رواية هاشم المسيري وامل الفصل الثانى 2 بقلم القلم الذهبي
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
غادر هاشم المسيري مركز “النور” وعقله في حالة من الغليان التي لم يعهدها من قبل. لطالما كانت كلمته هي القانون النافذ في السوق وفي حياته، ولم يجرؤ أحد على وضع شروط أمامه، فكيف بـ أخصائية نفسية شابة تقف بـ معطفها الأبيض وتتحداه بـ كبرياء وعزة نفس شامخة؟ كان يود بـ كبريائه الحديدي أن يتجاهلها تماماً ويبحث عن غيرها، لكن صورة ابنته تولين وهي تنزوي في ركن الغرفة بـ صمتها المطبق كانت تُمزق قلبه بـ دماء باردة.
في المساء، كان هاشم يجلس في ردهة قصره الفخم المصمم بـ أحدث الطرازات العالمية الجافة. لم يكن في القصر روح؛ بل مجرد جدران رخامية باردة تفتقد الدفء. نظر إلى تولين التي كانت تمسك بـ كتاب مصور مقلوب وتنظر إلى الفراغ. تنهد بـ ثقل أصاب صدره، وقرر لـ أول مرة في حياته أن يتنازل عن جزء من كبريائه لـ أجل طفلته.
وفي صباح اليوم التالي، وتحديداً في تمام الساعة العاشرة، فوجئت أمل بـ دخول هاشم المسيري إلى عيادتها مجدداً. لم يكن بـ رفقته حراس هذه المرة، بل كان يمسك بـ يد الصغيرة تولين. كان يرتدي حلة كلاسيكية رمادية تفيض بـ الهيبة والوسامة الطاغية، وعيناه الصقريتان تحملان مزيجاً من التحدي والاهتمام.
تقدم هاشم ووقف أمام مكتب أمل، ونظر إليها بـ وقار هادئ وقال بـ نبرة صوت عميقة وجادة: “لقد أحضرتُ تولين بـ نفسي يا دكتورة أمل، لستُ هنا لـ أدير صفقة، بل لـ أنفذ شرطكِ بـ صفتي والدها. لكن تذكري جيداً.. أنا رجل يراقب كل تفصيلة، ولا أقبل بـ ضياع الوقت.”
ابتسمت أمل بـ رقة ونقاء أذابا جزءاً من جليد المقابلة الأولى. نزلت من خلف مكتبها بـ خطوات ورعة ورزينة تفيض بـ عزة النفس، ولم تلتفت لـ عتاب هاشم، بل نزلت بـ جسدها لـ تكون في مستوى طول الصغيرة تولين. نظرت أمل في عيني الطفلة بـ حنان بالغ، وأخرجت من جيبها علبة صغيرة تحوي ألواناً خشبية وورقة بيضاء مرسوم عليها عصفور صغير.
قالت أمل بـ صوت عذب كـ الموسيقى الداعمة: “مرحباً يا تولين.. أنا اسمي أمل، وهذا العصفور يبحث عن شخص ذكي يلون أجنحته بـ ألوان الفرح. هل تساعدينه؟” نظرت تولين إلى أمل بـ حذر شديد، ورفعت عينيها المطفأتين نحو والدها هاشم، ثم بـ وتيرة بطيئة للغاية، مدت يدها الصغيرة المرتجفة وأخذت القلم الأحمر من أمل.
راقب هاشم هذا المشهد بـ ذهول مكتوم؛ فـ تولين لم تكن تتجاوب مع أي طبيب دخل القصر بـ أمواله. شعر بـ نبضة غريبة تضرب صدره وهو يرى نقاء أمل وسحرها اللطيف يتعامل مع صمت طفلته بـ كبرياء شريف لا يطلب مقابلاً، بل يطلب روح الطفلة بـ الشرف.
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!