعض المرح و المكائد لا تضر..بل ستشعر نار الحر.ب
— الله… هو اداكي السوار ده ؟ دا كان جايبه للين
أخفيت يدي تلقائيًا… بعد أن وقع اسم لين علي قلبي بحسره ظهرت جليه علي وجهي…. بل كدت تمزق يدي باظافري من شده الكبت والمراه.. ثم همست بنبره موجوعه
— أيوه… ادهوني..اقتربت خطوة.
— غريبة…عقدت حاجبي…
— إيه الغريب؟
نظرت إليّ نظرة طويلة.
ثم قالت: اصل أخويا قال استحاله حد يلبسه غير لين؟ انتي متاكده أنه هو اللي ادهولك..
تصلبت ملامحي..ثم قلت بعمق وانا ساره لم اخطط ابدا للكلام: من يوم ما اتجوزني وشكله غير قواعده كلها مره واحده..
ارتسم الحقد علي ملامحها وهتفت:: اه يمكن.
وقبل أن تتحرك، أضافت بصوت خافت:بس خلي بالك يا أسما… مش كل حاجة بتتغير بتبقى للأحسن.
ثم غادرت…بقيت واقفة مكاني.وكان واضحًا أن يومي الأول في السرايا لن يكون هادئًا كما تمنيت.
نزلت إلى الطابق الأرضي بعد دقائق فقد استأذن ناصيف لأمر هام…كانت السرايا في ضوء النهار أكثر فخامة مما تخيلت.
سقف مرتفع، وثريات ضخمة، وسلالم رخامية تتفرع إلى جناحين، وعلى الجدران صور قديمة لرجال يرتدون الجلابيب الصعيدية والعباءات المطرزة.
لكن أكثر ما لفت انتباهي صورة كبيرة لرجل مسن ذي ملامح صارمة…توقفت أمامها.
سمعت صوتًا خلفي: ده الحاج عبد الجليل الهواري… أبو ناصيف الله يرحمه.
التفت…كانت حماتي تقف خلفي، ترتدي عباءة كحلية أنيقة..ابتسمت لي بحنان… عكس أمس تماما وكانها تبدلت: صباح الخير يا بنتي.
اقتربت منها وقبلت يدها.: صباح النور يا أمي.
توقفت لحظة…ثم وضعت يدها فوق خدي.
— ربنا يرضى عليكي يا أسما… الكلمة دي فرحتني.. انا بعتذر يا بتي عاللي حصل عشيه..
ابتسمت…فأمسكت يدي وقادتني إلى غرفة الطعام.
كان ناصيف قد عاد يجلس على رأس المائدة، يتحدث مع رجل في الأربعينيات. وحين دخلت، رفع رأسه.
توقفت عيناه فوق وجهي…ثم ابتسم.
ابتسامة لم تخطئها أمه…قالت وهي تضحك:
— عينك يا ناصيف عن البت
شعرت أن الأرض تدور بي.. أما ناصيف فلم يرتبك.
بل قال بمنتهى الهدوء: مراتي يا أمي… فيها حاجة دي؟
ضحكت والدته… مردده الجعدي يابني جار زوجك يالا…
أفسح لي عن الكرسي المجاور وهو يميل علي أذني هامسا: عارفه يا اسما لو كنتي نزلتي من غير نقابك كنت هعمل فيكي ايه؟
ارتبكت وانا اساله برعب حقيقي من تملكه ومن يده التي امتدت أسفل المنضده تمسك بيدي بتملك أخافتني: هتعمل ايه يا ناصيف؟
= كنت وريتك جحيم ناصيف الهواري يانن عين ناصيف
= انت بتخوفني.
= خوفك مني اوعدك يبقي امان..
بدأ الفطار هادئًا… الا من مشاكسات ناصيف من أسفل المنضده ومن يده التي تمتد كل حين لتشاكسني حتي فلتت ضحكه مني وقد فهمت معني خوفه امان…صدقا أنه كتله عجيبه من كل الاشياء. التي قد تصل إليها اي فتاه..
كانت حماتي تسألني عن دراستي بينما يشارك ناصيف في الحديث من حين إلى آخر.
لكن الهدوء لم يستمر.
فجأة دخلت الحاجة بخيتة، وخلفها سيلين…شعرت بمعدتي تنقبض…توقفت بخيتة عند الباب، ثم قالت بصوت مرتفع: صباح الخير يا أهل الدار.
ردت حماتي بفتور: صباح النور يا بخيتة.
أما ناصيف، فلم يرفع رأسه عن فنجان القهوة.
— صباح الخير يا عمتي.
تقدمت سيلين، وجلست على المقعد المقابل لي مباشرة.
نظرت إليّ من رأسي حتى قدمي.
ثم ابتسمت ابتسامة مستفزة بينما نطقت بخيته: ما شاء الله… العروسة صاحية من بدري! وليها نفس تفطر كمان
هتف ناصيف بحده: عمتي..
لكنها لم تصمت: شكلها نامت مرتاحة بت وهدان .
رفع ناصيف رأسه ببطء: عمتي انا قولت ايه؟.
التفتت إليه: نعم يا ولدي؟
قال بهدوء: لو جاية تفطري، اتفضلي. لو جاية تفتحي كلام امبارح، الباب وراكي…ساد صمت ثقيل…لكن سيلين ابتسمت: يا ناصيف، إحنا أهل… مش معقول هتزعل من كل كلمة! احنا كان غرضنا الاطمئنان ام ناصيف طيبه، ومهتعرفش في لوع البنات… واجبنا نوعوها ولا ايه؟
هتف بغضب: محدش طلب منكم ارشادات للجواز
تدخلت الحاجة بخيتة: خلاص يا ولدي، إحنا جايين في خير.
ثم نظرت لي. بس عندنا عادة في العيلة، وكل عروسة جديدة لازم تعرفها.
رفعت رأسي بحذر وانا أهمس برعب لناصيف الذي يحاوطني كليا تحت ذراعه : عادة إيه؟
ابتسمت بخيتة وهتفت بخبث:
كل اللي حيلتك يتسلم للكبيره في عزومه كبيره انتي اللي تطبخيها..
شهقت بصدمه وانا اردد كالمجذوبه عزومه كبيره…انتي اللي تطبخيها…
بعد الفطار، طلبت مني حماتي أن أرافقها إلى حديقة السرايا.
خرجنا معًا.
كانت الحديقة واسعة، تتوسطها نافورة حجرية، وتحيط بها أشجار الياسمين والرمان.
جلست حماتي على مقعد خشبي، وأشارت إليّ بالجلوس بجوارها.
قالت بحنان: عارفة يا أسما… أنا كنت خايفة من جوازة ناصيف.
نظرت إليها بدهشة: ليه يا أمي؟
تنهدت: ابني شايل هم العيلة من يوم ما أبوه مات. بقى كبير وهو لسه صغير، ونسي يعيش لنفسه.
سكتت قليلًا ثم أضافت: كنت بدعيله ربنا يرزقه ببنت تخليه يضحك من قلبه.
ابتسمت بخجل: هو بيضحك كتير على فكرة.
نظرت إليّ بدهشة: ناصيف؟!
أومأت ببراءه، فضحكت حماتي.
— يبقى إنتِ عملتي اللي أنا معرفتش أعمله من سنين!
شعرت بدفء في قلبي لكنها أمسكت يدي فجأة.
— بس عايزة أقولك حاجة يا بنتي، توقفت ابتسامتي.
— اتفضلي.
نظرت حولها، ثم قالت بصوت منخفض:
— خلي بالك من سيلين.
تجمدت:— ليه؟
تنهدت.
— الست دي شايلة من ناصيف من زمان، من ساعة ما وقف قدام جوزها في موضوع الأرض.
تذكرت كلام زينة: أرض إيه؟
سكتت حماتي لحظة.
ثم قالت: أرض قديمة حصل عليها خلاف من خمس سنين… ومش عايزة أفتح سيرة وجع دماغ من أول يوم ليكي…شعرت بأن قلبي توقف.
خمس سنين! وقبل أن أتمكن من سؤالها، جاء صوت ناصيف من خلفنا: أمي!
انتفضنا معًا…كان يقف عند مدخل الحديقة، مرتديًا عباءته السوداء، وفي يده هاتفه.
نظر إلى أمه، ثم إلي: — بتتكلموا في إيه؟
ابتسمت حماتي واجباته بسرعة: في أمور الستات يا ولدي مالك دخل فيها..
تأملها لحظة…ثم قال:
— طيب يا امي ماشي … أسما، تعالي معايا شوية.
سرت خلف ناصيف حتى وصلنا إلى مكتب واسع في الجناح الشرقي…كانت الجدران مغطاة برفوف الكتب، وعلى المكتب ملفات هندسية ومخططات لمبانٍ.
التفت إليّ ناصيف: إيه رأيك في المكتب؟
ابتسمت:— حلو أوي.
اقترب تمن أحد الرفوف وأخرجت كتابًا ضخمًا.. بلهفه من عصر علي كنزه الحقيقي , كان كتابًا طبيًا باللغة الإنجليزية عن الطب البديل
اتسعت عيناي: ناصيف الكتاب ده جبته منين؟ دا انا قلبت الدنيا عليه، ابتسم بحنان: انا بحب اقرأ فيه
نظرت إليه بدهشة: بجد ؟ بتقرا عن الطب البديل
اكتفي بابتسامه وهو ينظر لي بحنان ويوميء برأسه فتحت الكتاب بحماس…كان إصدارًا حديثًا من أحد المراجع التي كنت أبحث عنها منذ شهور.
رفعت رأسي إليه وهمست— ناصيف!
ضحك: —قولي يا عيون ناصيف.
شعرت بالخجل…لكنه اقترب قليلًا وقال:
— طاظاهر فينا حاجات كتير مشتركه ..نظرت إلى الكتاب.
ثم إليه…وللمرة الثانية خلال ساعات، شعرت أن هذا الرجل يعرف كيف يقترب من قلبي دون أن يطلب الإذن…قلت بصوت خافت: تقريبا كده فعلا.
ابتسم: هو كده يا دكتورة قلبي…
ضحكت فمال برأسه قليلًا.
— مبسوطه…أجبته بصدق:
— جدًا…اتسعت ابتسامته: و… دي عندي بالدنيا.
لكن فرحتي لم تستمر طويلًا…فجأة فُتح باب المكتب بعد طرقات سريعة…دخل سليم، وكان وجهه متجهمًا..توقف حين رآني.
— معلش يا كبير… ما كنتش أعرف إن المدام عندك.
تغير وجه ناصيف: — خير يا سليم؟
تردد الرجل…ثم قال: لين رجعت تاني ..
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!