رواية مهران الجارحي وزينب الفصل الثانى 2 بقلم القلم الذهبي
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
مرت الأيام والتوتر بين مهران وزينب يزداد وضوحاً لـ أهالي الموقع، الذين باتوا يتابعون بـ اهتمام هذا الصدام اليومي بين “الصرامة الحديدية” و”الأصالة والنقاء”. ورغم أن مهران كان يمثل السلطة والحسم، إلا أن زينب استطاعت في وقت قصير بفضل عذوبتها وحرصها المخلص أن تكسب ثقة ومحبة كل العمال والفنيين بـ نصائحها وتواضعها الشريف.
وفي مساء أحد الأيام، ثارت فجأة عاصفة رعدية هوجاء مصحوبة بـ أمطار غزيرة غطت سماء المنطقة بـ ظلام كثيف بـ دماء باردة. أصدر مهران أوامره الصارمة بـ إيقاف كافة الأعمال وسحب العمال إلى غرف الإيواء المأمونة بـ سرعة خفية. وقف خلف زجاج مكتبه يتابع تراجع الآليات، وشعر بـ انقباض في صدره لـ أول مرة عندما لاحظ أن سيارة زينب الميدانية ليست بين السيارات العائدة من القطاع الجنوبي المعزول المعرض لخطر الانهيارات الطينية.
تحركت في مهران الشهامة والمروءة الأصيلة بـ لمح البصر؛ خلع سترته وشمر عن ساعديه، واندفع خارج المقطورة وسط الرياح والسيول العاتية غير مبالٍ بـ الخطر الذي يهدد حياته. قاد سيارته الدفع الرباعي وسط انعدام الرؤية، والقلب الذي ظنه حديدياً كان ينبض بـ رعب عارم خوفاً على سلامة زينب ونقائها.
بعد نصف ساعة من البحث الشاق وسط الطين والركام، وجد سيارتها متعطلة، وكانت زينب تقف بـ شجاعة تحاول تأمين عامل مسن تقطعت به السبل ولم يستطع السير بـ سبب إصابة بسيطة في قدمه. هبط مهران من سيارته كـ الإعصار بـ غضب مرعب، وحمل العامل بـ بنية قوية ووضعه بـ الأمان في المقعد الخلفي، ثم التفت نحو زينب وبـ حسم غاضب تملؤه اللهفة، أمسك بـ يدها الرقيقة وسحبها لـ تركب بـ جانبه.
بـ مجرد دخولهم المقطورة الدافئة، التفت مهران نحوها وصاح بـ غضب مكتوم يخفي وراءه خوفاً جارفاً: “هل جننتِ يا باشمهندسة؟ بقاؤكِ في الخارج وسط هذه السيول لـ أجل عامل كان سـ يكلفكِ حياتكِ بـ هذه البساطة! الشجاعة لا تعني التهور وإلقاء نفسكِ في المهالك!”
نظرت زينب إلى عيونه الصقريتين الحادتين بـ دموع حبيسة تفيض بـ النبل والعزة، وقالت بـ صوت عذب وقوي زلزل حصون قسوته: “يا مهران بيه.. هذا العامل له أسرة تنتظر عودته بـ شرف، وحياتي ليست أغلى من أمانتي الإنسانية والمهنية. شهامتك التي جعلتك تخاطر بـ حياتك لـ تنقذنا الآن، تثبت أن خلف قناع صرامتك المصطنعة رجلاً شهماً يعرف معنى الرحمة والتضحية بـ الفطرة، فلماذا تحارب أصلك الطيب؟” صمت مهران بـ صدمة وعجز عن الرد لأول مرة؛ كلمات النقية نفذت إلى أعماق روحه وأيقظت مشاعر دافئة حاول دفنها لـ سنوات.
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!