رواية عروس الهواري الفصل التاسع 9 بقلم أسما السيد
لتصفح الموقع بدون إعلانات (أضغط هنا)
وقبل أن أتمكن من الرد، دوى صوت ناصيف في المكان:
— إيدك يا مرت عمي! تجمدت المرأة…أما أنا، فقد توقفت أنفاسي.
اقترب ناصيف بخطوتين سريعتين، وأمسك معصمها ليبعد يدها عن ذراعي دون أن يؤذيها…ثم وقف بيننا.
— إنتِ إزاي تمدي إيدك على مراتي؟!ارتبكت المرأة، لكنها حاولت التماسك.
— يا ولدي، أنا بس كنت…قاطعها بصوت منخفض، لكنه أشد رعبًا من الصراخ:— أنا ما سألتكيش كنتِ بتعملي إيه. أنا بسألك مين سمحلك تلمسيها؟!
تدخلت الحاجة بخيتة غاضبة:— ناصيف! دي مرات عمك، وعيب تكلمها بالطريقة دي!
استدار إليها: والعيب الأكبر إن نسوان العيلة يطلعوا على أوضة عريس وعروسة ليلة فرحهم، ويهينوا العروسة ويمدوا إيديهم عليها! هو مش انا عارف وراضي ايش دخلكم في الموضوع ده؟!
ساد صمت ثقيل…حتى مهيرة، التي كانت تقف خلف والدتها، خفضت عينيها.
أما ناصيف فأكمل:
— اسمعوني كلكم زين. أنا اللي وافقت أتجوز أسما. وأنا اللي كتبت كتابي عليها قدام الناس. ومحدش ضحك عليا، ولا حد بدللي عروسة من ورا ضهري.
ثم أشار إليّ دون أن يلتفت: واللي واقفة ورايا دي مراتي، وست البيت ده. واللي يهينها يبقى أهان ناصيف الهواري بنفسه!
ارتجف قلبي…لم أكن أعرف لماذا أثرت كلماته إلى هذا الحد بقلبي..ربما لأنني، منذ هروب لين، لم أسمع أحدًا يدافع عني بتلك القوة.
وربما لأن الرجل الذي كنت أخشاه أصبح فجأة الشخص الوحيد الذي يقف بيني وبين إهانة لا أستحقها.
قالت والدته بصوت مرتجف: حقك علينا يا ولدي. إحنا ما كناش نعرف إن الموضوع وصل لكده… مادام كنت خابر خلاص شيلتك وانت ادري بيها..
نظر إليها ناصيف، فهدأت نبرته قليلًا إنتِ على راسي يا أمي، بس أنا مش هسمح لحد يدخل حياتي بالطريقة دي، حتى لو كان أقرب الناس ليا.
ثم التفت إلى النساء الواقفات خلفها.
— وكل واحدة فيكم ترجع بيتها دلوقتي. واللي عندها كلمة تقولها عن أسما، تقولها لي أنا.
تحركت النساء نحو السلم، تتبادلن النظرات والهمسات.
لكن الحاجة بخيتة توقفت عند الباب…التفتت نحوي، ثم قالت بنبرة لم أرتح لها: ربنا يجعلها عروسة خير عليك يا ابن أخويا… وما تطلعش زي أختها.
اشتد وجه ناصيف: عمتي!
رفعت المرأة يدها:خلاص يا ولدي، إحنا ماشيين.
ثم انصرفت…بقيت مهيرة واقفة في مكانها.
كانت تنظر إليّ بنظرة غريبة، لم أستطع تفسيرها.
وفجأة قالت:— ناصيف… إنت متأكد إنك عارف كل حاجة عن لين؟
استدار أخوها ببطء.— تقصدي إيه؟
ترددت مهيرة…ثم قالت:
— ولا حاجة… تصبحوا على خير.
وغادرت بسرعة.
لكن كلماتها بقيت معلقة في الهواء…وأنا كنت أعرف، من حديث لين القديم، أن وراء تلك الجملة حكاية لم تُروَ بعد.
—
أغلق ناصيف الباب…ثم استدار نحوي.كان وجهه لا يزال متجهمًا، وعروق رقبته بارزة من شدة الغضب.
أما أنا، فكنت واقفة في مكاني، أحاول إخفاء ارتجاف يدي…خائفه الي حد الانهاك فقط جل ما اريده حضن امي وحنان ابي..
اقترب مني وسألني بحذر:— وجعتك؟ حقك عليا
صمت لكن عيناي كانت تهدد بذرف دموع الحسره والوجع من كل ما مررت به بسبب ذنب لم ارتكبه.. اقترب وهمس وهو يمد يده نحوي ذراعي: الست اللي شدت إيدك… وجعتك؟
نظرت إلى موضع أصابعها…كان الجلد قد احمر قليلًا…حاولت إخفاء ذراعي خلف ظهري: بسيطة…لكن ناصيف لم يقتنع:وريني.
ترددت. فهس بهدوء: أسما، انتي خايفه مني، أنا بس عايز أطمن.
مددت ذراعي إليه..نظر إلى الاحمرار، فتغير وجهه.
— دي بسيطة عندك؟!قلت بسرعة:— الحمدلله
رفع عينيه إلي ثم ابتعد وأحضر علبة إسعافات صغيرة من أحد الأدراج…نظرت إليه بدهشة.
— حضرتك بتعمل إيه؟
أجاب وهو يفتح العلبة: بدور على حاجة للكدمات.
لم أتمالك ابتسامتي
— أنا في تالتة طب يا ناصيف، واللي اتعلمته فيها يخليني اقولك إن الموضوع مش محتاج كل ده… متقلقش
رفع رأسه، وظهرت الدهشه علي محياه ثم ابتسامة صغيرة نبتت على وجهه: اللي اتوقعته من كلامك الظهر قلت إن اخرك سياسه واقتصاد… إنما دكتوره وكليه طب مش لايق علي رقتك يا دكتوره.. قلت بجدية وتيه: انا مش فاهمه حاجه خالص..
هتف بابتسامه: مش مهم .. بعدين تفهمي يا دكتوره
= لسه مبقتش.. أغلق العلبة…
=هتبقي يا دكتوره.. ولحد ما تبقي تسمعي كلام المريض.
عقدت حاجبي:— مريض مين؟
أشار إلى صدره:— أنا.
اتسعت عيناي:— حضرتك تعبان؟!
ابتسم ابتسامة أربكتني: حضرتك.. ايه بس؟! أيوه يا ستي… من ساعة ما دخلت الأوضة وشوفتك، وأنا مش عارف مالي!
تجمدت…ثم خفضت رأسي بسرعة: ناصيف!
ضحك للمرة الأولى منذ اقتحام النساء للجناح.
— نعم يا دكتورة قلبي؟
كنت أشعر أن وجنتيّ تحترقان…لكنه لم يزد من إحراجي.
أعاد العلبة إلى مكانها، ثم قال:— خلاص، مش ههزر معاكي تاني.
رفعت عيني إليه.
— هو حضرتك بتعرف تهزر أصلًا؟!
ابتسم: أحيانًا…ثم أضاف وهو ينظر إليّ باهتمام: بس واضح إنك لسه مش مصدقة إن ناصيف الهواري ممكن يضحك… شكلك واخده عني فكره وحشه اوي
قلت دون تفكير:— بصراحة… أيوه.
ضحك مرة أخرى.
وكانت ضحكته مختلفة تمامًا عن صورته التي رسمتها في خيالي.
لم تكن عالية أو صاخبة..بل هادئة، عميقة، جعلت ملامحه الحادة أكثر وسامة.
وللمرة الأولى منذ دخلت هذا البيت، وجدت نفسي أبتسم دون خوف… اقترب مني وبهدوء وبدون سابق انذار حاوطني بذراعه حتي صرت وانتي عصفوره احتمي بجناح الصقر وهمس بجوار أذني: محدش بالكون دا يقدر يلمسك ولا يهينك طول ما انتي مرت الكبير.. مرت ناصيف الهواري يا اسما .. اياكي تخافي.. انا مش راجل ضعيف ولا احب تكون مرتي ضعيفه وانا فيا نفس رايح جاي يابت وهدان..
—
ابتسمت بامتنان له وانا انظر لعينيه التي انعكست صورتها علي المراه ونحن أمامها .. لكن ابتسامتي اختفت حين وقع بصري على الصوره كامله .رأيت انعكاس صورتي بجوار صورته.
كنت أرتدي فستان زفافي الأبيض، بينما يقف إلى جواري رجل لم أكن أعرفه قبل يوم واحد…شعرت فجأة بثقل الحقيقة.
أنا زوجته…زوجة ناصيف الهواري…ولست مجرد ضيفة ستعود إلى بيت أبي صباحًا…لاحظ ناصيف تغير ملامحي.
— سرحتي في إيه؟هززت رأسي. وابتعدت عنه بخجل وانا المم ثيابي ونفسي..وهمست: ولا حاجة.
اقترب من المقعد وجلس:— تعالي اقعدي يا أسما. واضح إن عندك كلام كتير محبوس..جلست على الطرف الآخر من الأريكة.
وضعت يدي فوق ركبتي، وظللت أنظر إلى خاتم الزواج في إصبعي: قال ناصيف بهدوء تعالي عاوز اتكلم معك:
— لسه زعلانة من اللي حصل؟
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!