رواية جاد ورحمة الفصل الاول 1 بقلم القلم الذهبي
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
كانت خيوط الشمس الذهبية تداعب زجاج مكتب “جاد المسيري” في الطابق الأربعين من ذلك البرج الشاهق وسط العاصمة. جاد، رجل في أوائل الثلاثينات، يمتلك ملامح حادة تعكس صرامته وجديته في العمل، وعينين بنيتين نافذتين تقرآن ما بين السطور قبل أن تنطقا. كان يجلس خلف مكتبه الفخم، يراجع بعض الأوراق والملفات الهندسية لشركة المقاولات الكبرى التي يديرها بحزم. بالنسبة لجاد، العمل هو الحياة، ولا مكان للعواطف أو التهاون في قاموسه اليومي.
في تلك الأثناء، وفي الطابق الأرضي من نفس المبنى، كانت “رحمة” تقف متوترة، تمسك بحقيبتها الجلدية البسيطة وتراجع الأوراق التي بين يديها. رحمة، فتاة في منتصف العشرينات، تتميز بملامح هادئة ومريحة، وعينين واسعتين تشعان ذكاءً وطيبة، ترتدي حجاباً أنيقاً يعكس وقارها. كانت قد تخرجت للتو من كلية الهندسة المعمارية بتفوق، وهذا هو يوم مقابلتها الأول للحصول على وظيفة أحلامها في شركة “المسيري للتعمير”.
أخذت رحمة نفساً عميقاً لتطرد التوتر من صدرها، ثم توجهت نحو المصعد. عندما فتح الباب، دلفت إلى الداخل وضغطت على زر الطابق الأربعين. وقبل أن ينغلق الباب، اندس شخص طويل القامة، يرتدي حلة سوداء فاخرة، ويفوح منه عطر رجولي آسر. لم يكن سوى جاد نفسه، الذي كان قد نزل لإحضار ملف هام من أرشيف الدور السفلي بنفسه لعدم ثقته في سرعة المساعدين اليوم.
انغلق الباب، وساد الصمت داخل المصعد الضيق. كانت رحمة تنظر إلى الأرقام التصاعدية بنفاد صبر، بينما وقف جاد يراجع ساعته ببرود. فجأة، وبدون سابق إنذار، اهتز المصعد بقوة وصدر منه صوت احتكاك معدني مرعب، ثم انقطعت الأنوار تماماً وتوقف في منتصف الطريق بين الطابقين العشرين والحادي والعشرين!
شهقت رحمة برعب وتراجعت إلى الخلف، لتصطدم بصلابة جسد جاد. هتف جاد بنبرة جافة لكنها تحمل بعض القلق:
“اهدئي.. لا تتحركي.”
أخرج جاد هاتفه المحمول وضغط على زر الكشاف، لتضيء شاشة الهاتف وجهيهما. كان وجه رحمة شاحباً كالموت، وأنفاسها متلاحقة. سارع جاد بالضغط على زر الطوارئ في المصعد، وتحدث عبر اللاسلكي:
“أنا جاد المسيري، المصعد تعطل بين الدور 20 و 21، أريد فريق الصيانة هنا فوراً.”
جاءه الرد سريعاً ومرتبكاً:
“أهلاً جاد بيك، نعتذر بشدة، هناك عطل مفاجئ في المولد الرئيسي، سيستغرق الأمر حوالي نصف ساعة لإعادة تشغيل النظام يدوياً.”
تأفف جاد بضيق وأغلق الاتصال، ثم التفت ليرى رحمة التي بدأت تجلس على أرضية المصعد وهي تضع رأسها بين ركبتيها، جسدها كان يرتجف بوضوح. أدرك جاد أنها تعاني من فوبيا الأماكن المغلقة. تنحنح وجلس بالقرب منها على مسافة مناسبة، محاولاً تهدئتها بنبرة صوت مختلفة تماماً عن نبرته العملية الحادة:
“يا آنسة.. اسمعيني جيداً، خذي نفساً عميقاً. لا يوجد خطر، الأكسجين متوفر والصيانة تعمل الآن.”
رفعت رحمة عينيها الدامعتين ونظرت إليه، وقالت بصوت متهدج:
“المكان يضيق.. أشعر أن الجدران تقترب مني.”
وجد جاد نفسه، ولأول مرة في حياته، يتخلى عن بروده المهني ليشعر بمسؤولية حماية هذه الفتاة المذعورة. قال لها بهدوء:
“لن تقترب الجدران، أنا هنا. أخبريني، ما اسمكِ؟ وما الذي أتى بكِ إلى شركتي اليوم؟”
نظرت إليه باستغراب وسط خوفها، وأجابت بصوت متقطع:
“اسمي.. اسمي رحمة. لدي مقابلة عمل في قسم التصميم المعماري اليوم.”
ابتسم جاد ابتسامة خفيفة كادت لا تظهر في الظلام، وقال:
“حسنًا يا رحمة، بما أنكِ مهندسة معمارية، فأنتِ تعلمين جيداً أن الخرسانة المسلحة لهذا البرج مصممة لتحمل الزلازل، والمصعد مؤمن بسبعة حبال فولاذية، حتى لو انقطع ستة منها، فلن يسقط. فكري بالهندسة والأرقام، ودعي الخوف جانباً.”
بدأت كلمات جاد الواثقة والمنطقية تتسلل إلى عقل رحمة، فشعرت ببعض السكينة. نظرت إلى ملامحه تحت ضوء الهاتف، ورأت في عينيه دفئاً غريباً لم تتوقعه من رجل يبدو عليه الثراء والصرامة. استمر جاد في الحديث معها، يسألها عن دراستها ومشاريع تخرجها، وهي تجيب وتشرح بشغف أنساها حصار المصعد، وجاد يستمع إليها بإنصات شديد، مبهوراً بطريقة تفكيرها وعلمها وثقتها بنفسها عندما تتحدث عن الهندسة.
مرت النصف ساعة كأنها دقائق معدودة. فجأة، عادت الأنوار واهتز المصعد مجدداً ليبدأ في الصعود. وقفت رحمة سريعاً وعدلت من هندامها وهي تشعر بالخجل التام مما حدث، بينما وقف جاد واستعاد هيبته ووقاره فوراً.
عندما فتح الباب في الطابق الأربعين، خرجت رحمة مسرعة وهي تقول بامتنان:
“شكراً لك يا سيدي.. لا أعرف كيف أشكرك على مساعدتي.”
ابتسم جاد وقال بغموض:
“لا داعي للشكر، اذهبي إلى غرفة الاجتماعات، فالمسؤولون عن المقابلة بانتظارك.”
اتجهت رحمة إلى الغرفة، وجلست أمام لجنة الاختيار المكونة من ثلاثة مهندسين كبار. بدأت المقابلة، وقدمت رحمة مشاريعها وأفكارها ببراعة نالت إعجاب الجميع. وفي منتصف المقابلة، دلف شخص ما إلى الغرفة وجلس في المقعد الرئيسي في المنتصف.
رفعت رحمة رأسها لتصعق عندما رأته! إنه نفس الرجل الذي كان معها في المصعد. نظر إليها وقال بنبرة رسمية صارمة أمام اللجنة:
“مرحباً بكِ يا مهندسة رحمة في شركة المسيري. أنا جاد المسيري، مدير عام الشركة.”
تسارعت دقات قلب رحمة، ليس خوفاً هذه المرة، بل دهشةً ومفاجأة. نظر جاد إلى اللجنة وقال:
“ما رأيكم في ملف المهندسة رحمة؟” أجاب رئيس اللجنة: “إنها ممتازة يا فندم، وأفكارها مبتكرة جداً ونرى أنها مكسب للشركة.”
أغلق جاد الملف وأمضى عليه بقلمه الذهبي الشهير، ثم نظر إلى رحمة مباشرة وقال وعيناه تحملان بريقاً غامضاً:
“مبارك لكِ الوظيفة يا رحمة.. ستبدئين من الغد كمهندسة مسؤولة في مكتبي الخاص، تحت إشرافي المباشر.”
خرجت رحمة من الشركة وهي لا تكاد تصدق ما حدث، لقد بدأت رحلتها في عالم “جاد المسيري”، رحلة لن تكون مجرد عمل، بل ستغير مجرى حياتهما إلى الأبد.
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!