رواية عروس الهواري الفصل الثامن 8 بقلم أسما السيد
لتصفح الموقع بدون إعلانات (أضغط هنا)
— إنتِ مين؟!
لم أتخيل يومًا أن أول سؤال سيوجهه إليّ زوجي ليلة زفافنا سيكون عن هويتي! من انا حقًا
استدرت نحو الصوت بفزع، وقد انسدل شعري البني الطويل فوق ظهري، بينما كنت أقف أمام المرآة الكبيرة أحاول نزع أحد دبابيس طرحة الزفاف العالقة بين خصلاته…
كان ناصيف الهواري واقفًا عند باب الجناح، مرتديًا جلبابه الصعيدي الأبيض، وقد ألقى عباءته السوداء فوق كتفه العريض بإهمال من تلك الليله الطويله..لم يكن ينظر إلي فحسب.
بل كان يحدق في وجهي وكأنه يرى شيئًا لم يكن قد يتوقع وجوده!
عيناه السوداوان، اللتان لم أعرف فيهما سوى الحزم والبرود، اتسعتا بدهشة واضحة، بينما توقفت يده فوق مقبض الباب..
شعرت بالحرج من نظراته، فأسرعت أتناول حجابي الموضوع فوق المقعد.
لكن صوته أوقفني وهو يستعيد هيبته قليلا وكأنه يخبر نفسه انا لست رجل تغزوني الشهوه لاندفع: استني يا أسما!
التفت إليه بارتباك: نعم؟!
ظل ينظر إليّ لحظات، ثم هتف مرة أخرى بحذر:— أسما؟!
عقدت حاجبي بدهشة، قبل أن أجيبه بضيق: هو حضرتك اتجوزت كام واحدة النهارده غير اسما يعني؟!
لم يجب…بل أغلق الباب خلفه ببطء، وتقدم خطوتين إلى داخل الغرفة.
كانت عيناه تنتقلان بين ملامحي وانعكاسي في المرآة، وكأنه يحاول التأكد أن الفتاة الواقفة أمامه هي نفسها التي تحدث معها قبل ساعات من خلف نقاب أسود.
أما أنا، فقد ازداد ارتباكي…لم أكن معتادة أن يراني رجل غريب دون حجابي، ولم أعتد نظرات الإعجاب المباشرة… حدسي لايجذب ونظراته لا يخطؤها عاقل رشيد..
ورغم أن ناصيف أصبح زوجي بعقد شرعي قبل ساعات، فإن عقلي لم يكن قد استوعب هذه الحقيقة بعد…قلت وأنا أرفع حجابي إلى صدري: علي كلٍ أيوه أنا أسما… محدش بدلني تاني لا تقلق؟!
عندها فقط ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة…ابتسامة غريبة لم أرها من قبل.ثم قال بصوت منخفض:
— لا… أنا بس ما كنتش متوقع المفاجأة دي…
نظرت إليه بحذر:— مفاجأة إيه؟!
لم يجب مباشرة…اقترب من المقعد المجاور للباب، ووضع عباءته فوقه، ثم عاد ينظر إلي: إنك حوريه من الجنه يا بت وهدان
تغير وجهي على الفور… انعقد لساني وتوردت وجنتاي وابتعدت قليلا.. لم أكن أتوقع ذلك الاطراء منه بهذه السرعه..
همست بخجل: هه..
= اللي يشوفك دلوقتي ميصدقش انك الفرسه الجامحه بتاع الصبح.. مختلفه ..
خفضت عيني إلى الأرض… وانا ارتجف .. اكمل ببساطه: مختلفه.. فهمست: الاختلاف ده عاجب حضرتك ولا مضايقك؟
ساد صمت قصير…ثم سمعت صوته يقترب قليلًا…
— أسما… بصي لي..رفعت عيني إليه بتردد.
كان يقف على مسافة محترمة مني، لكن قربه جعلني ألاحظ تفاصيل وجهه للمرة الأولى…ملامحه الحادة…لحيته السوداء المهذبة…أنفه المستقيم…وعيناه اللتان كانتا تحملان نظرة يصعب تفسيرها..اردف بهدوء:— إنتِ جميلة جدًا.
تجمدت…لم أتوقع أن ينطق بهذه الكلمات بتلك البساطة.
شعرت بحرارة شديدة تتسلل إلى وجنتي، فأخفضت رأسي بسرعة… ووو
لكنني افقت علي دق الباب بحده وأمه واخته ونسوان العيله كلها فوق. راسنا..
وواحده بتقرب مني وبتقول وهي بتشدني من دواعي: العروسه اتبدلت يا خيتي اش درانا اني دي كمان
لكنني أفقت من ارتباكي على طرقات عنيفة فوق باب الجناح، أعقبها صوت امرأة تصرخ من الخارج:
— افتح يا ناصيف! افتح يا ولدي، إحنا مش هنسيب الليلة دي تعدي من غير ما نفهم اللي حصل!
تجمدت في مكاني.
أما ناصيف، فقد اختفت ابتسامته في لحظة، واستدار نحو الباب بعينين اشتعل فيهما الغضب.
— مين اللي بيخبط على بابي بالطريقة دي؟!
جاء صوت والدته مرتبكًا:
— أنا يا ولدي… افتح، عماتك ونسوان العيلة عايزين يتكلموا معاك!
نظر ناصيف إليّ.
كنت ما زلت واقفة أمام المرآة، وشعري منسدل فوق ظهري، وطرحة الزفاف بين يدي.
قال بصوت منخفض:— غطي شعرك يا أسما.
أسرعت إلى حجابي، لكن الطرقات ازدادت عنفًا، حتى شعرت أن الباب سيتحطم.
— افتح يا ناصيف! إحنا عارفين إن العروسة اتبدلت!
كان صوت امرأة مسنة لم أتعرف إليه…اقترب ناصيف من الباب، وقال بنبرة جعلتني أرتجف: اللي ورا الباب ده لو ما بطلش خبط حالًا، والله ما هيعجبه اللي هيحصل!
ساد الصمت لثوانٍ ثم جاء صوت مهيرة، شقيقته: افتح يا أخويا، الموضوع كبير، والناس كلها عرفت!
أغمض ناصيف عينيه لحظة، وكأنه يحاول السيطرة على غضبه.
ثم التفت إليّذ: خليكِ مكانك، ومحدش هيقرب منك.
لم أفهم سبب قوله ذلك…لكنني فهمت بعد ثوانٍ، حين فتح الباب.
كانت والدته تقف في المقدمة، وخلفها مهيرة، وامرأتان كبيرتان في السن، وعدد من نساء العائلة.
بعضهن يرتدين العباءات السوداء، وبعضهن ما زلن بثياب الزفاف المطرزة.
كان المشهد أشبه بمحكمة انعقدت أمام جناح عروس لم يمضي على زواجها سوى ساعات!
قال ناصيف ببرود مخيف:— خير؟!
تقدمت امرأة ممتلئة الجسد، ذات وجه صارم وعينين حادتين.
عرفت لاحقًا أنها عمته الكبرى، الحاجة بخيتة.
رفعت عصاها الصغيرة في وجهه وقالت: خير إيه يا ابن أخويا؟! إحنا طول النهار بنزغرط ونفرح، وفي الآخر نعرف إن اللي دخلت بيت الهواري مش العروسة اللي اتفقنا عليها؟!
شد ناصيف فكه: وده يخص مين غيري أنا ومراتي؟
شهقت المرأة: مراتك؟! بالسهولة دي؟! دي أخت اللي هربت منك يا ناصيف!
تدخلت والدته بسرعة: يا بخيتة، وطي صوتك! الناس نايمة!
لكن عمته لم تتراجع.
— لأ، مش هوطي صوتي! أنا عايزة أفهم إحنا بقينا لعبة في إيد بنات وهدان ولا إيه؟! واحدة تهرب، والتانية تيجي مكانها، وإحنا نبلع الإهانة ونسكت؟!
شعرت بأن وجهي يحترق.
كنت واقفة خلف ناصيف، أتشبث بطرف حجابي، وأتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعني.
لكن المصيبة لم تتوقف عند الكلمات…فجأة تقدمت امرأة أخرى من بين النساء.
كانت أصغر من الحاجة بخيتة بقليل، طويلة القامة، ترتدي عباءة سوداء مطرزة بخيوط ذهبية.
لم أكن أعرف اسمها..لكنني لم ولن أنسَ وجهها بعد تلك الليلة.
اقتربت مني، ومدت يدها فجأة، وأمسكت ذراعي بعنف.
— تعالي هنا يا بت …شهقت من المفاجأة: حضرتك بتعملي إيه؟!
انتي مجنونه! سيلين…
جذبتني نحوها وهي تقول بصوت مرتفع: العروسة اتبدلت يا خيتي! إش درانا إن دي كمان مش هتخلع وتجري زي أختها؟!
شعرت بأصابعها تضغط فوق ذراعي حتى آلمتني…حاولت تخليص يدي.
— سيبي إيدي لو سمحتي!لكنها شدتني مرة أخرى.
— لأ، ما هو لازم نعرف إنتِ جاية بيت الهواري ليه! علشان تبقي ست الدار، ولا علشان تنقذي فضيحة أختك؟! ولا جيالنا بهار جديد تكونيش حباله يابت كيف خشيتك ما بيقولوا عليها
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!