رواية ذكراه الفصل الخامس 5 بقلم رولا هاني
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
رواية ذكراه الحلقة الخامسة
وانطلت خدعته
“كان بيقولي بحبك أيوة كان بيقول
وأنا من لهفة قلبي صدقته… صدقته علطول!”
-جبار.
**********
نفث دخان سيجارته الكثيف، واستند بظهره على كرسي سيارته الخاصة بعدما أعاده للخلف. زفر أنفاسه المحمومة، وظل يتابع الطريق بنظراته الغامضة المعهودة، ثم رفع نظراته قليلًا حيث السماء ليبصر ضوء الشمس الذي بدأ في التجلي رويدًا رويدًا، فاستطاع وقتها استيعاب كم مضى من الوقت وهو في سيارته منذ أمس… كم مضى من الوقت وعقله منشغل بلا هوادة بالأحداث الأخيرة، ولاح في ذاكرته شجاره العنيف مع زوجته صباح أمس.
-“سنا” مين اللي كنت معاها يا “فتون” يا حبيبتي، إنتِ دماغك فوتت ولا بتخرفي؟
قالها “سلمان” بثباتٍ بعدما تمالك نفسه، واتخذ حذره الشديد تجاه كل ما سيتفوه به بعد قليل، ثم استدار لها أثناء جملته ليحدقها بتريثٍ تامٍ، فأتاه صوتها العالي الذي دوى بالغرفة، وهي لاوية شفتها العلوية بتهكمٍ:
-هي مين يروحمك اللي دماغها فوتت، كنت قد ستك ولا قد ست أمك؟
مط شفتيه للأمام، ثم قال في سخرية، ليظهر وقتها كل نواياه الملتوية بلا مجهود منها:
-أيوة شاطرة أوي أرجعي لأصلك بسرعة.
وقبل أن ترد عليه وغضبها يتأجج حتى الذروة استطرد هو بغلظةٍ:
-وقبل ما تيجي تحاسبيني بروح فين وباجي منين روحي شوفي أختك “فاتن” اللي مقشطة شركات أبوكي أول بأول.
كزت على أسنانها بنفاذ صبر، ثم صاحت منذرة:
-طب بلاش شغل لوع يا “سلمان”…ومتلفنيش معاك في حوارات تانية ملهاش لازمة، وإلا وحياة أمك “رجوى” لا ههد المعبد باللي فيه.
ثم أكملت بنبرتها المحذرة، وهي تضرب كتفه بكفها عدة مرات:
-وإنتَ عارف أنا مجنونة… تليفون صغير لجوز اللي كنت رايحلها إنهاردة، وبمنتهى الهدوء هسأله “سلمان” كان واقف مع حبيبة القلب القديمة “سنا” ليه، وشوف وقتها هتولع إزاي.
تفهم خطورة توعدها جيدًا، فهي لا تهدد هباء، ولا تثير الجدل بلا نية للتنفيذ؛ لذا تنفس بعمقٍ قبل أن يستفسر بحنقٍ:
-من الآخر عايزة إيه؟
رفعت سبابتها في وجهه وحذرته بجديةٍ:
-ده آخر تحذير يا “سلمان”… آخر تحذير ليك، وإلا قسمًا بالله لا هخلعك وأرميك زي الكلب وأخليك لا شغلة ولا مشغلة.
تقبل إهانتها بمنتهى الأريحية – اعتيادًا منه – مبتسمًا بسماجةٍ، ثم رد عليها وهو يحاول استثارة عطفها تجاهه:
-أنا تحت أمرك في أي طلب ليكي… بس قبل ما تحكمي عليا وتقولي إني بحن لواحدة مبقتش في دماغي أساسًا اعرفي الأول أنا روحتلها ليه.
لم يفهم أي شيء من نظراتها المبهمة، فتابع وقتها موضحًا بمراوغةٍ خفيةٍ:
-بعتتلي مسدج من أكونت جديد هي عملته غير اللي أنا مبلكهم، وقالت لو مجيتش قابلتها هتظهر في حياتنا وهتهد الدنيا، وقعدت تهلفط بكلام غبي… أصلك خطفتيني منها.. أصلك خطافة رجالة وكلام كله قلة أدب.
راقب عزوفها عن الرد وعن إبداء أي ردود أفعال بقلقٍ، ولكنه أكمل وهو يحاول حبك روايته الزائفة:
-قابلتها، ومسحت بكرامتها الأرض، وعرفتها إن مراتي خط أحمر… ده غير إني حذرتها عشان متفكرش تظهر في حياتنا تاني.
لاحت بسمة جانبية متهكمة على ثغرها، ثم أرهبته ونظراتها الثاقبة العتيدة لا ترحم حاله من المراقبة:
-مشتريتش يا ابن “رجوى”.
ثم استطردت بنبرةٍ موحيةٍ وهي تغمز بعينها اليمنى:
-أنا وإنتَ عارفين إنتَ اتجوزتني ليه يا “سلمان”… اللي عندي قولته دوره ف دماغك، ووريني هتختار إيه.
تجهمت ملامحه بصورةٍ ملحوظةٍ؛ لذا انسحب خارجًا من البيت بأكمله بخطواته المسرعة، وكأنه يبتغي الهروب في أقصى سرعة من تلك المواجهة اللعينة.
وفجأة خرج من شروده ومما يتذكره، ثم همس بغيظٍ:
-بقى أنا ده يبقى حالي بسببك يا “فتون” الكلب.
*******
-“سلمان”!… إيه اللي جابك بدري أوي كده ده الساعة ٧ الصبح!
قالتها “سنا” بتعجبٍ عاقدة حاجبيها بعدم فهم، بعدما فتحت باب الشقة الذي تعالت الطرقات عليه لتجده أمامها بابتسامته البشوشة، فرد عليها بحبورٍ استغربت على إثره:
-أمك نزلت شغلها من شوية إيه مقلقك كده ما البيت فاضي.
طالعته بريبةٍ، وحل التوجس عليها؛ لذا هتفت بتلعثمٍ بادٍ:
-ط…طب وحتى لو البي.. البيت فاضي إنتَ عايز إيه؟
رمقها بلومٍ بعدما وصله مقصدها، وعاتبها بعبوسٍ حل على قسماته:
-إنتِ مقلقة مني يا “سنا”.. في إيه؟..أنا كان نفسي أقعد معاكي شوية!
ثم تابع بلا تلكؤ وهو يلج للداخل دافعًا إياها برفقٍ، فما كان منها إلا الدخول معه بطاعةٍ:
-وبعدين ادخلي متسيبينيش واقف برا كده لا حد يشوفني ويفهم غلط.
أغلق الباب وفي الحال مال على ثغرها مقبلًا إياه بجرأة أعتادها معها، واستطرد هامسًا بصوتٍ عذبٍ:
-وحشتيني.
تلبكت خجلًا، وتملكها شعور الحرج؛ لذا صمتت قليلاً قبل أن تهتف برجاءٍ:
-ما بلاش قعدة هنا يا “سلمان” وتعالى ننزل أي كافيه أو نروح المكان اللي بنحب نروحه سوا.
وبخها بضيقٍ وهو يبتعد عنها، وكأنها افتعلت جريمة نكراء بطلبها البسيط:
-مش عايز أقعد ف مكان عام… هو في إيه يا “سنا” هو أنا هاكلك!..وبعدين إن مكنتيش تأمنيلي أنا هتأمني لمين؟
تنهدت بقلة حيلة، ثم همست بحنوٍ وهي تربت على صدره:
-طب حقك عليا متزعلش أنا مش قصدي.
ثم أكملت بحيويتها المفعمة بعدما اطمأن قلبها قليلًا، فهي مهما كان الوضع تثق فيه ثقة عمياء، حتى وإن كان الوضع لا يصح أو غير مناسب:
-تعالى أقعد هشربك عصير عاملاه بإيدي.
شدها عليه من معصمها قبل أن تغادره، فاصطدمت بصدره وشعرها يتناثر على وجهها، بينما هو يهمس بمكرٍ:
-خدي بس عصير إية دلوقت.. ما تيجي تفرجيني على أوضتك زي ما هي لما كنا بنلعب مع بعض وإحنا عيال صغيرة ولا اتغيرت.
حاولت سحب ذراعها، وعاد وقتها القلق يحتل أركان قلبها؛ لذا همست وقتها باستنكارٍ:
-أوضة إيه اللي هوريهالك يا “سلمان” ما تتلم.
لملم خصلاتها الفاحمة المتمردة خلف أذنها، ثم همس بنبرةٍ مغويةٍ:
-أوضتك يا قلب “سلمان”.
ازدردت ريقها بمنتهى الصعوبة، فاصطنعت الثبات قائلة:
-أ..أتلم يا “سلمان”.
-مش عايز أتلم يا عيون “سلمان”.
مال عليها ملتقطًا ثغرها مجددًا بين شفتيه، وأحاط خصرها بكلا كفيه، فتبخرت وقتها كل اعتراضاتها لأسلوبه الجديد عليها في التعامل، وذابت بين يديه ولم تشعر حتى بحالها، بينما هو يستغل الأمر لتتهلل أساريره بعدما سنحت له الفرصة، ثم دفعها بتمهلٍ ناحية غرفتها وهو يحيط بجسدها بكلا ذراعيه بحرصٍ مغمورٍ بحنيةٍ تلين أعتى الجبال، وخلال لحظات ولج بها للغرفة وهو يغمرها بقبلاته الحارة، بينما هي تنساق خلفه بلا وعي..بلا وعي حتى للباب الذي انغلق ولا بملابسها التي أخذ يزيحها عنها واحدة تلو الأخرى!!
شهقة عنيفة خرجت منها وهي تستيقظ بغتة من سباتها الذي طال. جحظت مقلتاها بقوةٍ تحاول استيعاب أي شيء… تلك الذكرى اللعينة داهمتها بلا رحمة في أحلامها!…حاولت “سنا” السيطرة على أنفاسها المتلاحقة بصعوبة قصوى، وفجأة شعرت بثقلٍ غريبٍ على صدرها، فأبصرت وقتها “يحيى” النائم بعمقٍ بين أحضانها، فمرت ومضات سريعة من ذكريات أمس على بالها، انهياره المباغت.. وبعدها مغادرته بالطفلة بلا مقدمات أو شرح، لتعلم بعدها ذهابها لوالدته…عودته لها ليبقى بقية اليوم نائمًا بين ذراعيها هكذا بلا ملل أو كلل…صامتًا، ولا يخرج منه أي ردود أفعال مفهومة… فقط بقي بين ذراعيها، حتى غفا لليوم الثاني وهي معه من فرط الإرهاق، فرأسها لم يرحمها ولم يشفق عليها حتى!
قامت بهدوءٍ شديدٍ؛ حتى لا توقظه، وسارت تجاه المرحاض تنتوي نيل حمام دافئ قبل الذهاب لعملها، وحينها تململ “يحيى” في نومته، وأخذ يفتح عينيه ببطءٍ شديدٍ قبل أن يعتدل في جلسته. دعك عينيه بكفه، وبحث عنها بمقلتيه، فاستمع لصوت المياه المتناثر الصادر من الحمام المتواجد بالغرفة. تنهد بعمقٍ، وكاد أن ينهض من مكانه، ولكنه توقف عندما التقطت أذناه صوت الإشعار الخارج من هاتفها؛ لذا ألقى نظرة سريعة على المرحاض، ونظرة أخرى على الهاتف قبل أن يلتقطه ليتفحص بفضولٍ هوية الراسل. وجدها رسالة من رقم مجهول، فتفحصها بدقةٍ، ثم اتسعت حدقتاه بصدمةٍ جليةٍ عندما قرأ فحواها بتمتمةٍ:
-خليكي فاكرة الكلمتين اللي قولتهملك “سنا” عمرها ما قدرت تحب غير “سلمان” يا قلب “سلمان”.
أغلقه سريعًا، وألقاه بعيدًا وكفه يرتجف بوضوحٍ، ثم نظر تجاه الحمام والدموع متحجرة في عينيه، كل ما سعى له خلال تلك السنوات سيضيع من بين يديه… كل التضحية التي قدمها لأجلها ستكون بلا فائدة.. كل ما تحمله وعانى منه بلا أي تعاطف منها سيصبح لا قيمة له؛ لذا تلاحقت أنفاسه وهو يهز رأسه بهستيريةٍ ورفضٍ قاطعٍ، فهب واقفًا فجأة كمن لدغه عقرب؛ ليبدأ في تغيير ملابسه استعدادًا للخروج لوجهة عواقبها غير محمودة بالمرة.
***************
-جاي ليه؟
قالتها بلهجةٍ لمح فيها الاستعلاء، فتعجب وعاتبها وهو يدلف لداخل الشقة بعدما فتحت له الباب:
-عيب يا “إنجي” أما تقولي لجوزك جاي بيتك ليه.
رمقته بضيقٍ، والتزمت الصمت، فأغلق هو الباب ليقترب منها محدجًا إياها بأسفٍ، فاستطرد هامسًا بصوتٍ تعمد جعله خفيضًا وهادئًا؛ حتى يبث الاطمئنان لقلبها:
-عارف إنك زعلانة مني.
ثم أكمل بجديةٍ:
-بس أنا معذور بردو يا “إنجي”.
رفعت كلا حاجبيها بعدم تصديق، ثم اقتربت منه هاتفة باستهجانٍ:
-ف إنتَ جاي ومكلف خاطرك عشان تيجي ف الأخر توضحلي قد إيه إنتَ معذور!
هز رأسه نافيًا بتلهفٍ، وصحح زلة اللسان التي وقع فيها:
-أبدًا لا مش قصدي أنا بس..
قاطعته بلا مبالاة، وقد اتقد الغضب بداخلها بلا رحمة:
-قصدك أو مقصدكش ميهمنيش.
استحوذ أسلوبها الفج غير المعهود كامل اهتمامه، فرمقها باستنكارٍ مستفسرًا:
-هو إيه الأسلوب اللي بتتعاملي بيه ده؟
تعللت في تشددٍ:
-والله ده أسلوبي إن كان عاجبك.
مرة أخرى انصدم منها… وكأنها تبدلت لأخرى بين ليلة وضحاها… من زوجة مطيعة تخشاه وتخشى بطشه إلى أخرى لا يهمها شيء؛ لذا زجرها في قسوةٍ:
-جرى إيه يا “إنجي” إنتِ ناسية بتتكلمي مع مين ولا إيه؟
ردت عليه بغلٍ، بينما هو يطالعها ولا يصدق ما تراه عيناه… يكاد يجزم أنه يرى امرأة أخرى:
-لا مش ناسية.. آخرك تعمل إيه؟.. تمد إيدك، تشتمني، ولا هتموتني..مبقتش فارقة.
عقب على جملتها الانفعالية بهدوءٍ، وهو يحاول تصحيح ما ثبت في رأسها من أفكار وهمية:
-أنا يا “إنجي” هموتك!… أنا مقدرش أأذيكي!
صرخت باحتجاجٍ، وهي تدفعه بكلا ذراعيها للخلف:
-كــداب.. أذيتني، وقدرت… إنتَ كـــداب.
كظم غيظه مجددًا، وأطلق سبة نابية سرًا، ثم حادثها في تعقلٍ:
-طب ممكن تهدي عشان نعرف نتكلم؟
ثم استطرد في توضيحٍ:
-أنا باقي عليكي ومليش غيرك يا “إنجي” اعقلي.
استشاطت غضبًا وردت عليه في هياجٍ جمٍ:
-متقوليش أهدي.. أنا مش عايزة منك أي حاجة…. مش عايزة غير تطلقني يا “عزام”.
وهنا بلغت العصبية أوج ذروتها بداخله، فقبض على خصلاتها باحتدامٍ مفاجئٍ، بينما هي تدوي صرخاتها المتألمة وهي تراه يصرخ بحدةٍ:
-جرى إيه بروحمك هي هبَّت منك ولا واخدالي حبوب جراءة على الصبح؟
ثم أكمل وهو يلوح بيده في الهواء بانفعالٍ مشددًا قبضته على شعرها لتتأوه مجددًا:
-جاي وبراضيكي وإنتِ مفيش على لسانك غير كل قرف.. ولا إنتِ شكل أمك معلية الڤولت المرادي ومسلطاكي تخربي بيتك؟
وتلك المرة تابع بجنونٍ، وهو يهزها بعنفٍ تفاقم ما إن طرأت تلك الفكرة على باله:
-ولا يكونش حد تاني خالص بيلعب في دماغك وشاغل بالك!
رمقته باشمئزازٍ بائنٍ في نظراتها، ثم تمسكت برأيها في إصرارٍ لا يقبل النقاش، وتهديدٍ أجج النيران في صدره:
-طلقني يا “عزام” أحسنلك بدل ما أخلعك.
صفعة مدوية هبطت على صدغها بعدها ترك خصلاتها، ثم لف شعرها مجددًا على كفه صارخًا بصوتٍ جهوري:
-دة أنا أهون عليا أموتك وأشرب من دمك وأنا روحي فيكي ولا إنك تخلعيني يا ****.
أمسك بفكها في قوةٍ بالغةٍ، ثم طالع زرقوتيها في قتامةٍ، وحذرها هامسًا بنبرة تشبه فحيح الأفعى:
-أنا هسيبك تعقلي يومين، وده عشان أنا لو حطيت في دماغي العك اللي قولتيه همحيكي من على وش الأرض مش هسيب فرصة للتفاهم حتى.
تركها بحركةٍ عنيفةٍ جعلت صرخاتها تتعالى مجددًا، ثم غادر المكان بأكمله في خطواتٍ راكضةٍ، بينما هي تنوح في قلة حيلة وهي ترتمي على الأرضية الصلبة بعدما لم تستطع قدماها حملها.
******************
-يا “يحيى” عشان خاطري أسمع الكلام… اللي هتعمله ده هينزل على دماغ الكل.
قالها “خاطر” بتوسلٍ عبر الهاتف بعدما تواصل معه صديقه المقرب؛ ليحكي له عن خطته التي ابتغى تنفيذها في الحال، فأتاه رد “يحيى” برفضٍ قاطعٍ وهو ينعطف بسيارته لليسار:
-هروح ل “سلمان” الكلب يعني هروحله…هو اللي نكش في القديم يبقى ميلومش إلا روحه.
يتبع….
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!