رواية ادهم ووردة الفصل الرابع 4 بقلم القلم الذهبي
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
مع حلول منتصف شهر فبراير، أعلن أدهم عن إتمام المرحلة الأولى الكبرى من مشروع ترميم قصر العطّار. ولفرض نفوذه وإظهار القوة أمام المستثمرين ووسائل الإعلام، قرر إقامة حفل كوكتيل راقٍ داخل القصر نفسه، ودعا إليه نخبة رجال الأعمال، والمهندسين، والشخصيات العامة، بالإضافة إلى ممثلي هيئة الآثار.
كانت وردة قد تلقت دعوة رسمية وشخصية من أدهم. ترددت كثيراً في الحضور؛ فهي لا تطق ألتواءات مجتمع رجال الأعمال وأقنعتهم المزيفة، لكن شيئاً ما في أعماقها كان يدفعها لرؤية أدهم في عالمه الخاص، ورؤية القصر وهو ينبض بالحياة بعد كل المجهود الذي بذلته فيه.
في ليلة الحفل، كانت الأنوار الثريات الكريستالية تضيء بهو القصر العظيم، وتنعكس على الرخام الصافي واللوحات المرممة المذهلة. كان القوم يتجولون بكؤوسهم وملابسهم الفاخرة، يتهامسون بإعجاب شديد بدقة الترميم وروعة المكان.
كان أدهم يقف في منتصف القاعة يرتدي بذلة سهرة سوداء فاخرة مصممة خصيصاً له، تحبر قامته العريضة وملامحه الحادة وسامته الطاغية. كان يحيطه بعض كبار رجال الأعمال، ولكنه كان يشعر بالملل والشتات، وعيناه تنظران بقلة صبر نحو الباب الرئيسي للحفل.
وفجأة، هدأت بعض الأصوات بالقرب من المدخل، وتوجهت الأبصار نحو درجات السلم الرئيسي.
كانت وردة تهبط السلم ببطء وثبات. لم تكن ترتدي أزياء باهظة أو مساحيق تجميل صارخة كباقي النساء في الحفل. كانت ترتدي فستاناً بسيطاً وراقياً للغاية من الحرير بلون الأخضر الزمردي العميق، ينسد بانسجام مع جسدها النحيل، وشعرها الكستنائي رفعت جزءاً منه للخلف وتركت الباقي ينساب بحرية على كتفيها. كانت تضع قلادة فضية قديمة في عنقها، وكانت تبدو وكأنها ملكة إغريقية خرجت للتو من إحدى اللوحات الأثرية المعلقة على جدران القصر.
توقفت الكلمات في حلق أدهم. تجمد في مكانه وهو يراها، وشعر بقلبه يضرب صدره بقوة لم يعهدها. تجمد كل شيء حوله؛ الضجيج، والموسيقى، وأحاديث الاستثمار، ولم يتبقَ في الكون بالنسبة له سوى هذه المرأة التي تخطو نحوه.
استأذن أدهم من محاوريه ببرود ودون انتظار إجابتهم، وتحرك بخطوات واسعة ومستقيمة باتجاهها.
عندما وصل إليها عند أسفل السلم، وقف أمامها وانحنى قليلاً. كانت عيناه تتأملان وجهها بذهول صريح.
“مساء الخير يا بشمهندس،” قالت وردة بابتسامة خجولة وهي تلاحظ نظراته المكتظة بالإعجاب.
“أنتِ… أنتِ تجعلين هذا القصر يبدو باهتاً بوجودكِ يا وردة،” قالها أدهم بصوت منخفض وعميق، يحمل صدقاً جعل جسدها يقشعر بالكامل.
أخذ كأساً من العصير المزين من أحد الخدم وقدمه لها برفق: “ظننتكِ لن تأتين.”
“لم أكن لأفوت رؤية القصر في أبهى صوره… ورؤيتك تسعد بما حققته،” ردت بدلال عفوي.
وقبل أن يسترسلا في الحديث، اقترب منهما رجل أعمال يدعى “ماجد السويفي”، وهو أحد المنافسين التقليديين لأدهم ورجل يتميز بالسطحية والغرور. نظر ماجد إلى وردة بنظرة تفحص استعلائية، ثم قال بنبرة تهكمية: “أهلاً يا أدهم… مبارك افتتاح القصر. لكن ألا تعرفنا على هذه الحسناء؟ هل هي إحدى سيدات المجتمع أم أنها المرممة البسيطة التي تحدثت عنها الصحف؟”
شعرت وردة بالإهانة تتسلل إلى نبرة الرجل، وضغطت على كأسها بكبرياء وهي تستعد للرد الصارم الذي يعيد الرجل إلى حجمه. لكن قبل أن تنطق بحرف واحد، تقدم أدهم خطوة إلى الأمام، متداخلاً بجسده ليحجب وردة جزئياً عن ماجد، وتحولت ملامحه إلى الصرامة والجمود الشديدين.
قال أدهم بصوت حاد كالصلب، تردد بصداء خفي في المساحة المحيطة: “هذه هي الدكتورة وردة الجبالي يا سيد ماجد. العقل والروح واليد المبدعة التي أصلحت ما عجزت عنه شركاتك وميزانياتك العريضة. والحديث معها عن الفن والتاريخ يتطلب مستوى من الفهم أخشى أنك لا تمتلكه. عن إذنك.”
سحب أدهم يد وردة برفق ولكن بثبات، واستدار ممتنعاً عن إعطاء المنافس فرصة للرد، وخطا بها وسط ذهول الحضور باتجاه الممر المؤدي إلى الشرفة الكبرى للقصر، تاركاً خلفه همسات الدهشة من تصرفه الصارم لحمايتها.
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!