رواية لولا الغرام الفصل الخامس 5 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل الخامس 5 بقلم روز امين

 

البارت الخامس

 

لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)

«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»

«تَقِفُ عَلَى حَدِّ السَّيْفِ، تَحْمِلُ فِي جَوْفِهَا صَخَبَ عَالَمَيْنِ لَا يَلْتَقِيَانِ، تَتَنَفَّسُ بِعُمْقٍ، فَيَضِيقُ صَدْرُهَا
بِحَمَائِلِ الْحُزْنِ، وَالِانْكِسَارِ، وَالشَّغَفِ مَعاً، وَكُلُّ مَا فِيهَا يَصْرُخُ مُعْتَرِضاً، كِبْرِيَاؤُهَا يُعَنِّفُهَا وَيَأْمُرُهَا أَلَّا تَرْضَخَ، وَأَنْ تَظَلَّ ثَابِتَةً عَلَى مَوْقِفِهَا الشَّامِخِ، بَيْنَمَا كُلُّ نَبْضَةٍ فِيهَا تَوَدُّ لَوْ تَحْرِقُ مَاضِيَهَا وَحَاضِرَهَا لِيَبْتَسِمَ فَقَطْ، إِنَّهَا لَا تَتَصَارَعُ مَعَ مَنْ حَوْلَهَا، بَلْ تَقُودُ مَعْرَكَةً طَاحِنَةً بَيْنَ هَيْبَتِهَا كَأُنْثَى حَكَمَتْ عَالَمَهَا الصَّغِيرَ
بِقُوَّةِ العَادَاتِ وَالأُصُولِ، وَبَيْنَ كَوْنِهَا أُمّاً مُسْتَعِدَّةً أَنْ تَنْزَعَ تَاجَهَا لِتَفْرِشَهُ سِجَّاداً تَحْتَ قَدَمَيْ صَغِيرِهَا لِيَسْعَدَ.»
“فاطمة بدران ”
بقلمي«روز أمين»

______________
إلتقط سماعة الهاتف بثقة بعد أن حسم أمره واتخذ قراره الحاسم، طلب رقم خاله “صادق”الذي تلقى اتصاله بسعادةٍ بالغة وهو يقول:
-إزيك يا حبيبي عامل إيه
-أنا بخير يا خالي الحمدلله.
-مش هتيجي زي ما وعدتني تقعد معانا يومين؟!
زفر تنهيدةً حارقة، قبل أن ينطق بنبرةٍ مثقلةٍ بالهموم ومفعمةً بالتوتر:
-هاجي لك صدقني، بس الأول أنا عاوز أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم أوي
انتقلت إليه عدوى التوتر فور سماع نبراته المرتبكة، ليبادر بسؤاله على عجل:
-فيه إيه يا” أشرف”، أمك وابوك كويسين؟!

-بخير يا خالي ما تقلقش، الموضوع اللي عاوزك فيه يخص” علي” أخويا.
تسرّب الخوف إلى أوصاله، وتساءل بنبرة يملؤها الهلع:
-إدخل في الموضوع على طول يا أشرف، إنتَ عارفني، بقلق من جو المقدمات ده.
كان يعلم مدى قلق خاله على من يحب، وأنه يستاء من المقدمات ويتوجس منها، لذلك دخل في صلب الموضوع فورا وقص عليه ما حدث، فرك الأخر جبينه مذهولاً، وقال بنبرة لائمة ابن أخته:
-معقولة يا أشرف، بقى كل ده يحصل وأبلة فيفي متبلغنيش؟!
تنهد الفتى بأسى قبل أن يجيبه بنبرة يملؤها العجز:
-هو أنا اللي هعرفك على ماما يا خالي؟!، ما انتَ أكتر واحد عارفها وعارف نشفان دماغها لما بتعند وتصمم على رأيها في حاجة
وتابع مفسرًا:
-من وقت اللي حصل وهي قالبة البيت حريقة، ومش مدية فرصة لأي حد يناقشها في الموضوع،حتى بابا نفسه مش عارف يتكلم معاها.
عزم على السفر إلى مسقط رأسه “المنصورة”، لمؤازرة ابن شقيقته في محنته، والمساهمة في حل معضلته.
لذا تحدث بهدوء:
-خلاص يا أشرف، أنا هرتب أموري مع مرات خالك، وأجي لكم، يا بكرة يا بعده ىالكتير أوي.
-براحتك يا حبيبي، ظبط أمورك وتعالي، بس ياريت متتأخرش عن يومين، حضرتك مش متخيل حالة علي بقت عاملة ازاي، دا قافل على نفسه باب أوضته وتقريبًا مبيخرجش منها غير للصلاة.

أنهى المكالمة مع خاله ليستمع لخطوات والدته التي خرجت لتوها من المطبخ، وهي تقول بوجه مجهم:
-الأكل جهز، أدخل نادي لاخوك علشان يتعشى معاك على ما أغرف لكم.
-ما انتِ عارفة إنه مش هياكل غير لما تقعدي معاه وتتفاهموا يا فيفي… همس لها بتلك الكلمات،ظنًا منه أنها ستحرك عاطفتها، لكن ردها جاء كصفعةٍ باردةٍ أصابتهُ بالدهشة:
-اللي ياكل على درسه ينفع نفسه يا عين فيفي، أنا هغرف الأكل وادخل أقعد مع أبوك في اوضتنا، اللي ياكل منكم ياكل، واللي مش عاوز يوفر.
جذب ذراعها برفق ليمنعها من الرحيل، ليقول وعيناه تفيضان بالرجاء:
-من إمتى قلبك كان قاسي علينا كده يا ماما؟!
حدقت فيه بملامح جامدة كالصخر، قبل أن تخرج نبرتها بصرامةٍ حاسمة:
-من يوم ما بقيتوا أنانيين ومبتفكروش غير في نفسكم وبس.
طالعها بلومٍ وهو يعاتبها بملاطفة:
– طب بتجمعيني ليه معاه،أنا عملت لك حاجة؟!

-أهو قدوتك اللي طول عمرك بتتباهى بيه، وبكرة تقلده في اللي عمله… وتابعت متأثرة بهواجسها:
-وأخرتها، هنترمي أنا والغلبان ابوكم في شيبتنا لوحدنا، ولو تعبنا، مش هنلاقي حتى اللي يناولنا كباية الماية اللي هناحد بيها البرشام.

تعمقت بعينيه لتسترسل والألم ينهش قلبها:
-هبقى رُقية التانية يا أشرف، بس الفرق إن أمي خلفت بنات ، مقسمين نفسنا على خدمتها ومراعين شيبتها، إنما أنا، ربنا ما رزقنيش ببنت تكون سندي وتحن عليا لما أكبر وصحتي تخوني.

أراد أن يخفف من وطأةِ ما تشعرُ به من آلامٍ ومخاوفَ من الزمان، فاحتضن كفها ليقول بكلماتٍ تقطرُ وداً وليناً:
-وانا روحت فين بس يا فيفي، هو انتِ فاكرة إني هقدر أسيبك واعيش بعيد عنك؟!
بأعين يملأها العتب تمتمت:
-ما هو كمان كان بيقول زيك كده.
ابتلعت غصتها وهرعت نحو المطبخ، لتتركه وحيداً مع حيرته، وقسوة ما يمر به من شتاتٍ ومشاعر متضاربة،بات قلبه ممزقاً بين وجع تلك الغالية، وبين لوعة شقيقه التائه.
________
أنهى صادق مكالمته والتفت، ليرى زوجته تجلس مع طفليهما على تلك الأريكة المريحة، كانت تطوي الملابس المغسولة بعناية وتساعدها صغيرتهما، بينما يلهو الصغير بإحدى ألعابه، اتخذ مقعده في الجهة المقابلة، ونظر إليها قائلًا:
-أنا رايح بكرة البلد.
قص عليها ما حدث تحت تأثر “منى”البالغ،ثم نظر إلى الصغيرة وهو يقول:
-جهزي نفسك يا دليلة هتيجي معايا بكرة، علشان تراضي عمتك.
التمعت عينا الفتاة بوميض السعادة، ورفرف قلبها وهي تقول بصوتٍ يتدفق منه الحماس:
-حاضر يا بابا.
بينما خرج صوت “منى”مرتبكًا بعض الشيء:
-بس بكره مش هينفع خالص يا صادق، أخويا “بهاء” كلمني وقال إنه جاي يزورنا بكره الساعة تمانية بعد المغرب، هو وأولاده ومراته،وكمان ماما جاية.
وتابعت بلطفٍ ولين:
-خليها بعد بكره أرجوك.
تغيرت ملامح “صادق” بغتةً، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة سبقت كلماته الغير محسوبة:
-بهاء؟! هو لسه فاكر إن ليه أخت رجعت من السفر بعد سنتين غربة؟!.
سقطت كلماته المتهكمة كصفعةٍ باردة على قلبها، فأنزلت عينيها أرضًا وقد كسا الحزن محياها، رفعت الفتاة عينيها البريئتين لتتنقل بنظراتها بين والديها، شاعرةً بالتوتر المفاجئ الذي أصاب كلاهما، هنا، أدرك سريعًا حجم الألم الذي تسبب به لرفيقة دربه، التي لا ذنب لها في جحود شقيقها الوحيد.

وقفت تجمع الملابس التي طوتها وتحركت للأعلى في خطواتٍ ثقيلة، شيع صعودها على الدرج بنظراتٍ يقطر من داخلها الندم.
تنهد بثقلْ وانسحب ليلحق بها للطابق العلوي، وما إن دلف إلى الغرفة، حتى رآها تقف عند النافذة المطلة على الحديقة، تنظر إلى السماء بعيونٍ تترقرق فيها العبرات.
جاورها الوقوف وبدون سابق إنذار جذبها برفقٍ ليسكنها أحضانه، لف ذراعه حولها ثم مال يُقبل مقدمة رأسها وهو يقول معتذرًا:
-أنا آسف يا حبيبتي، أنا كنت قليل الذوق أوي، بس والله ما أقصد أضايقك.
وتابع بصوتٍ حزين:
-أنا زعلي كله من بهاء علشانك إنتِ.
ردت بصوتٍ متأثرًا بحزنها:
-ما زعلتش منك يا صادق، أنا زعلت على نفسي أنا ورغدة.
وواصلت حديثها بغصةٍ خانقة تحشرجت في جوفها:
-كان نفسي اخويا الوحيد يبقى سندنا بعد بابا الله يرحمه، بس هنقول إيه، الحمد لله على كل حال.
أبعدها عن طوق ذراعيه ليتعمق بمقلتيها، ثم أبدى عتابه قائلًا بلهجة لائمة:
-إخص عليكِ يا منى، هو أنا مش سندك وظهرك ولا إيه؟!
أجابتهُ بصدقٍ تلمسهُ في دِفءِ نظراتها:
-إنتَ كل حاجة ليا يا صادق، حبيبي وجوزي وصاحبي اللي بفضفض له وقت الضِيق، بس شعور الأخ حاجة تانية.
ضمّها إليه من جديد، ممررًا يده على ظهرها بحنانٍ بالغ، وهمس بصوتٍ دافئ:
– انسى أي حاجة ممكن تضايقك يا حبيبتي، من النهاردة مش عايزك تفكري ولا تشغلي بالك بأي حد غيرنا إحنا وولادنا، والناس اللي بتحبنا وبس.

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  روايه اذوب فيك موتا - الأربعيني 3 الفصل الثاني عشر 12 بقلم فريدة الحلواني

أراحت رأسها على صدره وأغلقت عينيها بارتياحٍ، ثم أطلقت تنهيدة باسمةً بعدما احتواها بحنانه،ودثرها بفيض عطفه وكلماته التي سكبت الطمأنينة في روحها.
******
في وسط قصر “منير الخولي”وفخامته،تحديدًا داخل الحمام الملحق بغرفتها الخاصة، ذي الجدران الرخامية البيضاء، كان البانيو الدائري يفيض برغوة صابونٍ كثيفة، تصاعدت منها رائحة الفانيليا واللافندر الدافئة لتملأ الأجواء عطرًا، غطت الرغاوي سطح الماء بالكامل كغيمة قطنية ناعمة، تتلألأ تحت الضوء الخافت لشموع عطرية وزعتها العاملة بدقة في أركان المكان، نزعت عنها ثيابها وتسلل جسدها الرقيق ببطء إلى الداخل، متنهدة بارتياحٍ حالم حين لامس الماء الدافئ بشرتها، أسندت رأسها إلى الخلف على وسادة حافة البانيو المخملية، وأغمضت عينيها لتستسلم تمامًا لإيقاع موسيقى الجاز الهادئة، التي كانت تنبعث بنعومة من مكبر صوتٍ صغير، لتذوب مع صوت فرقعة فقاعات الصابون الصغيرة.

على حاملٍ خشبي أنيق يمتد فوق البانيو، استقرت رفاهيتها الصغيرة لهذا الحمام الدافيء، مدت أصابعها المطلية بلونٍ ورديٍ رقيق، لتلتقت حبة من الفراولة الحمراء بلونها الداكن، قضمت نصفها ببطء، تاركة حلاوتها الطبيعية تذوب في فمها، قبل أن تتبعها برشفة من كأس كريستالي طويل يحتوي على عصير التفاح البارد.
ابتسمت دلالٍ وهي تشعر أنها ملكة متوجة في عالمها الخاص، حيث لا مكان فيه لشيءٍ سوى لراحتها ومتعتها.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة حين تذكرت كلمات والدها وموقفه الداعم لها، في تلك اللحظة لاح في الأفق بصيص أملٍ يُضيء قصة عشقها مع”رشيد”، فقد باتت واثقة بأن والدها سيكون سندها، وسينصفها ويحميها من طغيان أشقائها الذكور، ومن الجدار العازل لكبرياء والدتها الطاغي.

تناولتْ حبّةً أخرى من ثمار الفراولة لتتذوقها بتلذذ، أغمضت عينيها وبدا على محياها الاستمتاع، وراحت تلوّح بـيدها بحركاتٍ إيقاعية راقصة، تتماوج برقةٍ مع أنغام الموسيقى.
خرجت من الحمام بعدما ارتدت ثوب الاستحمام(البورنس)،تدندن لحنًا لإحدى الأغنيات،خطت بهدوء، لكن قدميها تسمرتا مكانهما فورًا، حين وقع بصرها على أمِها وهي تجلس فوق ذلك المقعد الهزاز القابعِ في زاويةِ الغرفة،تتطلعُ نحوها بجمودٍ مريب.
ابتلعت ريقها تحاول استجماع شتاتِ نفسها،قبل أن تقول بدهشة قفزت من عينيها:
-ماما؟!
بهدوءٍ يدعو للريبة سألتها المرأة:
-مااك، اتخضيتي كده ليه؟!
هزت منكببها بلا مبالاة وهي تقول:
-وهتخض ليه يا ماما، أنا اتفاجأت بوجود حضرتك مش أكتر.
تحركت بخطواتٍ ثابتةٍ نحو المرآة، رفعتْ يديها المرتعشتينِ ونزعت منشفة رأسِها لتتحرر خِصالُ شعرِها المبتل ، ثم أمسكتْ بفرشاة الشعر تهيئًا لتمشيطِه.
نهضت “راندا” من مجلسها ببطءٍ شديد، وتقدمت نحو المرآة بخطواتٍ صامتةٍ، بدأت تطوفُ حولها بطريقة مريبة، وعيناها الحادتانِ تقرآن تقاسيم وجهها، تترقبانِ كل حركةٍ من ملامحها كمن يبحثُ عن سرٍٍ دفين.
تحت هذه النظراتِ الفاحصة، تملك الارتباكُ جسد الفتاة،سألتها المرأة بغتةً:
-إنتِ فيه حد في حياتك؟!
تسارعت أنفاسُها، وتصلبت يدها بالفرشاة، عاجزةً عن إخفاءِ التوترِ الذي فضحهُ ارتعاشُ حدقتيها في انعكاسِ المرآة، وهي تسألها ببلاهةٍ ممزوجة بالهلع:
-حد إزاي يا ماما، مش فاهمة سؤالك.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تجيبها بوضوحٍ أكثر:
-أقصد حبيب يا نهلة.
هزت رأسها بحركات متتالية لتؤكد نفيها وهي تقول:
-لا طبعاً
-غريبة…قالتها المرأة وهي تتفحصها بنظراتٍ كنظرات صائدٍ ماهر، فقطبت الفتاة جبينها دهشة، مما دفع المرأة لتفسير مقصدها:
-أصل الطريقة العنيفة اللي رفضتي تقعدي بيها مع العريس، بتقول إن فيه حد في حياتك، ومش مجرد إرتياح كمان
تعمقت بعينيها لتسترسل بدهاء:
-دي قصة حب واصلة للعشق يا نهلة
تعمدت إشاحة وجهها عن تلك الداهية تجنبًا لافتضاح امرها،وجعلت من شعرها الكثيف ستارًا يخبئ عينيها المرتبكتين وهي تقول بنبرة مغلفة باللامبالاة:
-خيالك راح لبعيد أوي يا ماما، كل الموضوع إني مش جاهزة لمقابلة أي حد في الوقت الحالي.

وضعت كفها على كتف الفتاة لتحثها على الإلتفات، قبل أن توجه لها سؤالاً مباشرًا:
-أكيد يا نهلة؟!
التفتت بنصف التفاتة وهي تمرر المشط ببطء شديد،ثم رسمت على شفتيها ابتسامة باردة، وتحدثت زيفًا، لتُخفي بكلماتها عشقاً جارفاً تملك من وجدانها:
-أكيد يا ماما.
تصنعت برسم إبتسامة زائفة، وتحدثت بنبرة هادئة مضللة،بثت الطمأنينة في قلب الفتاة،لتقول “راندا”:
-إلبسي هدومك وتعالي إقعدي معانا تحت،من زمان مسهرتيش معانا.
اكتفت بإيماءة صامتة صحبتها ابتسامة باهتة، وما أن خرجت تلك السيدة المريبة،حتى أطلقت الفتاة زفيراً طويلاً،وكأنها كانت تحبس أنفاسها طوال ذلك الوقت.
******
تجهزت هي وزوجها وطفليها لاستقبال شقيقها وعائلته، حضرت وفاء لتجد ابنتها تقف في المطبخ وسط اصنافًا متعددة من الطعام المحبب لشقيقها، فبرغم جفائه إلا انه يظل بالنهاية شقيقها، تنهدت وفاء وتحدثت :
-انتِ يا بنتي عاملة الاكل ده كله ومكلفة نفسك ليه، خليه متعشي هو وولاده؟!
أجابتها بصوتٍ حماسي:
-ياكلوا تاني يا ماما، هو احنا بنتجمع كل يوم، والله لولا تعب كمال لكنت كلمت رغدة وجم اتعشوا معانا.
تنهدث وفاء، لتنطق منى على عجل:
-أنا خلصت كل حاجة يا ماما، مفيش غير صنية المكرونة في الفرن بتاخد وش، خلي بالك منها وانا هطلع اخد دش سريع، واغير هدومي قبل ما يوصلوا

خرجت الام، لتدخل الفتاة على جدتها،أخذت تدور بسعادة تستعرض ثوبها الجميل وهي تقول بدلال:
-إيه رأيك في فستاني يا فوفة.
اتسعت ابتسامتها وهي تقول:
-الله، حلو أوي يا دليلة، جيباه معاكِ من السعودية؟
ردت بمرحٍ:
-لا،ده بابا اشتراهولي من هنا.
وتابعت:
-ولاد خالو بهاء وحشوني أوي،تصدقي مش فاكرة شكلهم.
اتجهت نحو فرن الموقد وفتحته تتفقد صنية المعكرونة، وتمتمت بصوت خافت:
-أديهم جايين وهتشوفيهم.
________
انطلق “بهاء” ليعبر بسيارته الفارهة البوابة الحديدية، كان يمسك بعجلة القيادة بثقة وهدوء، بينما تجلس زوجته إلى جواره، ترخي ظهرها إلى الخلف في دلال.

صف السيارة جانبًا في تلك الحديقة المحدودة المساحة، رفعت “إلهام” ذقنها قليلًا، ووجهت نظراتها عبر الزجاج نحو أهل المنزل المصطفين لاستقبالهم،لتتطلعُ عليهم بعينان تفيضان بكبرياءٍ وتفحصٍ للحديقة

قابلهم الجميع بابتسامة ترحيب واسعة، بينما لوحت دليلة بيدها للصغار الذين تحركوا بحذرٍ نحوها، ويعود ذلك لعدم معرفتهم الكاملة بها بسبب سفر العائلة الدائم.
نزلت على ركبتيْها لتغدو في مستوى قامتهما،وباتت تتحدث إليهما في ودٍ:
-أهلاً أهلاً بالحلوين، أنا دليلة بنت عمتكم منى، ممكن اتعرف عليكم؟
تقدم أدهم وهو يقول بابتسامة هادئة:
-أنا “أدهم ”
وأشار نحو شقيقه مسترسلاً:
-ودا أخويا الصغير، “عمر”

أقبل بهاء يحتضن شقيقته وزوجها الذي رحب به قائلاً:
-نورت البيت يا بهاء
-حمدالله على السلامة يا صادق
-الله يسلمك… ثم رحب بالسيدة قائلاً بوجهٍ بشوش:
-نورتينا يا مدام إلهام
أجابته بترفعٍ:
-ميرسي،حمدالله على السلامة
واتجهت لوالدة زوجها،تمتمت بنبرة خالية من المشاعر الإنسانية:
-ازيك يا طنط.
برغم عدم تقبلها لأفعالها ومواقفها المتعالية تجاه بناتها، إلا أنها رسمت ابتسامة خافتة وهي تقول:
-الحمدلله يا بنتي
وقفت الفتاة أمام خالها باحترامٍ، وتحدثت بنبرةٍ يملؤها الوقار وهي تمد يدها لتصافحه:
-ازي حضرتك يا خالو
-أهلاً أهلاً، بالبرنسيس دليلة… ثم تابع منبهراً بثوبها ورقتها:
-ده إيه الجمال والرقة والنعومة دي كلها؟ يا خسارة، أدهم لسه صغير، وإلا كنت جوزتهولك على طول.

زاد احمرار وجه الفتاة خجلاً ليزيد من جمالها،تحت ابتسامة” منى” الخافتة،التي تحدثت إليه:
-تعيش وتجوزهم يا أبيه.
ابتسم مجاملةً لها،ثم توجه بالحديث إلى والدته:
-أخبار صحتك إيه يا ماما؟
تمتمت بهدوءٍ ورضا:
-الحمدلله يا حبيبي،أنا بخير طول ما أنتَ واخواتك بخير.
أشارت منى لزوجة شقيقها للداخل:
-اتفضلي يا إلهام
-ميرسي… تطلعت من حولها لتقول بنبرة يغللها الكبرياء:
-بيتكم مش بطال يا “منى ”
إكتفت بابتسامة خافتة على تلك المتعجرفة، التي يبدو أن قاموسها يخلو تماماً من أبسط كلمات الإطراء.
اتخذ الجميع مقاعدهم في ردهة المنزل الشاسعة، في حين تفقد بهاء المكان، لينطق بإطراءٍ:
-حلو البيت يا صادق، منظم وواسع، مبروك عليكم
رد بلباقة:
– الله يبارك فيك يا “بهاء”
بينما تحدثت منى في محاولة منها للمجاملة:
-عقبالكم،ياريت لو تيجي تشتري لك بيت جنبنا هنا يا أبيه،المنطقة راقية وهادية جداً زي ما انتَ شايف.
خرج صوت المرأة بعباراتٍ لاذعة، تفتقر لأبسط قواعد الأدب واللباقة:
-المكان هنا يليق بيكم أنتم يا منى، الناس اللي سافرت وعملت لها قرشين وجاية تعيش بيهم في مكان معقول.
رفعت هامتها في شموخٍ مفرط، وتابعت بكل ما أوتيت من كبرياء:
-لكن بهاء حاجة تانية، لما ييجي يحجز ڤيلا، لازم تكون في مكان يليق بمستواه، ويعكس مكانته الاجتماعية.
اتسعت أعين الحاضرين نحوها وعلامات الاستياء ارتسمت على وجوههم،بينما بدا على زوجها الرضا التام عما قالته، وأرضى غروره.

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية بين دروب قسوته الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم ندا حسن

تجاهلت منى حديث تلك الفارغة، هبت واقفة وهي تحاول جاهدة رسم ابتسامة على ثغرها، وقالت بصوت مسموع:
-أنا هحضر العشا يا جماعة.
ثم التفتت إلى شقيقها، وتحدثت بنبرة حماسية وهي تخبره:
-أنا عملت لحضرتك كل الأكل اللي بتحبه،بجهز لك فيه من الصبح.
-لا عشا إيه يا منى…قالها ببرودٍ وهو يرفع معصمه ليتطلع إلى ساعة يده بجفاء، ثم تابع حديثه مبررًا رغبته في المغادرة سريعًا، ضاربًا بعرض الحائط مشاعر شقيقته التي انصدمت، ومتجاهلًا إحراجها الشديد أمام نظرات زوجها المتفحصة:
-إحنا يدوب نقعد معاكم تلت ساعة كمان علشان نلحق نروح عند رغدة
ردت بهدوء:
-مش هينفع يا أبيه، أنا من الصبح وانا واقفة في المطبخ بجهز للعشا، ومتعشمة تدوق عمايل إيديا.
هذه المرة تطوعت “إلهام “بالرد عن زوجها:
-متتعبيش نفسك يا منى، إحنا مش بنتعشى أصلاً، دا غير إننا بنتغدى متأخر.
غادرت الدماء وجهها ليصبح شاحبًا كغسقٍ بارد، قبل أن تتدفق حمرة الخجل والمهانة فجأة، وتصعد على وجنتيها كالنار الحارقة،خرج صوت والدتها حادًا كالسيف:
-أنا قولت لك متعمليش أكل لحد،إنتِ اللي غاوية تتعبي نفسك.
حزن صادق لأجل زوجته وتعاطف معها، لكنه فضل التزام الصمت تجنبًا لتفاقم الموقف واشتعال الأجواء ببن العائلة الواحدة.
أما بهاء، فلم يتوقع أن يصدر عن والدته رد فعل بهذه الحدة، خاصة وأنه يرى نفسه غير مخطئ، فاكتفى بالحديث مبررًا:
-يا حبيبتي إحنا فعلاً بنتغدى الساعة ستة المغرب، ومش بنتعشى، ولو منى بلغتني إنها هتعمل عشا كنت منعتها.
-حصل خير يا ماما،…وتابعت بجدية ووجهٍ صارم:
-قهوة حضرتك إيه يا أبيه.
رد وكأنه جهازٌ آليٌ مبرمج،خاليًا من المشاعر الإنسانية:
-سادة يا منى
إلتفتت إلى تلك الجالسة بعجرفة وسألتها:
-تشربي إيه يا إلهام؟
-ميرسي يا حبيبتي، ولا أي حاجة.
لم تكرر عليها السؤال، وانسحبت لتتوارى داخل المطبخ لتُعِد قهوة شقيقها بروحٍ تحترق ودموعٍ تأبى السقوط إمتثالاً لكرامتها.
___________
بعد مضي قرابة ساعة
كان يجلس في ردهة الاستقبال صغيرة المساحة برفقة زوجته وطفليه الصغيرين ووالدته، استقبلتهم “رغدة”بحفاوة بالغة، قبل أن تستأذن وتتسلل إلى الداخل لتوقظ زوجها الغارق في نومه ليستقبل ضيوفه.
راحت تطالع أثاث المنزل المتواضع بنظرات يشوبها الإشمئزاز، شعرت السيدة” وفاء” بدمائها تغلي في عروقها، واجتاحتها رغبة عارمة في النهوض وتوبيخ هذه المرأة الوقحة،وتلقينها درساً قاسيًا في الأدب والذوق، وصد إهانتها الصامتة لابنتيها.

كادت أن توبخها بسيلٍ من الكلمات اللاذعة،وقبل أن تنطلق من بين شفتيها،ألقت نظرة خاطفة صوب أحفادها الصغار الذين يجلسون بابتساماتٍ وهم يتطلعون عليها بوجوهٍ كالملائكة، رأت بأم عينيها فرحتهم العارمة بلقائها، وعلمت أن أي مشاحنة الآن ستفسد نقاء قلوبهم، وربما تحرمها من رؤيتهم مجدداً.
فكظمت غيظها الشديد، وابتلعت غصتها بمرارة.

ضغطت على كفيها بقوة وتنفست الصعداء متمالكة أعصابها بصعوبةٍ بالغة،وقد فضلت الصمت واحتواء الموقف، مضحية بكبريائها في سبيل تلك الإبتسامات الصغيرة التي لا ذنب لها في حقارة والدتهم.

نظر “بهاء” إلى ساعة يده، وتمتم باستياءٍ أفصحت عنه عيناه:
-ما تندهي على رغدة يا ماما، كل ده بتصحي جوزها، إحنا كده هنتأخر
هتفت بحنقٍ:
-هتتأخر على إيه؟!، وبعدين هي أختك لسه كملت خمس دقايق
أجابها بمنتهى البرود:
-حتى الخمس دقايق دول يا ماما،معنديش رفاهية إني أضيعهم،ده غير إن الأولاد عندهم مدارس بكرة ولازم يناموا بدري.
استغلت “إلهام”حالة الضيق التي وصل إليها، لتنطق بكلماتٍ لائمةٍ تعاتبه:
-ما هو ده اللي أنا قلتهولك وأنا بطلب منك تخليهم مع الناني يا “بهاء”، بس انتَ اللي صممت تجيبهم معانا
-إهدي يا حبيبتي وخليكِ محضر خير…قالتها”وفاء” بسخرية، ثم تابعت حديثها اللائم لنجلها:
-وانتَ يا حبيبي اصبر، الدنيا ما طارتش، جوز أختك تعبان والعلاج بيخليه مدروخ وطول اليوم نايم،على ما يصحى ويغير هدومه هيطلع على طول.
زفرت بحدة قبل أن تسترسل:
-إن الله مع الصابرين يا ابني.
خرجت شقيقته تساند زوجها وقد بدا على وجهه الإعياء الشديد، وبرغم حالته إلا أنه قال مرحبًا بابتسامة خافتة:
-أهلاً وسهلاً، نورتونا.
وقف يستقبله ببعضًا من التأثر بحالته، ليصافحه وهو يقول:
-ألف سلامة عليك يا كمال.
-الله يسلمك يا”بهاء”.
تمتمت “إلهام” ببرودٍ آلي، بكلماتٍ لم تكن سوى تأدية واجب روتيني فرضته اللحظة:
-سلامتك يا أستاذ كمال.
-متشكر يا مدام.
قالها بهدوء ثم جلس بمساعدة زوجته،تطلع إلى الطاولة وجدها خالية،فتحدث بلُطفٍ إلى زوجته :
-فين واجب الضيوف يا رغدة؟
تحدث بهاء الجالس بعنجهية يضع ساقًا فوق الأخرى:
-ملوش لزوم يا رغدة، وبعدين إحنا مش ضيوف.

وقفت رغدة لتقول لشقيقها الأكبر بنبرة هادئة:
-حتى لو مش ضيوف يا أبيه، ليكم واجب ولازم يتقدم لكم
عرضت عليها وفاء المساعدة:
-تحبي أجي أساعدك يا رغدة؟
-تسلمي يا ماما، خليكِ مرتاحة…إنسحبت للمطبخ، لتتحدث السيدة إلى زوج ابنتها بودٍ ولين:
-طمني عليكِ يا ابني النهاردة، عامل إيه؟
-الحمدلله يا ماما
قالت بنبرة يملؤها التأثر،فما كانت تراه إلا إبنًا لروحها:
-بس أنا شيفاك تعبان عن إمبارح يا كمال.
لم يجب إلا بالحمد قائلاً:
-الحمدلله على كل اللي يجيبه ربنا يا ماما.
أراد أن يندمج معهما في الحديث، لذا سأل زوج شقيقته:
-الدكاترة شخصوا حالتك بإيه يا كمال؟
-لسه والله يا بهاء،الأول قالوا لي انيميا حادة ونقص فيتامينات في الجسم،وبعدها دخلوني في دوامة التحاليل والأشعة،عملت كل اللي قالوا عليه،ولسه مستنيين النتيجة بعد يومين.
-إن شاء الله خير يا ابني.
-إن شاءالله يا ماما
نطق الأخر بهدوء:
-لو محتاج فلوس أنا موجود يا كمال.

-ربنا غانينا والحمدلله مش حاوجنا لحد يا أبيه…كانت جملة حادة انطلقت من “رغدة”وهي تخطو خارج المطبخ مثقلةً بحمل صينية كبيرة، وقد قصدت بجملتها الدفاع عن كرامة زوجها المريض أمام زوجة شقيقها المتعجرفة، تقدمت ووضعت الصينية على الطاولة، بينما انكمشت ملامح شقيقها وهو يتمتم بنظراتٍ تفيض عتبًا:
-هو أنا حد يا رغدة؟!
-أكيد لا،بس فعلاً إحنا مش محتاجين حاجة الحمدلله…كلماتٍ قالتها بشموخٍ تحت نظرات زوجها الشاكرة والفخورة بتلك الزوجة الأصيلة، التي ساندته في مرضه تماماً كما في صحته.

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية غسان ونجاة - غسان الصعيدي الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم سهيلة عاشور

لوت”إلهام” شفتيها في حركة ازدرائية، واكتست ملامحها بغطرسةٍ وتعالٍ مريض، كانت تهزأ في سرها من شقيقة زوجها التي تتظاهر بعزة النفس وتدعي الزهد في المال،فقد اختزلت مفهوم الفقر في خلو الوفاض،غافلةً عن عفة النفس التي تُجمل روح”رغدة”، وعاجزةً عن إدراك أن الفقر الحقيقي هو ذلك القحط القابع في أعماقها، وفراغ داخلها البشع الذي تُعريه دناءة كبريائها.
أمسكتُ صحنين من حلوى الأرز باللبن، وناولتهما للصغيرين اللذين فرحا بهما كثيرًا، وقبل أن يبسطا كفيهما، خرج صوت “إلهام” بوجهها العابس وهي تقول والكبرياء يغلف نبرتها:
-نو نو،بليز يا رغدة، ولادي مش متعودين على الأكل ده خالص، إحنا ماشيين على لايف ستايل صحي، والسكريات المصنعة ممنوعة تمامًا
إزدردت رغدة ريقها خجلاً، بينما اشتعل داخل وفاء التي انتفضت لأجل إحراج نجلتها وتعالي زوجة نجلها عليها،وخرج صوتها عاليًا:
-متشوف مراتك يا “بهاء”بيه، ولا انتَ عاجبك اللي بيحصل لاخواتك منكم ده؟!
تنهّد بعمقٍ ثم زفر بحدة، وبدأ يُرخي رابطة عنقه المشدودة التي أحسّها تخنقه، فقد استشعر بوادر المشاحنة المعتادة مع بداية اجتماع والدته وزوجته، فكلتاهما لا تفوت فرصة للأخرى، وكأنهما عدوان لدودان في ساحة حرب لا تهدأ.

نطق بهدوءٍ استدعاه بإعجوبة:
-معلش يا ماما، الأولاد فعلاً ممنوعين من كل الحلويات المصنعة.
طوقت فكها براحة يدها، وقلبت شفتيها وهي تقول بتهكمٍ:
-ومن امتى الرز بلبن كان حلويات مصنعة يا حبيبي، ما طول عمرنا بنربي عيالنا عليه.

ارادت أن تنهي ذلك النقاش العقيم قبل أن يمتد إلى مشادة:
-خلاص يا ماما من فضلك، الموضوع مش مستاهل زعل. كل واحد أدرى بمصلحة ولاده.
ثم تطلعت إلى الصغار الذين تبسموا لها، فبددت ابتساماتُهم كل ما زرعته والدتهم من أشواك.
وتحدثت إليهما:
-تعرفوا إن انتوا وحشتوني أوي
تبسما كلاهما، فتحدثت إلى زوجة شقيقها بسخرية:
-ممكن أخد ولاد أخويا في حضني، ولا دا كمان ضمن اللايف ستايل؟!
رفعت إحدى حاجبيها بدهشة من تجاوز رغدة بحقها وتعديها حدود اللباقة بالنسبة لها، ليخرج صوت بهاء جادًا:
-أدهم، عمر، روحوا اقعدوا جنب عمتكم.
تحرك الصغيران ليجاورا تلك الحنون التي احتوتهما بعناية،وأخذت تغمرهما بقبلاتها الحانية.
وأثناء جلوسهم، حضر “وائل” من الخارج ورحب بالجميع، وهو يقول:
-نورت يا خالو
أجابه وهو يتطلع عليه بدهشة:
-كبرت يا وائل وبقيت راجل
ارتسمت على شفتي وفاء ابتسامة ساخرة وهي تقول:
-آخر مرة شفته فيها كانت على العيد الكبير، اللي قبل ما يدخل ثانوية عامة، ده حتى نجاحه ودخوله كلية الهندسة ماباركتلوش عليه.
أجابها بصوتٍ حادٍ ، مدفوعًا بما لمسه في كلامها من سخرية:
-حضرتك عارفة إني كنت مسافر في مأمورية خاصة بالشغل وقتها.
-ولما رجعت من السفر؟!… قالتها بعدما فاض بها من أفعال نجلها وزوجته
زفر بقوة لاستفزاز والدته المبالغ به،مما دفعه للنهوض، أشار لزوجته وهو يقول بحدة تجلت بنبراته:
-يلا بينا يا إلهام.
تحدث كمال بعدما شعر بالحرج:
-لسه بدري يا بهاء
أحكم إغلاق زرّ سترته، قبل ان يقول بوجهٍ عابس:
-كويس كده يا كمال،علشان ترتاح،وكمان عندي شغل بكرة بدري.
تحدث إلى والدته بعبوسٍ:
-إتفضلي علشان أوصلك في طريقي يا ماما.
سارعت رغدة بالرد:
-ماما هتبات عندي يا أبيه، منى جاية بكرة وهنقضي اليوم مع بعض.
اكتفى بإيماءة جافة واندفع خارجًا دون كلمة وداع لأمه، كأنه يعاقبها على تخطيها تلك الحدود الصارمة التي رسمها للجميع في التعامل معه.

رحل وتركهم في حالة من الصدمة والحزن، إذ جاءت هذه الزيارة على عكس ما كان منتظرًا منها.

فلم تجنيا رغدة ومنى منها سوى كسرة الخاطر والشعور بتعالي زوجة شقيقيهما، وما ضاعف ألم كلتاهما، أن كل ما حدث من مواقفٍ مخزية، حدثت أمام زوجيهما.
____________
كان يقود سيارته قابضاً بشدة على عجلة القيادة، بينما أرادت هي استغلال الموقف لتطرق على الحديد وهو ساخن،لتقول بخبثٍ:
-ياريتك سمعت كلامي وسيبنا الاولاد في البيت يا بهاء، ماكنتش مامتك واختك سمعونا موشح كل مرة.

لم يكترث بالانتقادات الحادة التي طالتها، بقدر ما أحزنه امتهان والدته لشخصه الموقر،وقلة الاحترام التي أبدتها تجاهه على مرأى ومسمع من الجميع.
لذا هتف والشرر يتطاير من مقلتيه:
-مش عاوز اسمع ولا نفس لحد ما نوصل البيت
واسترسل بصوتٍ أرتعدت له أوصالها:
-مفهوم.
انتفض جسدها من شدة صوته، وأومأت بالموافقة دون أن تنطق ببنت شفة.

******
كانت ليلةً عصيبةً على الجميع بلا استثناء، تمدد صادق بجوارها في صمتٍ مريب، متجنبًا الحديث عما جرى،لكي لا يزيد من ثقل ما تشعر به من خيبات،بينما تظاهرت هي بالنوم فرارًا من نظرات الشفقة الكامنة في عيني زوجها الحنون، ورغم يقينها بصدق مشاعره التي طالما غمرها بها، إلا أن فيض عطفه الليلة،كان بمثابة خِنجرٍ يغرسُ بدون رحمةٍ على جرحها، ويعمق من انكسار روحها.

وما إن تسلل شعاع الشمس إلى غرفتهما، حتى نهض ليستعد للسفر إلى مدينة المنصورة، تطلع إليها فوجدها غارقة في النوم، فمال عليها واضعًا قبلة حنونة قبل أن ينهض ويتجه إلى الحمام.

استعد هو وابنته وانطلقا بالسيارة متجهين صوب مسقط رأسه.
كانت تستقل المقعد المجاور لوالدها،بسعادةٍ لا توصف،تعشق والدها بكل جوارحها، وكل ما يتعلق به له نفس المكانة،سألته بنبرة تهيمُ حبورًا:
-هو احنا هنقعد كام يوم في البلد يا بابا؟
-ىإذن الله نخلص الموضوع اللي جايين علشانه، ونرجع القاهرة على طول علشان ماما.

تنهدت قبل أن تتمتم بتمني:
-كان نفسي ماما تيجي هي وأحمد معانا البلد، علشان نقعد براحتنا.
أجابها وهو يتابع الطريق بتركيزٍ:
-ماما من النوع اللي بتحب العزلة يا دليلة، ملهاش في الاندماج مع الناس كتير
ابتسمت وهي تقول:
-عكس حضرتك، بتحب الناس ولمة العيلة، وأنا طالعة لك.
ابتسم، ثم تحدث ينبهها:
-عمتك ممكن تكون لسه زعلانة منك،عاوزك تتأسفي لها ومهما قالت لك كلام زعلك، إوعي تردي.
إجابته بطاعة:
-حاضر.
وصلا لمنزل السيد “عزام المهدي”، استقبلهما أشرف،برغم ما يشعر به من سوءٍ بسبب ما يحدث لعائلته،إلا أنه استقبلهما بقلبٍ يرفرفُ من شدة سعادته،هرع نحو خاله ليجذبه الآخر ويضمه بشدة، ليربت كلاً منهما على ظهر الأخر بحنانٍ بالغ، ابعده صادق ليحتوي وجهه بكفيه وهو يقول:
-بقيت جامد يا دفعة، الجيش عمل لك فورمة وقوى لك عضلاتك يا ولد
أراد أن يلاطف خاله فتحدث مشاكسًا:
-وانتَ طلع لك شعرتين بيض وكبرت خلاص وراحت عليك، بعد ما كنت دنچوان البلد كلها،بقيت عمو يا عمو.
-فشرت يَلا، دول زادوني جاذبية وعلوا سوقي عند الجنس الآخر.
تعالت ضحكاتهم،ليتمتم أشرف مؤكدًا:
-دا شيء أكيد ومفروغ منه يا جنابو.
إلتفت ليتطلع على تلك الواقفة تطالعهم وابتسامتها متسعة حد البلاهة،اتسعت عينيه وهو يطالعها بانبهارٍ،فقد كبرت الصغيرة وبدأت علامات الإنوثة تتكون لديها، تقدم منها وصافحها مبتسمًا:
-دليلة، إزيك
وتابع منبهرًا بنبرة متحشرجة:
-كبرتي يا بنوتة.
ارتسمت ابتسامتها الواسعة وكست حمرة الخجل وجهها، ليزيد من جمالها ونقاء روحها،تمتمت بخجلٍ ونعومة:
-متشكرة، هي عمتو جوة
قالتها وهي تُشير للداخل، فهز رأسه بإيماء، انطلقت مهرولة تلحق بأبيها، تحت نظراتهِ المثبتة عليها بدهشةٍ ممتزجة بلمعة الإعجاب.
___________

 

لو عاوز تقرأ الفصول الجديدة من الرواية دي بشكل حصري قبل صدورها وتشوف الروايات الجديدة وتطلبها

انضم لينا على الفيس بوك (من هنا)

و

أنضم لقناتنا على تليجرام (من هنا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top