رواية مذبحة الشروق الفصل الثالث 3 بقلم يوسف مصطفى
لتصفح الموقع بدون إعلانات (أضغط هنا)
الساعة كانت داخلة على أربعة الفجر، والمقدم آدم النجار لسه قاعد في مكتبه، قدامه ملف القضية اللي شغلت تفكيره لأيام.
أم وأطفالها الأربعة ماتوا في جريمة بشعة، وكل الخيوط كانت بتقوده لنفس الشخص.
لكن المقدم آدم كان عايز يوصل للحقيقة كاملة، مش مجرد اعتراف يقفل بيه المحضر.
الشاهد حسن كان قاعد قدامه، وبعد ساعات من التردد، قرر أخيرًا يتكلم.
قال بصوت متقطع: يا بيه، أنا أعرف إن محمود كان شاكك في مراته من زمان، بس محدش فينا كان متخيل إن الموضوع يوصل لكده.
المقدم آدم سأله: إنت شفت حاجة بعينك ليلة الجريمة؟
حسن هز راسه:لأ، بس أنا أعرف محمود كويس.. وأعرف إنه كان غضبه بيزيد يوم بعد يوم.
المقدم آدم قاطعه: أنا مش عايز توقعاتك. أنا عايز حاجة تثبت اللي حصل.
حسن سكت لحظات، وبعدها قال: راجعوا كلام محمود من أول التحقيق.
هتلاقوا إنه كل شوية يغيّر روايته، وكل ما تسألوه عن حاجة تخص الليلة دي، يحاول يحوّل الكلام لمراته وعودة.
المقدم آدم ما ردش.. فتح ملف التحقيقات، وبدأ يراجع أقوال محمود مرة تانية.
كان فيه تناقضات فعلًا، لكن التناقض وحده مش كفاية لإثبات الجريمة.
طلب المقدم آدم مواجهة جديدة مع المتهم، وقرر المرة دي إنه ما يسألوش عن الفلوس ولا عن علاقته بعودة.
كان عايز يعرف حاجة واحدة:إيه اللي حصل داخل الشقة ليلة مقتل نجلاء وأطفالها؟
دخل محمود غرفة التحقيق، وقعد قدام المقدم آدم.
الضابط حط الملف على المكتب، وقال بهدوء: محمود، إحنا راجعنا أقوالك كلها، وعندنا أسئلة عن تفاصيل لسه مش واضحة.
محمود رد بعصبية: أنا قلت كل اللي عندي!
المقدم آدم بص له بثبات: لأ، إنت قلت إنك كنت شاكك في مراتك، واتهمت عودة، واتكلمت عن الفلوس.. لكن لحد دلوقتي، الشكوك دي مش دليل على إن نجلاء ارتكبت أي حاجة غلط.
محمود اتنرفز: يعني إيه؟ مش مصدقني؟
المقدم آدم رد: أنا مش هنا عشان أصدقك أو أكذبك. أنا هنا عشان أعرف الحقيقة.
سكت محمود.. المقدم آدم كمل:
إنت كنت عايش مع مراتك وأطفالك. مهما كانت الخلافات، إيه ذنب الأطفال في كل ده؟
محمود نزل عينه للأرض.. ولأول مرة من بداية المواجهة، ما حاولش يبرر غضبه ولا يتكلم عن عودة.
فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها قال: أنا كنت شايف إن كل الناس بتضحك عليّا.
المقدم آدم سأله: كل الناس؟ عندك دليل على الكلام ده؟
محمود ما ردش.. الضابط قرب الملف منه وقال:
المشكلة إنك بنيت اتهاماتك على شكوك، وكل ما حد حاول يناقشك، كنت بتعتبره ضدك.
محمود رفع عينه، وكان واضح إنه بيحاول يهرب من المواجهة.
لكن المقدم آدم رجع سأله: ليلة الجريمة، كنت فين؟
محمود سكت.. كنت فين يا محمود؟
بعد لحظات طويلة، بدأ محمود يتكلم عن وجوده في الشقة وعن الخلافات اللي سبقت الجريمة.
لكن المقدم آدم ما اعتمدش على كلامه وحده؛ طلب مطابقة أقواله مع نتائج المعاينة والأدلة المتاحة في الملف.
ومع استكمال التحقيقات، اتأكدت مسؤولية محمود عن الجريمة.
الشخص اللي قضى شهورًا يتهم مراته بالخيانة، ويشك في كل اللي حواليه، هو نفسه اللي انتهى به الأمر متهمًا بقتلها وقتل أطفاله الأربعة.
لكن السؤال اللي فضل يطارد المقدم آدم كان مختلفًا:
هل كان محمود فعلًا بيبحث عن الحقيقة، ولا كان عايز يثبت لنفسه إن شكوكه صح مهما كان الثمن؟
عودة.. بريء ولا شريك؟قبل ما القضية تنتقل لمرحلتها الأخيرة، كان لازم المقدم آدم يفصل بين جريمة القتل والاتهامات اللي اتقالت عن عودة.
استدعاه للمرة الأخيرة، وسأله عن علاقته بمحمود ونجلاء.
عودة أكد إنه كان صاحب العمل اللي محمود اشتغل عنده، وإن الخلافات بينهم زادت بسبب اتهامات محمود المتكررة.
المقدم آدم سأله: هل عندك دليل يثبت إنك كنت طرفًا في خلافاتهم؟
عودة رد: أنا أقدر أقول لحضرتك اللي أعرفه، لكن مش هقدر أثبت كلام حد تاني.
المقدم آدم وافقه.. لأن التحقيق مش مكان لتصفية الحسابات، ولا يجوز اعتبار الشكوك دليل إدانة.
وبمراجعة المعلومات المتاحة، اتضح إن الاتهامات المتبادلة ما ينفعش تتحول لحقيقة لمجرد إن أصحابها كرروها.
أما سر الفلوس، فما كانش كافيًا لوحده لإثبات خيانة نجلاء أو تورط أي شخص في الجريمة.
وبكده، بدأ المقدم آدم يقفل الدائرة حول الجريمة نفسها، بعيدًا عن الشائعات اللي انتشرت بين الجيران.
لكن قبل ما الملف يخرج من مكتبه، وقف لحظة قدام صور الأطفال.
أربع صور صغيرة.. أربع حكايات ما كملتش.
أربع أرواح ما كانش ليها أي ذنب في خلافات الكبار.
المقدم آدم رجع قعد، وكتب آخر ملاحظة في تقريره:
لا يمكن اعتبار الغيرة أو الشك مبررًا للعنف، ولا يجوز أن تتحول الاتهامات الشخصية إلى حكم بالموت على الأبرياء
.
بعد استكمال التحقيقات والإجراءات القانونية، انتقلت القضية إلى المحكمة للفصل فيها وفقًا للأدلة والاتهامات الموجهة للمتهمين.
أما محمود، فبقى اسمه مرتبطًا بواحدة من أبشع الجرائم الأسرية اللي هزت مدينة الشروق.
وفي نهاية الحكاية، الحقيقة اللي ما بقاش فيه مجال للهروب منها هي إن الشكوك اللي سيطرت على حياته ما كانتش مبررًا للي حصل.
نجلاء وأطفالها الأربعة فقدوا حياتهم، وعائلة كاملة انتهت في لحظة، بينما فضلت الأسئلة عن الفلوس والخلافات تتردد بين الناس.
لكن المقدم آدم كان عارف إن القضية مش مجرد لغز اتحل.
دي مأساة بدأت باتهامات، وانتهت بدمار أسرة كاملة.
والعقوبة؟
ذكرت تقارير صحفية تنفيذ حكم الإعدام في المتهم يوم 5 ديسمبر 2018،
لكن السؤال اللي فضل في ذهن المقدم آدم، وفي ذهن كل شخص عرف تفاصيل القضية:
إزاي الإنسان ممكن يوصل لمرحلة يدمّر فيها أقرب الناس ليه، لمجرد إنه صدّق شكوكه أكتر ما صدّق الحقيقة؟.. تمت
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!