رواية ذكراه الفصل الرابع 4 بقلم رولا هاني
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
رواية ذكراه الحلقة الرابعة
لم أكن على قدر الكفاية
“حبيت الحب عشانك
وكرهت الحب عشانك”
-بلاش عتاب.
**********
ولجت إلى داخل الغرفة، بعدما تأكدت من ذهاب صغيرها في سباتٍ عميقٍ، وكما توقعت وجدته جالسًا أمامها على كرسيه واضعًا ساقًا فوق الأخرى، فازدردت ريقها بصعوبة بالغة وهمست بنبرة شبه مسموعة من فرط الخوف:
-أحضرلك العشا يا “عزام”؟
كمن غضبه المستعر بصورة شبه مستحيلة، ثم نبس بصوته الأجش:
-كام مرة أقولك اللي بيحصل بينا أمك مينفعش تعرفه سواء كان حلو أو وحش؟
وعلى عكس المتوقع تغلبت على ذعرها، وراحت تهتف في استياءٍ:
-ده على أساس إن في حاجة معاك حلوة؟
رمقها بصدمةٍ، ثم تفوه بجزعٍ، وقد ذابت صلابته كلها في تلك اللحظة:
-أنا يا “إنجي” مفيش أي حاجة حلوة معايا!
ابتسمت بمرارةٍ، ثم أخذت تخلع ملابسها كلها عدا ملابسها الداخلية، وصرخت في انهيارٍ تامٍ وهي تحرك كلا ذراعيها بتيهٍ وألمٍ:
-بص عليا وإنتَ هتعرف إن كل عيشتي معاك سواد.
وتلقائيًا أخفض بصره أرضًا بعدما وقعت عيناه على كل كدمة باتت في جسدها، فاقتربت هي منه لترفع رأسه بحركاتٍ هستيريةٍ صائحة من وسط نحيبها الذي تعالى في وضوحٍ:
-لا بُصلي.
التقت عيناه بجسدها مجددًا، ليرى وقتها ذلك الكم الهائل من الكدمات البنفسجية والحمراء متفرقة على غالبية جسدها، لأول مرة منذ كل تلك السنوات يلاحظ مدى وحشيته ودناءته، يلاحظ مدى قسوته المفرطة، وشدته المجحفة، وفجأة تواجد بين ثنايا قلبه سؤال لأول مرة يطرأ على باله..أيستحق المرء كل ذلك العنف مهما فعل!؟
نظرت في عينيه مباشرةً لتجد تلك العبرات تلتمع فيها بوضوحٍ، فتوسعت بسمتها الساخرة وهي تستطرد بقهرٍ بدا على تعابير وجهها الكسيرة:
-إيه بتعيط؟…فاكرني هصدق الدموع دي.
وأتمت جملتها صارخة، وهي تدفعه بكل قوتها بكلا ذراعيها، ثم أكملت بحسرةٍ وسط انهمار دموعها الغزير:
-سنين عايشة معاك دافني جمبك، عزلتني عن الناس كلها ورضيت، منعتني أنزل اشتغل وأعيش زي البشر ورضيت، متكلميش فلانة أخلاقها وحشة حاضر… متصاحبيش علانة مش شبهنا حاضر… إياكي تتعاملي مع أي جنس مخلوق غيري حاضر… فاكر نفسك كده هتعالج عُقدك وأمراضك النفسية!
ارتجفت شفتاه بعدم تصديق، وجحظت مقلتاه باستهجانٍ، ثم همس بنبرةٍ مهتزةٍ، وقد اعتراه في تلك اللحظة خذلان لا يوصف من شدته:
-عُقدي وأمراضي النفسية!
ثم أكمل والعبرات تخونه بغزارةٍ، ليداهمه في تلك اللحظة دوار شديد تماسك بصعوبة شديدة أثناءه، وكأن كل حصونه العاتية انهدمت؛ بسبب ضغطها ولأول مرة على نقطة ضعفه:
-إنتِ بتعايريني يا “إنجي” عشان في وقت جيت وفضفضتلك بكل حاجة وجعتني في يوم!
التاع قلبها أكثر وأكثر، فقد رأته في تلك اللحظة من منظور واحد فقط، لتراه أنانيًا لا يرى سوى ألمه، ولا يهتم لما تلقته من إهانة وجراح أضنت قلبها خلال كل تلك السنوات؛ مما زاد من تعقيد الأمر، ثم وبلا تفكير زادت الطين بلة وصرخت بغلٍ:
-أنا مش “صفية” أمك يا “عزام”…أنا مش هخونك في يوم ولا ه…
ابتلعت بقية كلماتها ما إن تلقت صفعة قاسية على صدغها، فاختل توازنها في الحال، وتهاوت بجسدها على الأرضية الصلبة. تمالكت حالها، ثم رفعت رأسها تجاهه وخط دماء رفيع يسيل من شفتها السفلى، وقالت بإصرارٍ وهي تحاول كتم أنينها المتألم:
-لو عندك ذرة كرامة واحدة طلقني..أنا مبقتش عايزاك.
تلاحقت أنفاسه، وحاول مرارًا وتكرارًا السيطرة على دموعه التي ظلت تتهاوى جراء كل تلك الأحداث، وكالمتوقع لم يستطع استكمال تلك المواجهة الشنيعة، وخرج من البيت بأكمله بخطواته الراكضة، بينما هي تصرخ من خلفه بصوتها الجهوري:
-طلقني يا “عـزام”.
******************
صباح يوم جديد.
سهدٌ لعين، ودقائق مرورها بطيئةٌ جدًا، وكأنها ساعات!
حاولت مرارًا وتكرارًا الوصول له، ولكن النتيجة كانت واحدة في كل مرة… الهاتف غير متاح.
لم تكن “سنا” معتادة على الاهتمام به، ولكن عدم عودته بالأمس، وظهور “سلمان” غير المحبذ أضنى عقلها الذي لا يتوقف عن التفكير ولو للحظة واحدة.
ظلت تتأمل الغرفة بهيئتها المزرية، خصلات مشعثة، وهالات واضحة من قلة النوم المفرطة، ووجه باهت لا يحمل أي صلة بالحياة، وملابس لم تغيرها حتى عندما عادت من العمل بالأمس، حتى طفلتها لم تحمل عناء الاهتمام بها، أو الجلوس معها لرؤية كيف مر يومها، فقط اكتفت بإطعامها بما وجدته في البراد، ومن حسن حظها أن اليوم هو إجازتها، فهي لا تملك ذرة طاقة طفيفة حتى لرؤية الشارع وليس للخروج لمباشرة عملها.
رأسها كاللعنة، وكأنه عدوها اللدود الذي لا يطمح سوى في تدميرها… تُرى ماذا يفعل المرء عند شعوره بأن عدوه الأول والأخير هو نفسه!؟
علاقتها المشتتة مع زوجها وسنوات عمرها التي تضيع بلا توقف… ظهور ذلك الرجل الذي لم ينبض قلبها إلا له واشتداد اضطرابها، وكأنها نيران تتلظى بصدرها، نيران تنهش كل إنش بقلبها الملتاع، وكأن الحياة تتلذذ بألمها اللانهائي!
وفجأة أخرجها من حبل أفكارها ولوجه للغرفة على حين غرة، فرمقته بنظرة خالية من التعابير ولكنها منهكة بصورة بادية على قسماتها البائسة، ثم همست بصوتٍ مبحوحٍ:
-كنت فين؟
التقطت عيناه حالتها، فتساءل بهلعٍ لم يستطع التحكم فيه:
-فيكي إية!؟
هزت رأسها عدة مرات نافية قائلة بصوتٍ حاولت جعل نبرته عادية:
-مفيش أنا كويسة.
ثم تابعت متسائلة مجددًا:
-كنت فين؟
اقترب منها، وجلس بجانبها ليرمقها برويةٍ واضحةٍ، فعقدت حاجبيها باستغرابٍ، وتريثت تتابع ردود أفعاله التي بدت غير مألوفة لها، بينما هو يصوب نظراته تجاهها بارتيابٍ واضحٍ، ربما شك ممزوج بخيبةٍ ولوعةٍ، فصاحت هي وقتها في وهنٍ تامٍ:
-الله يباركلك يا “يحيى” أنا مش شايفة قدامي…هتقول في إية قول..مش هتقول سيبني ف حالي.
ابتلع غصته المريرة، ثم رمقها بخذلانٍ بات بين ترائبه لعدة أعوامٍ بسببها، ولكن وفي تلك اللحظة بدا الشعور له ملحوظًا..ملحوظًا جدًا. طالت نظراته، وطال معها تردده، وكأنه علم رد فعلها الوقح قبلما يبوح بما جال في خاطره، وبما أرق ليله كله؛ ليظل طوال الليل يسير في الشوارع بلا وجهةٍ محددةٍ والنيران متأججة في صدره. حاول نبس كلماته بثباتٍ، ولكنها خرجت بأسى وهو يطالعها بتوسلٍ لعلها تكترث لمشاعره ولو لمرةٍ واحدةٍ:
-هو أنا يا “سنا” مكنتش كفاية؟
رمقته بارتياب وتساءلت بتمهلٍ لعلها تستطيع سبر أغواره:
-بمعنى؟
خرج صوته واهنًا، متوسلًا لأي أجوبة، ومرتعبًا من كل الأجوبة:
-مكنتش كفاية عشان تحبيني زي ما أنا حبيتك؟
ثم أكمل بصوتٍ مرتعشٍ لتتجمع العبرات بمقلتيه:
-مكنتش كفاية عشان أحس إن مرغوب فيا من الحد الوحيد اللي حبيته؟
وفجأة تحولت نبرته لأخرى صارخة بحدة روعت قلبهاعلى الفور، واشتد ذلك الهلع ما إن أبصرت عروق نحره التي برزت بصورة جلية مخيفة كانت تراها لأول مرة:
-مكنتش كفاية لدرجة إن صاحبي يجي يقولي مراتك كانت واقفة إنهاردة مع حبيبها القديم.
ثم تابع صائحًا باحتدامٍ، وعبراته الغاضبة تلهب وجنتيه:
-مع “سلمان” يا “سنا”.
وراح يهتف بنحيبٍ لم يستطع السيطرة عليه، وكأنه على حافة الانهيار التام:
-قوليلي كان ناقصني إيه… طب قوليلي هو فيه إيه مش فيا وريحيني… أنا عايش سنين عمري بتعذب وإنتِ مش حاسة بيا يا “سنا”.
ازدردت ريقها بصعوبة، وهبت واقفة بغتة كمن لدغه عقرب، ثم نهرته بثباتٍ اصطنعته بصعوبة بالغة:
-إيه التخاريف اللي إنتَ بتقولها دي… “سلمان” ده إيه اللي كنت واقفة معاه؟ وصاحبك مين اللي قالك الهطل ده؟
خاطبها ببسمة واسعة مريرة بعدما نهض ليقف قبالتها:
-وليه هطل يا “سنا”؟
ثم أكمل وعبراته تتهاوى أكثر وأكثر كطفلٍ صغيرٍ يشكو قسوة أمه عليه:
-عايزة تقنعيني إنك بطلتي تحبيه… عايزة تقنعيني إنك حتى حسيتي بحبي ليكي؟
حاولت ربط الخيوط ببعضها البعض، فهتفت وقتها باقتضابٍ:
-“خاطر” القذر طبعًا اللي وصلك الكلام ده.
لم يكن سوى “خاطر”. هو الصديق المشترك الوحيد بين زوجها وبين “سلمان”، فقد كان صديق الأخير قبل زواجها ب”يحيى”، وعلى علم بعلاقتها به.
ثم استطردت بوقاحة؛ ظنًا منها أن تلك هي الطريقة الأكثر تعقلًا لحل المشكلة، وهي الإنكار:
-وهو صاحبك يقولك حاجة على مراتك تروح تصدقها قوام!؟
فغر فاهه يحاول استيعاب مدى الدناءة التي تملكتها. جفف عبراته وهو يحاول تمالك نفسه وردود أفعاله، ثم همس بصوته المبحوح ليطالعها بعينين مغمورتين بحمرة تصيب المرء بالذعر:
-عارفة يا “سنا” أنا بحبك من إمتى؟
ثم تابع وبسمته الكسيرة تعتلي ثغره:
-من ٢٠ سنة.. من وأنا عيل عندي ١٥ سنة.
أكمل في حرقةٍ، وابتسامته تتسع أكثر وأكثر بوله عاشقٍ فقد عقله:
-كنت شايفك نجمة.. حاجة عالية أوي عليا، كنت بتمنى نظرة بس منك، أو ضحكة، أي حاجة كانت تيجي منك كنت أستناها وأرضى بيها… حبيتك… وحبيت الحب عشان خاطرك… ورجعت كرهته عشان خاطرك.
ثم تابع بنبرة متعبة بوضوحٍ:
-مفيش حاجة ذلتني إلا حبك، ولا في حاجة خلتني أشوف نفسي قليل ومش راجل إلا حبك، ولا في حاجة كانت هتخليني أقبل اللي حصل ده وأسكت كالعادة بردو إلا حبك.
وفجأة تعالت نبرته بصراخٍ كاد أن يجرح حلقه:
-ياريتني ما حبيتك.
تشتت فكره وهو يراها غير عابئة بما يمر به من صدمة وألم، ولكن عقله رفض ما يراه في لحظتها، ليتوهم وقتها بالنقيض تمامًا، فلم يشعر بروحه إلا وهو يرتمي بين أحضانها هامسًا بقلبٍ مكلومٍ:
-احضنيني يا “سنا”.
لفت ذراعيها حوله ليباغت قلبها في تلك اللحظة لوعةً قاسيةً، ولاحت بسمة متهكمة على ثغرها… إن كان هو ضائعًا ولا يملك وجهة لسبيله، فهي لم يكن لها أي طرق من البداية أساسًا!
أطبقت جفنيها بتوجعٍ ما إن شعرت بدموعه تبلل كتفها، شعور مميت يعذبها، ويدمي قلبها اللعين، تحمل همها وهمه، عشقها وعشقه، خيبتها وخيبته. لطالما تمنت أن تزيل كل تلك الأعباء من على كاهلها ولم تستطع، وكأنها أتت لتلك الحياة لتختبر ذلك الألم المرير فقط.كم تمنت أن تعطه فرصة، أن تشعر بذلك العشق الثمين الذي كمن بين يديها، ولكنها فشلت، ولم ترَ عيناها سوى رجلٍ واحدٍ طوال حياتها البائسة…”سلمان”!
******************
كان يتناول فطوره بجانبها، وحاول مراقبتها خلسة، فهو لاحظ شكها الصريح الذي رمته عليه في آخر مواجهةٍ لهما؛ لذا كان يفكر في خدعةٍ ما يحاول بها تبديد تلك الفكرة من رأسها تمامًا؛ حتى لا تخرب مخططه القادم، وهنا حاول “سلمان” كسر الصمت الدائر بينه وبين زوجته قائلًا بهيامٍ زائفٍ:
-كنتي وحشاني أوي يحبيبتي.
وضعت الطعام داخل فمها، ثم همست بمللٍ وكأنها تقرأ أفكاره:
-هات من الآخر.
جزَّ على أسنانه بقنوطٍ، ثم عاد يهمس بضيقٍ مصطنعٍ:
-أخر اية بس يا “فتون”..بقولك وحشتيني.
لم يخبرها موج عينيه سوى بالكذب، فهتفت وقتها بتيقنٍ:
-وأنا لو كنت حاسة في كلامك ذرة واحدة صدق كنت بادلتك يا “سلمان”..إنتَ عارف كويس إني بحبك.
استشاط اهتياجًا، وصاح وقتها بانفعالٍ غير مدروس:
-وأنا مبحبكيش مش كده، مختارتش أتجوزك وقبلت أعيش معاكي سنين وأنا عارف إنك مبتخلفيش. ده أنا مفيش يوم حتى فكرت أتجوز مرة تانية عليكي يا “فتون”…إيه كل ده مش متشاف عندك.
وكأنه لم يجرح كرامتها في كلماته الأخيرة، وراحت تطالعه بخيلاءٍ بادية على وجهها، ثم ناطحته الندَّ بالند، وردت عليه بإيضاحٍ، وكأنها تصحح له فكرته السرابية:
-إنتَ اتجوزتني عشان فلوس أبويا يا “سلمان”، متكدبش الكدبة وتصدقها.
هدر بها بغلٍ:
-ولما إنتِ حاطة في دماغك ده مكملة معايا ليه؟
أتته إجابتها باستفزازٍ، وراحت تكمل طعامها غير مكترثة له:
-مقدرش أعيش منغيرك يا “سلمان”..ألاقي أقذر منك فين!
عضَّ على شفتيه بغيظٍ، ثم نهض من على كرسي السفرة وكاد أن يغادر الغرفة متمتمًا بعصبيةٍ:
-ولية بومة وش فقر.
وفجأة أوقفه صوتها الصارم وهو يقول:
-كنت مع “سنا” بتعمل إيه يا “سلمان”؟
يتبع….
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!