رواية جاد ورحمة الفصل الثاني 2 بقلم القلم الذهبي
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
في الصباح الباكر، دلفت رحمة إلى مقر شركة “المسيري للتعمير”. كانت ترتدي ملابس رسمية أنيقة وبسيطة، وتحمل في قلبها مزيجاً من الحماس والرهبة. بمجرد وصولها إلى الطابق الأربعين، استقبلتها سكرتيرة جاد الخاصة، وأرشدتها إلى مكتبها الجديد الذي لم يكن سوى مكتب زجاجي ملحق بمكتب جاد الكبير، يفصل بينهما جدار زجاجي شفاف يتيح الرؤية الكاملة.
جلست رحمة خلف مكتبها تباشر ترتيب أوراقها، لتلمح جاد يدخل بكامل هيبته وعنفوانه. ألقى تحية الصباح بنبرة جافة، ثم أشار إليها بالدخول إلى مكتبه.
وقفت رحمة أمامه، ليمد يده نحوها بملف ضخم وضعه على الطاولة بنبرة حازمة:
“هذا هو مشروع (برج المنارة). نريد تعديلاً جذرياً على التصاميم المعمارية للواجهة والأنظمة الذكية خلال 48 ساعة فقط. أريد أفكاراً خارج الصندوق، لكن دون المساس بالهيكل الأساسي.”
نظرت رحمة إلى حجم الملف، وشعرت بالتحدي. وقالت بثقة:
“48 ساعة وقت قصير لمشروع بهذا الحجم، لكنني سأبذل قصارى جهدي يا فندم.”
نظر إليها جاد ببرود، وشبك أصابعه قائلاً:
“في قاموسي، الجهد لا يكفي.. النتائج هي ما يهم. وقلمي الذهبي هذا لا يوقع إلا على المعاملات المثالية. يمكنكِ البدء.”
عادت رحمة إلى مكتبها، وانغمست في العمل لدرجة أنها نسيت الوقت تماماً. كانت ترسم، وتمسح، وتجري الحسابات الهندسية الدقيقة. ومن خلف الزجاج، كان جاد يراقبها بين الحين والآخر بطرف عينيه؛ راقبه إصرارها، وعيناها اللتان تلمعان بالذكاء والشغف كلما توصلت إلى فكرة جديدة. شعر بداخلة بتقدير كبير لجهدها، لكنه فضّل الحفاظ على قناعه الصارم.
مرت الساعات، وحل المساء وتفرغت المكاتب من الموظفين، ولم يتبقَ في الدور بأكمله سوى جاد ورحمة. خرج جاد من مكتبه متوجهاً للمغادرة، ليرى رحمة ما زالت غارقة وسط التصاميم وأمامه كوب قهوة بارد.
وقف أمام مكتبها وقال بهدوء:
“الوقت تأخر يا مهندسة رحمة، العمل لن يهرب. يمكنكِ الإكمال غداً.”
رفعت رأسها وأجابت بابتسامة متعبة لكنها مفعمة بالتحدي:
“لقد قطعتُ شوطاً كبيراً يا جاد بيك، وبقيت لمسات أخيرة على الواجهة الشرقية. أريد أن أثبت لك أن ثقتك في تعييني بمكتبك الخاص لم تكن في غير محلها.”
تأمل جاد وجهها المرهق، ولأول مرة شعر برغبة في كسر هذا الجمود بينهما. سحب مقعداً وجلس بالقرب منها، ونظر إلى التصميم الذي رسمته. امتدت يده لتشير إلى زاوية معينة في الرسم وقال بنبرة هادئة:
“لو قمتِ بتوسيع هذه الزاوية بمقدار درجتين، ستسمحين بمرور إضاءة طبيعية أكبر خلال فترة الظهيرة، مما يقلل استهلاك الطاقة في البرج.”
نظرت رحمة إلى التصميم ثم نظرت إليه بدهشة وإعجاب:
“هذه فكرة عبقرية! لم أنتبه لزاوية سقوط الشمس في هذا الوقت.”
ابتسم جاد ابتسامته النادرة التي تذيب الجليد، وأخذ القلم من يدها ليعدل الخطوط بخفة ومهارة. في تلك اللحظة، اقتربت المسافة بينهما، وشعرت رحمة بدقات قلبها تتسارع مجدداً، ليس بسبب خوف المصعد هذه المرة، بل بسبب قرب جاد الطاغي ونظراته الهادئة التي اخترقت حصونها.
تلاقت أعينهما لثوانٍ معدودة، بدا فيها وكأن الزمن قد توقف، قبل أن يستدرك جاد الموقف ويقف فجأة، مستعيداً نبرته الرسمية:
“حسناً، يكفي هذا القدر اليوم. سأقوم بإيصالكِ في طريقي، فلا يصح أن تخرجي بمفردك في هذا الوقت المتأخر.”
حاولت رحمة الاعتراض خجلاً، لكن نظرة جاد الحازمة جعلتها تلملم أوراقها وتتبعه بصمت.
بينما كانت السيارة الفاخرة تشق شوارع المدينة الهادئة ليلاً، ساد صمت مريح بينهما، قطعته رحمة قائلة بصوت خفيض:
“شكرًا لك يا جاد بيك.. ليس فقط على التوصيلة، بل على الدرس الهندي أيضاً.”
نظر إليها عبر المرآة وصوت محرك السيارة يهدأ عند وصولهم، وقال بنبرة حملت دفئاً مستتراً:
“أنتِ مهندسة موهوبة يا رحمة، وأنا لا أضيع وقتي مع أشخاص عادين. تصبحين على خير.”
نزلت رحمة من السيارة وهي تشعر أن هذه الغربة التي تعيشها بدأت تتلوّن بألوان جديدة، وأن خلف قناع القسوة الذي يرتديه جاد المسيري، يختبئ قلب نابض بالحماية والاهتمام. لكنها لم تكن تعلم أن الغد يحمل أولى العواصف التي ستختبر صمود هذا الرابط الناشئ بينهما.
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!