رواية ادهم ووردة الفصل الاول 1 بقلم القلم الذهبي
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
كان المطر يضرب النوافذ المرتفعة لـ “قصر العطّار” بقسوة كأنه يحاول اختراق الجدران الحجرية التي صمدت لأكثر من قرن. في الداخل، كان الصمت يخيم على الصالة الرئيسية المترامية الأطراف، لا يقطعه سوى صوت خطوات “أدهم العطّار” الرتيبة والمنتظمة وهو يجوب المكان معطفه الداكن المبتل عند الأطراف. كان يمسك بين يديه مخططات هندسية ضخمة، يراجع بتركيز شديد كل زاوية، وكل عمود رخامي، وكل حفر على الأخشاب الساج القديمة. بالنسبة لأدهم، لم يكن هذا القصر مجرد بناء أثري يعود لأجداده، بل كان صفقة حياته الكبرى؛ تحويل هذا المكان إلى مركز استثماري وثقافي عالمي هو جواز سفره لفرض سيطرته الكاملة على السوق العقاري وإخرام ألسنة المنافسين الذين طالما اتهموا عائلته بالإفلاس والتراجع.
وقف أدهم عند منتصف السلم الرخامي المزدوج، ورفع عينيه نحو السقف المقوس المزين بالرسومات الفريسكو القديمة التي أكل الزمان أطرافها. ضغط على شفتيه بضيق وهو يلاحظ التآكل الواضح، ثم التفت إلى مساعده الشخصي الذي كان يقف خلفه بخطوتين يحمل جهازاً لوحياً: “أين هي المرممة التي أرسلتها الهيئة؟ الاتفاق كان على أن تبدأ العمل في الثامنة صباحاً، ونحن الآن نتجاوز الثامنة والنظر. أنا لا أتحمل الاستهتار بالمواعيد يا سامح، خاصة في مشروع يتوقف عليه اسم الشركة.”
قبل أن يجيب سامح، صدى في أنحاء القصر المظلم صوت تحطم مباغت وحاد، كأن قطعة أثرية نادرة قد سقطت من ارتفاع شاهق. تحركت ملامح أدهم بسرعة، وتحولت علامات الضيق إلى غضب مكتوم. نزل السلم بخطوات واسعة وواثقة باتجاه مصدر الصوت في الجناح الشرقي للقصر، حيث تُحفظ التحف والقطع الزجاجية العتيقة.
حين فتح الباب الخشبي الضخم للجناح، توقفت خطواته فجأة.
كانت الصالة مضاءة بكشاف كهر بائي محمول موضوع على الأرض. وفي وسط الضوء المتكثف، كانت تجلس على ركبتيها شابة تتناثر حولها شظايا ملونة لإناء زجاجي فرنسي يعود للقرن التاسع عشر. كانت ترتدي زياً عملياً ملطخاً بآثار الجبس والألوان، وشعرها الكستنائي المتمرد مربوطاً للخلف بطريقة عفوية، وتتناثر على جبهتها بعض الخصلات السائبة. كانت تمسك بين أطراف أصابعها الدقيقة بشظية زجاجية كبارقة ضوء، وتهمس لنفسها بنبرة يملؤها الأسف والأسى كأنها تعتذر للكائن المكسور أمامها.
تردد صوت أدهم الجاف والبارد، يقطع سكون القاعة: “هل هذه هي ‘الدقة والاحترافية’ التي تحدثت عنها الهيئة؟ لم تمضِ ساعة واحدة على وجودكِ في المكان، وأول ما تفعلينه هو تدمير تحفة عمرها مئة عام؟”
رفعت وردة رأسها ببطء. لم تفزع ولم ترتبك كما توقع أدهم، بل التقت عيناها بعينيه بثبات عجيب. كانت عيناها واسعتين ولونهما يشبه العسل الصافي في ضوء الشمس. وقفت على قدميها بثبات، ورغم أنها كانت تقف أمامه بجسدها النحيل وأزمتها الملطخة بالعمل، إلا أن هيبتها وكبرياءها فرضا حضوراً لا يقل عن حضور أدهم وهيبته.
قالت بصوت هادئ ولكن نبرته تحمل نبرة تحدٍ صلبة: “أولاً، صباح الخير يا بشمهندس أدهم. ثانياً، هذه القطعة لم أكسرها أنا. القاعدة الخشبية التي كانت تحملها كانت متآكلة بفعل الرطوبة منذ سنوات، وما إن لمستها حتى انهارت. وثالثاً… الفن لا يُقاس بالقسوة التي تتحدث بها. هذه القطعة لم تُدمَّر بالكامل، من يملك عيناً تفهم روح التاريخ يعرف تماماً كيف يعيد جمع هذه الشظايا لتصبح أجمل مما كانت.”
“روح التاريخ؟” قالها أدهم بنبرة تهكمية خفيفة، “أنا لا أدفع ملايين الجنيهات للهيئة من أجل ‘روح التاريخ’ يا آنسة وردة. أنا أدفع من أجل عقد محدد بجدول زمني صارم. أمَامكِ ثلاثة أشهر بالتمام والكمال لإعادة هذا القصر وكل ما فيه إلى حالته الأصلية. لا أريد أخطاء، لا أريد تأخيراً، ولا تهمني الفلسفات الفنية. كلمتي هنا هي القانون والجدول الزمني هو المرجع الوحيد.”
مسحت وردة يدها بقطعة قماش صغيرة، ورفعت ذقنها للأعلى وهي تنظر بداخل عينيه مباشرة: “الجدول الزمني سيتنفذ يا بشمهندس، ليس لأنك تشرطه، بل لأنني أحترم مهنتي وأحترم هذا الأثر. لكن دعني أخبرك بشيء واحد قبل أن تبدأ في إعطاء الأوامر… هذا القصر ليس مجرد حجر وأرقام في جدولك الهندي. هذا المكان ينبض بالحكايات، وإذا لم تتعلم كيف تحترم تاريخه، فلن ينفعك كل مالك في إعادة بريقه.”
ساد صمت ثقيل بينهما. كان كل منهما يقف على طرفي نقيض: أدهم بعقليته الحسابية الجافة، ووردة بعاطفتها الفنية الثائرة. انحنت وردة ببطء وبدأت بجمع الشظايا الزجاجية واحدة تلو الأخرى بعناية فائقة، محتفظة بهدوئها، بينما ظل أدهم يراقب حركاتها الدقيقة بجمود، مشعراً ولأول مرة في حياته أن هناك من يجرؤ على الوقوف في وجهه ودحض كلماته بكسر من الثانية.
تراجع أدهم خطوتين إلى الخلف، وعدل ياقة معطفه ثم قال ببرود وهو يلتفت ليغادر: “نلتقي في جولة التفقد المسائية. وآمل أن أرى عملاً لا أعذاراً.”
غادر أدهم القاعة، تاركاً وردة بين شظايا الزجاج الملون. تنفست وردة بعمق وهي تنظر إلى أثره، ونظرت إلى الشظية التي بيدها وقالت بصوت خافت: “سنرى من منا سيعيد بناء الآخر يا بشمهندس…”
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!