رواية الزفاف الاخير الفصل الرابع 4 بقلم يارا علاء الدين
لتصفح الموقع بدون إعلانات (أضغط هنا)
رجعت لورا بسرعة ، وصرخت وأنا بعيط وبضرب إيده بعيد عني:
إنت مش طبيعي! إنت مريض نفسي ومكانك المستشفى أو السجن! ابعد عني يا مجنون!
وفجأة…
سمعنا صوت أدام باب البيت وبعدها …دخل الظباط جري.
في ثواني كانوا محاوطينه من كل ناحية.
واحد منهم صرخ:
“ارفع إيدك يالا!”
رفع إيده بهدوء…من غير أي مقاومة.
فضل باصصلي أنا وبس!
قرب ظابط مني بسرعة..وقال:
“إنتِ كويسة؟
هزيت راسي..
بعدين قال وهو بيطمني:
“المكالمة.”
بصيتله باستغراب فكمل:
“إنتِ كنتِ بتكلمي والدتك وقت الخطف. والمكالمة اتقفلت..بس إحنا قدرنا نحدد مكان تليفونك قبل ما يتقفل.
في اللحظة دي .. بصيت ناحية أسامة….كان الظباط بيحطوا الكلبشات في إيده.
ابتسم… وقال وهو عينه في عيني:
“بعد كل السنين دي…كان لازم تعرفي إن مفيش حد حبك أدي.”
بصيتله بقرف وقولتله لأول مرة بثبات:
ده مش حب .. ده هوس.. إنت مر يض!
وقف لحظة…لكن مردش.
خرج مع الظباط وقبل ما يركب العربية….لف ناحيتي للمرة الأخيرة وقال:
“استنيني…أنا هرجع.”
باب العربية اتقفل..والعربية اتحركت.
وأنا فضلت واقفة مكاني…أبص في الفراغ.
الظابط كان بيشاورلي إني أركب عشان أمشي من هنا.. بس أنا كنت ماشية ومش حاسة بنفسي، رجلي كانت تقيلة.
رجعت البيت…وأنا مش حاسة بأي حاجة حواليّا.
ماما أول ما شافتني جريت حضنتني وهي بتعيط.
أما بابا…قرب مني وقالي :
إنتِ كويسة ياحبيبتي؟
لقتني بتكلم …….
حكيت كل حاجة.
حكيت عن المكان اللي اتخطفت فيه
وعن الراجل اللي خطـ.ــفني، وإزاي هو دمر حياتي!
كملت كلامي، وحكيتله عن حريـــ.ـق المصنع.
وإن أسامة قال إن بابا شهد ضد أبوه وهو بريء.
وإن أمه ماتت من القهر بعد ســـجن جوزها.
وإنه فضل عشرين سنة مستني ينتـ.ــقم.
سكت..البيت كله سكت.
بصيت لبابا… لقيته منزل راسه في الأرض.
قولتله بهدوء:
“بابا…هو بيكدب… صح؟”
مردش, فكررت السؤال:
“رد عليا يا بابا؟ هو بيكدب؟
رفع عينه ليا… وكانت أول مرة أشوف الدموع فيها, وقال بصوت مكسور:
لأ…مش بيكدب، بلع ريقه وكمل:
أنا شهدت زو ر يابنتي ، وقتها هدد وني…ووعدوني بفلوس…وكنت فاكر إني بنقذ نفسي.
مكنتش أعرف إن غلطة واحدة هتد مر حياة بنتي بالشكل ده.
بصيت لبابا…ومقدرتش أصدق اللي سمعته.
رجعت خطوة لورا…وقولت بصوت كله وجع:
“يعني… كل اللي عشته… كان بسببك؟!”
نزل راسه ومردش.
صرخت فيه والدموع مالية عيني:
“سبع سنين يا بابا!”
“سبع سنين وأنا كل ما أحاول أبدأ حياتي… حاجة كانت بتاخدها مني!”
“سبع سنين وأنا بستحمل كلام الناس ونظراتهم… وإنت كنت عارف السبب؟!”
قال بصوت ضعيف أول مرة أسمعه:
“والله يا جنى… ما كنت أعرف إنه كل ده هيحصل ”
قاطعت كلامه بغضب وقولت:
“بس إنت كنت السبب! غلطة واحدة منك… دفعت أنا تمنها عمري كله!”
حاول يقرب مني… لكن رجعت لورا بسرعة وقولت وأنا بعيط:
“لو سمحت… محتاجة أبقى لوحدي دلوقتي”
وقف مكانه…وعرفت من وشه إنه نفسه يحضني…بس عارف إنه مينفعش.
لفيت من غير ما أقول كلمة… ودخلت أوضتي.
قفلت الباب بالمفتاح. وسندت ضهري عليه…ونزلت قعدت على الأرض.
لأول مرة في حياتي…
حسيت إني مش عارفة أكره أسامة…ولا قادرة أسامحه.
ومش عارفة أبص لأبويا بنفس العين اللي كنت ببصله بيها طول عمري.
أبويا اللي كان بطلي وسندي، طلع هو السبب في كل دمعة نزلت من عيني.
يمكن أسامة كان ضـ.ــحية في البداية… لكنه اختار يبقى جـ.ـاني في النهاية.
وأبويا غلط مرة… لكن الغلطة دي كانت كفاية تضيع سنين من عمري.
مرت ساعات طويلة.. كأنها سنين تقيلة على قلبي، مكنتش بعمل حاجة غير إني ببكي على كل حاجة ضاعت، وعلى حسام اللي دفنته في خيالي.
وفجأة… سمعت دوشة بره الأوضة، وسمعت خطوات ماما بتجري على باب أوضتي وبتخبط بفرحة وهي بتقول:
“جنى! افتحي يا جنى! حسام عايش! حسام مماتش!”
الكلمة زلزلت كياني! قومت من على الأرض كأن روحي اتردت فيا، فتحت الباب وأنا مش مصدقة، قربت من ماما وسألتها:
“إنتي بتقولي إيه؟! حسام فين؟!”
بس ماما حكتلي كل حاجة عرفتها من القسم.
الشرطة بعد ما قبـ.ــضت على أسامة، فضلوا يضغطوا عليه في التحقيق، وفي وسط انهياره النفسي والعصبي، اعترف بكل حاجة.
أسامة اللي كان فاكر نفسه شيطان الانتقام ، قلبه مقدرش يطواعه يقـ.ــتل! خـ.ــطف حسام.. حبسه في مخزن قديم مهجور في أطراف البلد، عـ.ــذبه جسدياً ونفسياً عشان يخليه يتنازل عني ويخاف.. بس في كل مرة كان بيرفع فيها السـ.ـــلاح عشان يخلص عليه، كان بيفتكر أبوه المظلوم، ومكنش بيقدر يكمل.
أسامة كان مريض ، بس جواه كان لسه فيه طفل خايف يكرر نفس الظلم اللي اتعرضله زمان. مقدرش يشيل ذنب د م، وساب حسام مربوط بين الحياة والموت!
يومين بالظبط .. ولقيت جرس الباب بيرن.
بابا فتح الباب، وسمعت صوت همهمة بره. طلعت من الأوضة ببطء.. ومقدرتش أقف على رجلي من الصدمة والفرحة.
كان هو… حسام!
شكله كان متبهدل بشكل يوجع القلب.. وشه مليان كدمات زرقا ومجـ.ــروحة، شفته مقطوعة، هدومه كانت متبهدلة وواسعة عليه كأنه خسر نص وزنه، دراعه مربوط بشاش طبي، كأنه راجع من حرب.. بس عينيه.. يا الله على عينيه! عينيه كانت بتلمع بنفس الحب والتحدي والرجولة اللي شوفتهم فيها أول مرة.
جريت عليه، نسيت كل حاجة, قربت منه وأنا بنهار من العياط بصوت عالي. بس هو كان بيقولي بابتسامة:
“أنا هنا.. أنا رجعتلك يا جنى.. قولتلك مش هسيبك.. أنا مبخلفش وعدي أبداً.”
ابتديت أمسح دموعي وأبص لوشه اللي اتغير من التعذيب وقولتله:
“أنا آسفة.. أنا السبب في كل ده.. كان ممكن تمـ.ــوت بسببي يا حسام!”
ابتسم ابتسامة خفيفة رغم وجعه، ومسك إيدي بقوة وقال:
“لو كنت مـ.ــت، كنت هموت وأنا بدافع عن حقي فيكي. أنا مستعد أعيش العذاب ده ألف مرة، بس مسيبكيش لغيري.. وعشان كده، مفيش دقيقة واحدة هتضيع تاني.”
بص لبابا اللي كان واقف بعيد، دموعه في عينيه ومكسوف من نفسه ومن اللي حصل بسببه، وقال له بصوت حازم مفيش فيه مجال للنقاش أو الرفض:
“عمي.. أنا المأذون زمانه طالع على السلم ورايا.. احنا هنكتب الكتاب دلوقتي حالاً.”
برقت بعيني وشهقت من المفاجأة:
“دلوقتي؟! يا حسام إنت تعبان ومحتاج ترتاح.. وبعدين إحنا مش جاهزين و…”
قاطعني وهو بيبص في عيني بتركيز وحب طغى على كل ألم في جسمه:
“وبعدين إيه؟ مفيش تأجيل. مش هستنى يوم كمان، ولا ساعة كمان.. إحنا اتسرق مننا وقت كتير أوي يا جنى، ومش هسمح لأي حاجة في الدنيا تمنعني أكون جوزك الليلة دي. أنا مش هطمن غير وإنتي على اسمي.”
بابا وافق بسرعة كأنه بيحاول يكفر عن ذنبه، والمأذون دخل.
قعدت جنب حسام… مكنتش لابسة الفستان الأبيض اللي طول عمري بحلم ألبسه في يوم زي ده. مكنش في قاعة، ولا معازيم، ولا زفة. كنت لابسة لبسي العادي، وعيني وارمة من العياط والسهر، وهو كان قاعد جنبي بوشه المجروح وهدومه المتبهدلة… بس أقسم بالله، دي كانت أجمل لحظة في عمري كله.
حط إيده في إيد بابا، والمأذون قال جملته اللي خطفت قلبي: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
الكلمة دي كانت زي البلسم اللي نزل على قلبي داوى جر وح سبع سنين من الرعب والرفض. حسام باس راسي، ودمعة نزلت من عينه مسحها بسرعة، وقال لي:
“أخيراً.. بقيتي مراتي.”
في اللحظة دي عرفت إن الفستان الأبيض والفرح والمعازيم والدوشة دي كلها ملهمش لازمة.. المهم هو الراجل اللي مستعد يمشي في النار عشان يوصلك، الراجل اللي لو كل الدنيا وقفت ضده، متقدرش تكسر حبه ليكي.
وفي الليلة دي، وأنا قاعدة جنبه، بصيت لحياتي اللي فاتت كلها، وفهمت الدرس الأكبر.
فهمت إن الظلم عامل زي الحجر الكبير اللي بيترمي في بحر هادي… مبيغرقش في مكانه وبس.. لأ، ده بيعمل دوامات وأمواج بتكبر وتوسع، وبتاخد في طريقها ناس ملهاش ذنب.
أبويا ظلم أبو أسامة.. فأسامة كبر وظلمني وظلم عرسان كتير..
وظلم حسام.. سلسلة من الوجع والكسرة كانت هتفضل مستمرة لحد ما تقضي علينا كلنا.
الظلم عمره ما بيقف عند أول ضـ.ــحية… دايمًا بيسيب وراه ضـ.ــحايا جداد، بيكبروا في الضلمة وبيتحولوا لجلادين من غير ما يحسوا، بيلفوا في ساقية الانتقام اللي بتدمر كل حاجة حلوة.
بس الحب الصادق، والشجاعة إننا نواجه الحقيقة ونتمسك باللي بنحبهم، هما الحاجة الوحيدة اللي تقدر تكسر دايرة الظلم دي..
وتخلق من وسط العتمة ونهاياتها المأساوية، بداية جديدة، تستحق إننا نعيش ونتحمل عشانها.
تمت بحمد الله….
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!