رواية عروس الهواري الفصل الرابع 4 بقلم أسما السيد
لتصفح الموقع بدون إعلانات (أضغط هنا)
— إنتوا عايزين تجوزوني لراجل أختي هربت منه؟! يعني علشان تنقذوا سمعتكم تدفنوني أنا بالحيا؟! حرام عليكم! أنا لسه بدرس، ولسه قدامي مستقبل وأحلام!
صرخت بهذه الكلمات وأنا جاثية على ركبتي أمام أبي، أقبل يده وأتوسل إليه أن يرفض اقتراح عمي.
لم أكن أصدق أنني أصبحت فجأة الحل الوحيد لمصيبة لم أرتكبها، وأن مستقبلي كله بات معلقًا بقرار يتخذه رجال العائلة لإنقاذ سمعتهم أمام الناس.
لكن عمي حسان ضرب عصاه بالأرض بعنف، وصاح بصوته الجهوري:
— جومي يا بت من مكانك! إنتِ مش فاهمة حجم المصيبة اللي إحنا فيها! بكرة الفرح، والهوارية لو عرفوا إن عروستهم هربت، مش هيسيبونا نرفع راسنا وسط الخلج!
رفعت وجهي إليه، ونظرت إليه من خلف نقابي الأسود بعينين أغرقتهما الدموع، وقلت بصوت مخنوق:
— وأنا ذنبي إيه يا عمي؟! هو أنا اللي هربتها؟ ولا أنا اللي وافقت على الجوازة من الأول؟!
فجأة دوى صوت أبي في أرجاء الصالة:
— وطي صوتك يا أسما! إنتِ بتتكلمي مع عمك!
صمتُّ على الفور.
لم أعتد أن يرفع أبي صوته عليّ، ولم أعتد أنا أن أجادله بهذه الطريقة، لكن الخوف والغضب كانا أكبر من قدرتي على الاحتمال.
انهمرت دموعي دون أن أشعر، بينما ظللت أنظر إلى أبي في صدمة.
أنا أسما وهدان، أبلغ من العمر واحدًا وعشرين عامًا، وطالبة في الفرقة الثالثة بكلية الطب.
نشأت في التعليم الأزهري منذ طفولتي، وحفظت كتاب الله، وتربيت على احترام والديّ وكبار عائلتي.
لم أكن يومًا فتاة متمردة أو كثيرة المطالب.
كانت أحلامي بسيطة، وإن بدت كبيرة في عيون الآخرين.
كنت أحلم بأن أصبح طبيبة ناجحة، وأن أتخصص في جراحة القلب، وأفتح عيادة أعالج فيها الفقراء وغير القادرين.
كنت أريد أن يكون لي أثر طيب في حياة الناس، وأن أجعل أبي يفتخر بي كلما سمع أحدهم يناديني: «يا دكتورة أسما».
ورغم أن الله رزقني بجمال كان حديث نساء العائلة، فإنني لم أهتم يومًا بتلك الأحاديث.
كانت بشرتي صافية فاتحة، وملامحي رقيقة متناسقة، وعيناي زيتونيتين واسعتين، تحيط بهما رموش سوداء كثيفة.
وكان شعري البني الطويل يزيد ملامحي نعومة وجمالًا، لكنني منذ ارتديت النقاب في السنة الأولى من الجامعة، أصبحت أرى أن جمالي نعمة تخصني، لا وسيلة للتفاخر أمام الآخرين.
أما أختي لين، فكانت مختلفة عني تمامًا.
كانت جميلة وجريئة، تحب الخروج والتنزه والملابس الأنيقة، وتكره القيود التي تفرضها عليها العائلة.
كثيرًا ما كانت تجلس أمامي وأنا أراجع محاضراتي، وتقول ساخرة:
— يا بنتي إنتِ عايشة كأنك ست عندها خمسين سنة! افرحي بشبابك شوية!
فأضحك وأجيبها:
— كل واحد يا لين بيفرح بطريقته.
فتتنهد بضيق وتقول:
— والله إنتِ هتفضلي مدفونة وسط الكتب دي لحد ما عمرك يخلص!
لم أكن أغضب من كلامها.
فقد كنت أحب أختي رغم اختلاف طباعنا، ولم أتخيل يومًا أن رغبتها في الهروب من زواجها ستضعني أنا أمام المصير نفسه.
عدت أنظر إلى أبي، وقلت بصوت مرتجف:
— يا بابا، أنا مش موافقة، والجواز من غير رضايا مينفعش. إنت اللي علمتني ديني، وقلتلي إن البنت ليها حق تختار جوزها.
خفض أبي رأسه، ولأول مرة في حياتي رأيته عاجزًا عن الرد.
كان رجلًا قوي الشخصية، معروفًا بحكمته بين أهل البلدة، لكن هروب لين قبل الزفاف بيوم واحد جعله يبدو أكبر من عمره بعشرين عامًا.
تدخل عمي حسان بضيق:
— يا بنت أخويا، ناصيف الهواري تتمناه بنات البلد كلتها! راجل سيد الرجالة، كبير عيلته، وعنده أرض ومال وهيبة، وإنتِ هتعيشي معاه ست الستات!
مسحت دموعي بطرف حجابي، وسألته:
— طب ما هو لو كويس بالشكل ده، أختي هربت ليه؟
صمت عمي لحظة، ثم ضرب الأرض بعصاه مرة أخرى.
— أختك عقلها خفيف، وضيعت نصيبها بإيدها!
قلت بحزم:
— وأنا مش هبقى بديلة عنها يا عمي!
اقتربت أمي مني، وأمسكت يدي وهي تبكي.
— علشان خاطري يا أسما… أبوكي تعبان، والموضوع أكبر مننا.
نظرت إليها في صدمة.
كنت أظن أنها ستكون أول من يدافع عني.
— حتى إنتِ يا ماما؟!
تهربت من نظراتي، وقالت بصوت مكسور:
— أنا عايزة أحمي بيتنا يا بنتي.
سحبت يدي من يدها، ونهضت ببطء.
ثم نظرت إلى الوجوه المحيطة بي وسألت سؤالًا لم يجب عنه أحد:
— وأنا مين يحميني؟
ساد الصمت.
لم أعد أحتمل البقاء بينهم، فاستدرت ودخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي.
جلست فوق سجادة الصلاة، وانهرت في البكاء.
لم أكن أخشى الزواج وحده، بل كنت أخشى أن أفقد نفسي في حياة لم أخترها.
أن أتحول من فتاة لها أحلام وطموحات إلى مجرد حل لمشكلة عائلية.
أن أستيقظ غدًا فأجد نفسي زوجة رجل لا يعرف عني شيئًا، ولم يكن يريد الزواج مني أصلًا.
وبينما كنت أحاول تهدئة نفسي، عادت إلى ذاكرتي محادثة دارت بيني وبين لين قبل أسبوع واحد.
كانت تجلس أمامي فوق السرير، تدير خاتم خطوبتها حول إصبعها بعصبية واضحة.
وفجأة سألتني:
— أسما، إنتِ عمرك شوفتي ناصيف الهواري؟
رفعت عيني عن الكتاب وأجبت:
— لا، بس سمعت عنه.
ضحكت بسخرية.
— يا بختك! ده راجل يخوف الحجر.
عقدت حاجبي بدهشة.
— ليه يعني؟
— علشان محدش يقدر يقول له لأ! حتى أبوه بيحسب له حساب!
قلت محاوِلة تهدئتها:
— يمكن الناس بتبالغ يا لين.
نظرت إليّ نظرة غريبة، ثم قالت:
— لو عرفتي حكايته مع مهيرة أخته، هتعرفي إني مش ببالغ.
وقبل أن أتمكن من سؤالها عن التفاصيل، نهضت وغادرت الغرفة.
لم أفهم وقتها سبب خوفها.
أما الآن، فقد بدأت أتساءل إن كانت تعرف شيئًا عن ناصيف لا يعرفه أحد.
لكن ما لم أكن أعلمه أن ناصيف الهواري نفسه كان يخفي وراء مظهره الصعيدي الصارم حياة أخرى، وأسرارًا لم يسمع بها معظم أهل البلدة.
في الجانب الآخر من البلدة، كان ناصيف الهواري يجلس داخل مكتبه الواسع، تحيط به الملفات والأوراق الهندسية، بينما يستقر أمامه هاتفان لا يتوقف أحدهما عن الرنين.
كان في الخامسة والثلاثين من عمره، طويل القامة، عريض الكتفين، ذا بشرة قمحية وملامح حادة شديدة الوسامة.
وكانت عيناه السوداوان تحملان نظرة ثابتة تجعل من يجلس أمامه يفكر طويلًا قبل أن يتحدث.
عرفه أهل البلدة باعتباره كبير عائلة الهواري وصاحب الأراضي الزراعية الواسعة، والرجل الذي يتولى إدارة شؤون العائلة وحل خلافاتها.
لكن معظمهم لم يكن يعرف أن ناصيف مهندس مدني، وأنه يمتلك مجموعة ضخمة من شركات المقاولات والاستثمار العقاري في القاهرة وبعض دول الخليج.
كان يدير أعماله من مكتبه الخاص، ويسافر إلى القاهرة باستمرار لمتابعة مشروعاته، لكنه لم يكن يحب الحديث عن ثروته أو التفاخر بما يمتلك.
حتى بعض أقاربه كانوا يظنون أن أمواله جميعها جاءت من الأراضي والميراث.
بينما الحقيقة أنه بنى الجزء الأكبر من ثروته بجهده وعمله، حتى أصبح اسمه معروفًا في مجال الاستثمار العقاري خارج حدود محافظته.
كان منهمكًا في مراجعة أحد الملفات حين دخل عليه صديقه ومدير أعماله، المهندس سليم.
وقف سليم عند الباب، ونظر إليه بدهشة مصطنعة.
— يا عريس، هو إنت ناوي تفضل شغال لحد ليلة فرحك؟
رفع ناصيف عينيه عن الأوراق وسأله بجدية:
— في مشكلة في مشروع القاهرة؟
ضحك سليم وهو يقترب من المكتب.
— لا، المشروع تمام، بس المشكلة فيك إنت!
عقد ناصيف حاجبيه.
— مالي؟
جلس سليم أمامه، وقال ساخرًا:
— أول مرة أشوف عريس بكرة فرحه، وقاعد يراجع مقايسات خرسانة!
أغلق ناصيف الملف بهدوء.
— الجواز مش معناه إن الدنيا تقف.
هز سليم رأسه، ثم سأله بجدية:
— ناصيف، إنت متأكد من الجوازة دي؟
نظر إليه ناصيف طويلًا.
— تقصد إيه؟
— أقصد إنك عمرك ما قعدت مع لين قعدة تعرف فيها شخصيتها، ولا حتى اتكلمت معاها كفاية.
تنهد ناصيف، وأسند ظهره إلى مقعده.
— الخطوبة تمت برضاها ورضا أهلها، وأنا كنت واضح من البداية. لو مش موافقة، الباب كان مفتوح.
قال سليم:
— بس الجواز مش مجرد اتفاق بين عيلتين.
صمت ناصيف لحظة، ثم أجاب:
— عارف.
— أمال وافقت ليه؟
اتجهت نظرات ناصيف نحو النافذة المطلة على الحديقة.
— علشان أمي نفسها تشوفني متجوز، وعلشان كنت فاكر إن لين بنت مناسبة.
ابتسم سليم بمكر.
— وطلعت بتحبها؟ إنت شوفتها أصلًا؟ تعرفها؟!
رد ناصيف بجدية:
— الحب مش كلمة تتقال قبل ما تعرف الإنسان اللي قدامك. المودة بتيجي بالعشرة والاحترام.
كان سليم على وشك الرد، لكن طرقات متتابعة على الباب قاطعته.
دخلت مهيرة، شقيقة ناصيف الصغرى.
كانت فتاة جميلة في الرابعة والعشرين من عمرها، تتمتع بشخصية قوية تشبه شخصية أخيها، وإن كانت أكثر اندفاعًا وعصبية.
اقتربت من المكتب وقالت:
— ناصيف، عايزاك في موضوع مهم.
نهض سليم ليستأذن، لكنها أوقفته بسرعة.
— خليك يا سليم، الموضوع مش سر.
رفع ناصيف حاجبه.
— خير يا مهيرة؟
قالت بحدة:
— أنا مش مرتاحة للجوازة دي.
أسند ناصيف ظهره إلى المقعد.
— وده ليه؟
— علشان لين وهدان!
ضاقت عيناه قليلًا.
— مالها؟
ترددت مهيرة، ثم قالت:
— إنت عارف اللي حصل بيني وبينها أيام المدرسة.
— وعارف إنكم كنتوا صغيرين.
هزت رأسها بعصبية.
— بس هي لسه زي ما هي! متكبرة ومغرورة، وبتكرهني!
قال ناصيف بهدوء:
— خلافك معاها مش سبب إني أظلمها.
اقتربت مهيرة من المكتب.
— طب لو قلتلك إني حاسة إنها مش عايزاك أصلًا؟
رفع ناصيف عينيه فجأة.
— عندك دليل؟
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!