رواية جاد ورحمة الفصل الثالث 3 بقلم القلم الذهبي
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
في صباح اليوم التالي، كانت الأجواء في الشركة مشحونة. انتهت المهلة المحددة لتعديلات “برج المنارة”، وكان الموعد النهائي لتقديم العرض التقديمي أمام مجلس الإدارة والعملاء الأجانب بعد ساعتين فقط.
دخل جاد إلى مكتبه، وكان التوتر بادياً على وجهه، لكنه ظل محتفظاً برباطة جأشه. سأل رحمة فور دخولها:
“هل التعديلات جاهزة؟”
أومأت رحمة برأسها وهي تشعر بالضغط، لكنها واثقة من عملها:
“نعم يا فندم، كل شيء جاهز، بما في ذلك فكرة الإضاءة الطبيعية التي اقترحتها أنت أمس.”
أعطاها جاد نظرة سريعة تحمل تقديراً خفياً، لكن لم تدم الابتسامة طويلاً. دخلت رئيسة قسم التصميم السابقة، المهندسة “نوال”، والتي كانت تكنّ ضغينة لرحمة بسبب تعيينها المباشر في مكتب جاد. وضعت نوال ملفاً أمام جاد وقالت بنبرة خبيثة:
“جاد بيك، يبدو أن هناك خطأً فادحاً في الحسابات الإنشائية للواجهة الجديدة التي صممتها المهندسة رحمة. إذا نفذناها بهذه الطريقة، فإن الواجهة لن تتحمل ضغط الرياح في الأدوار العليا، مما قد يؤدي إلى كارثة!”
نزل الخبر كالصاعقة على رحمة. شعرت بالأرض تميد بها. التفت إليها جاد بنظرة باردة كالثلج، وقال بصوت منخفض لكنه مرعب:
“مهندسة رحمة.. هل راجعتِ الحسابات؟”
ارتبكت رحمة، وتلعثمت:
“أنـ..أنا.. راجعتها مراراً، لكنني.. لست متأكدة من أنني راجعت الجزء الخاص بالرياح بعد التعديل الأخير في الزاوية..”
صمت جاد للحظات، وكان الصمت أشد وقعاً من الصراخ. سادت حالة من الهرج في المكتب بين كبار المهندسين. قال جاد بحزم:
“أخرجي يا نوال.. الجميع يخرج. أريد البقاء مع رحمة بمفردنا.”
بعد أن فرغ المكتب، وقف جاد ونظر إلى رحمة التي كانت على وشك الانهيار. لم يصرخ، لكن نبرته كانت قاسية:
“أنا أثق بكِ.. وأعطيتكِ فرصة العمر. القلم الذهبي لا يوقع على الأخطاء الكارثية. إذا كان هذا الخطأ صحيحاً، فسوف أضطر لفصلكِ فوراً حفاظاً على سمعة الشركة، بل وسمعتكِ أنتِ أيضاً.”
نزلت دموع رحمة دون إرادة منها. لم يكن فصلها هو ما يؤلمها، بل نظرة الخيبة في عيني جاد.
“جاد بيك، أرجوك.. أعطني نصف ساعة فقط. سأعيد حساب كل شيء.”
نظر إليها طويلاً، ثم أخرج قلمه الذهبي ووضعه على الطاولة أمامها:
“هذا القلم ينتظر توقيعي على المشروع، أو على قرار فصلكِ. لديكِ ثلاثون دقيقة.”
جلست رحمة أمام الكمبيوتر، وكان الخوف يشل تفكيرها، لكنها تذكرت شيئاً.. تذكرت كلمات جاد في المصعد عن الأرقام والمنطق. بدأت تراجع الحسابات بتركيز خارق، وتتتبع كل خطوة. وفجأة، لاحظت شيئاً في الملف الذي قدمته نوال. لقد تم تغيير أحد الثوابت الرياضية في المعادلة بشكل متعمد!
صرخت رحمة: “لقد وجدته!”
التفت إليها جاد الذي كان واقفاً أمام النافذة يفكر. ركضت نحوه وأرتّه الكمبيوتر:
“جاد بيك، الحسابات في الملف الذي قدمته المهندسة نوال خاطئة تماماً. لقد تم تغيير معامل احتكاك الرياح عمداً! انظر إلى ملفي الأصلي، وانظر إلى هذا الملف. لقد تم التلاعب به!”
تفحص جاد الأرقام بسرعة، وكان ذكاؤه يتيح له فهم المعادلة المعقدة في ثوانٍ. تلاشت قسوته وحلت محلها نظرة غضب عارم.. ليس تجاه رحمة، بل تجاه نوال.
“هل أنتِ متأكدة؟” سألها جاد.
“مليون في المئة!” أجابت بثقة وقد عاد إليها النبض.
ابتسم جاد ابتسامة نصر، وأمسك بالقلم الذهبي:
“حسناً.. حان وقت العرض التقديمي. لا تعدلي شيئاً، سنقدم عرضكِ الأصلي.”
في غرفة الاجتماعات الكبيرة، وقفت رحمة وقدمت المشروع ببراعة فائقة، واصفة الواجهة الزجاجية الجديدة وكيف ستوفر الطاقة دون التأثير على السلامة الإنشائية. نال العرض إعجاب العملاء الأجانب بشدة.
وفي نهاية الاجتماع، نظر جاد إلى نوال وقال بنبرة حملت تحذيراً مبطناً:
“لقد راجعت الملف التخريبي الذي قدمتهِ يا نوال.. يبدو أن هناك خطأً في ‘نسختكِ’. المهندسة رحمة لم تخطئ، وعرضها هو العرض المثالي الذي كنت أنتظره. وقلمي الذهبي لا يخطئ في اختيار الكفاءات.”
كانت هذه هي اللحظة التي أدرك فيها الجميع أن رحمة لم تعد مجرد موظفة جديدة، بل أصبحت حليفة مقربة من جاد المسيري.
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!