رواية عروس الهواري الفصل الثالث عشر 13 بقلم أسما السيد
لتصفح الموقع بدون إعلانات (أضغط هنا)
الفصل الخامس: نار تحت رماد السرايا
بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري
— ناصيف… إنت كنت عارف إن لين هتهرب؟
خرج السؤال من بين شفتاي بصوت لم استطع بث الروح فيه من شده الصدمه، لم أنطقه بالقدر الكافي ليسمعه… الصدمه شلت كل حواسي دفعة واحده..
كانت مجرد همسة هاربة من قلب ارتجف فجأة، بعدما قرأت رسالة أختي التي حولت ليلة زفافي إلى دوامة من الشكوك… لم ترحمني اختي حتي في حالك الظروف لطالما كنت انا وهي في صراع دائم لا اعرف صدقا ما سبب هذا العداء … نزلت دمعه هاربه من عيني قبل أن يرفع ناصيف رأسه نحوي، لـيـ سألني وهو يقترب بهدوء: بتقولي حاجة يا أسما؟
تطلعت إليه طويلًا، الى عينيه السوداويتين اللتين كانتا منذ دقائق تحملان من الحنان ما يكفي لطمأنة فتاة أُلقي بها القدر فجأة في حياة رجل لا تعرفه…
تُري هل كان يمثل عليّ؟هل يعرف حقًا أن لين كانت ستفر ليلة زفافها؟وإن كان يعرف، فلماذا وافق على الزواج مني؟هل أراد الانتقام من أبي وأختي عن طريقي؟ ام هناك شيئاً مازال يشتعل تحت الرماد؟ صوت ناصيف قطع أفكاري: أسما؟ مالك يا بت وهدان؟ وشك اتخطف ليه؟
ابتلعت ريقي، ثم أغلقت الهاتف بسرعة: مفيش… أنا بس تعبانة شوية…ضيق عينيه، وكأنه لم يصدقني.
— تعبانة من إيه؟ وجعك حاجة؟هززت رأسي: لأ… بس اليوم كان طويل، وأنا محتاجة أنام… من وقت هروب لين وانا مش بنام…تأملني لحظات ثم مد يده يتحسس جبهتي بحنان: حرارتك طبيعية… بس وشك أصفر.
كدت أبكي من لمسته، كيف يمكن للرجل نفسه أن يمنحني كل هذا الأمان، بينما تخبرني أختي أنه يخفي عني شيئًا خطيرًا؟!أمسكت يده برفق وأبعدتها: أنا كويسة والله.
ظل ينظر إليّ، ثم تنهد:طيب يا ستي… نامي وارتاحي.
نهض وأحضر غطاءً خفيفًا، ثم وضعه فوقي.
وبينما كان يهم بالابتعاد، وجدته يتوقف ويلتفت نحوي: أسما؟
— نعم؟
— أنا مش عارف إيه اللي غير وشك فجأة… بس لو فيه حاجة مزعلاكي، متخبيهاش عني…
توقفت أنفاسي، كدت أفتح فمي وأسأله عن لين.
لكنني تراجعت…ليس الآن…ليس وأنا لا أعرف الحقيقة.
ليس وأنا أشعر أن أي كلمة قد تخرج مني ستتحول إلى اتهام لرجل لم أرَ منه حتى هذه اللحظة إلا الخير والأمان..
قلت بهدوء: حاضر.
ابتسم ابتسامة صغيرة: تصبحي على خير يا دكتورة .
خفضت عيني: وإنت من أهله.
أطفأ المصباح الكبير، وأبقى إضاءة جانبية خافتة.
ثم استلقى بجواري، تاركًا بيننا مسافة مريحة.
مرت دقائق طويلة.
كنت أسمع أنفاسه الهادئة، بينما عيناي معلقتان بالسقف.
وفجأة جاء صوته من الظلام : أسما؟
شهقت بخفة… وخضه: نعم؟
— إنتِ لسه صاحية؟
— أيوه.
سكت قليلًا…ثم قال بنبرة مازحة:
— طب ما تيجي نعد النجوم بدل ما إحنا الاتنين صاحيين والسلام؟
لم أتمالك نفسي من الضحك: نجوم إيه وإحنا جوه الأوضة؟
— أهو أي كلام… المهم أسمع صوتك.
شعرت بوخزة في قلبي، لكني لم أجب، فقال بعد لحظة:
— نامي يا أسما… بكرة يوم طويل.
أغمضت عيني..لكن النوم لم يأتِ…وبينما كان ناصيف يظن أن عروسه تنام مطمئنة بجواره، كنت أنا أردد سؤالًا واحدًا:يا ترى إنت مخبي عني إيه يا ناصيف الهواري؟ واللي بيحصل دا تخطيط مسبق بالانتقام ولا انت فعلا حاسس معايا بشيء مختلف..
استيقظت على صوت الأذان…كان نور الفجر قد بدأ يتسلل من خلف الستائر الثقيلة.
فتحت عيني ببطء، ووجدت الجانب الآخر من الفراش خاليًا…جلست في مكاني…كانت سجادة الصلاة مفروشة بالقرب من النافذة، وناصيف واقفًا يصلي.
راقبته بصمت…لم يكن يعلم أنني مستيقظة.
وحين انتهى، جلس يسبح قليلًا، ثم رفع يديه بالدعاء.
لم أسمع كلماته…لكنني رأيته يمرر يده فوق وجهه، ثم يلتفت نحوي…وحين وجدني مستيقظة، ابتسم.
— صباح الخير يا ست الهوارية من تعبيراته الممزوجه بضحكاته العفوين يا الهي اين الرجل الجامد البارد المسيطر الذي رأيته أمس بدار ابي؟؟
لم أستطع منع ابتسامتي من حنانه المفرط: صباح النور.
نهض واقترب:— نمتي زين؟
أومأت بكذبة صغيرة: الحمد لله.
جلس على طرف الفراش: طب كويس… علشان النهارده عندنا يوم مش سهل… مش عادي
انقبض قلبي: ليه؟
ابتسم بخبث : أول صباح ليكي في السرايا، وأمي مستنياكي على الفطار، وعماتي غالبًا مجهزينلك لجنة تحقيق جديدة.
اتسعت عيناي رهبة: تاني؟!
ضحك: ما تخافيش من اختبار امبارح ، اللجنة دي اتقفلت بقرار من الكبير.
ثم مال برأسه قليلًا وأضاف: بس أنا عندي تحقيق خاص.
نظرت إليه بحذر: تحقيق إيه؟
— عايز أعرف مراتي هتقولي ايه وسط الوحوش يا ناصيف ولا حضرتك؟
ضحكت رغمًا عني: صباح الخير يا ناصيف.
توقف ثم ظهرت على وجهه ابتسامة واسعة.
— الله! قوليها تاني.
احمر وجهي: ناصيف!
وضع يده فوق صدره بمبالغة: يا نهار أبيض… ده أنا كده مش هخرجك انهارده!
ضحكت.
لكنه فجأة اقترب قليلًا وقال بصوت منخفض:
— عارفة يا أسما؟ أنا كنت فاكر إن أكبر مفاجأة في حياتي حصلت امبارح لما اتجوزتك.
سألته: وهو في تاني؟
ابتسم: طبعا إني صحيت النهارده ومستعجل أشوف وشك.
شعرت بالخجل، فأشحت بوجهي، لكنه لم يزد.
نهض مرددا: يلا جهزي نفسك، وأنا هخلص كذا مكالمه كده وننزل سوا..
بعد ساعة تقريبًا، كنت أقف أمام المرآة أرتدي عباءة واسعة بلون الورد الجاف، وحجابًا من اللون نفسه.
وضعت السوار الذهبي حول معصمي، ثم نظرت إلى نفسي…لم أعد عروس الأمس التي ترتدي فستانًا أبيض.
انا الآن زوجة كبير الهوارية، على وشك النزول إلى بيت لم يستقبلني بعض أهله إلا بالإهانة.
سمعت طرقًا خفيفًا على الباب…تجمدت.
ثم جاء صوت امرأة هادئ:— يا ست أسما… أنا زينة. الست الكبيرة بعتتني أشوف حضرتك محتاجة حاجة؟
تنفست براحة…فتحت الباب قليلًا.
كانت أمامي فتاة في أوائل العشرينات، ترتدي عباءة بسيطة وحجابًا أبيض…ابتسمت بخجل: صباح الخير يا ست هانم.
قلت بسرعة:صباح النور… وبلاش ست هانم دي، قولي أسما.
اتسعت عيناها.: يا نهار أبيض! ده الكبير لو سمعني بناديكي باسمك بس…
ابتسمت: هو ناصيف بيخوفكم للدرجة دي؟
نظرت حولها، ثم اقتربت وهمست: غضبه صعب اوي يا ست أسما. محدش بيحب يزعله… ربنا ما يوريكي يا ست هانم
ثم ترددت: خصوصًا بعد اللي حصل امبارح.
شعرت بقلق خفيف: تقصدي إيه؟
خفضت صوتها: الست سيلين بتقول انها نزل امبارح وهانها جوي… وبتقول إنك خليتي الكبير يطردها من جناحه قدام النسوان…
تجمدت: أنا؟!
أومأت زينة: وخايفه منه ومرعوبه، غير أنها بتقول انها مش هتسكت
شعرت بالغضب يتصاعد في صدري…لكنني تمالكت نفسي: وأنا عملتلها إيه أصلًا؟
نظرت زينة إليّ بحزن.
— حضرتك ما عملتيش حاجة… بس الست سيلين ما بتحبش حد جديد يدخل السرايا ويبقى ليه كلمة.
ثم ترددت قليلًا: خصوصًا لو الكبير حطه فوق راسه.
نظرت إليها باستغراب. وإنتِ عرفتي منين إنه حطني فوق راسه؟ دا انا نفسي معرفش الكلام دا!
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!