رواية لولا الغرام الفصل الرابع 4 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل الرابع 4 بقلم روز امين

 

البارت الرابع

 

لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)

«كَمُحَارِبٍ جُرِّدَ مِنْ سَيْفِهِ، فِي مَعْرَكَةٍ فَوْزُهَا خَسَارَةٌ، وَالانْكِسَارُ فِيهَا هَلَاكٌ، أَقِفُ فِي المُنْتَصَفِ، وَالمُنْتَصَفُ جَحِيمٌ يَحْرِقُنِي، لَا خَنْدَقٌ يَأْوِينِي، وَلَا خَطْوَةَ لِلْأَمَامِ تُنْقِذُنِي، مُكَبَّلٌ أَنَا، مُصَفَّدُ اليَدَيْنِ مَا بَيْنَ أَحْبَابِي، تَقَاذَفُنِي أَمْوَاجُ حَيْرَتِي، وَتُمَزِّقُنِي سِيَاطُ خِيَارَاتِي، فِي صَدْرِي قَلْبٌ يَنْبِضُ بِغَرَامِهَا، وَفِي عُنُقِي دَيْنٌ لِأَصْلِ وُجُودِي، الِالْتِفَاتُ إِلَى الوَرَاءِ طَعْنَةٌ سَتُنْهِينِي، وَالتَّقَدُّمُ إِلَى الْأَمَامِ مَجْهُولٌ يُمَزِّقُنِي، صَامِتٌ وَالحَرَائِقُ تَنْدَلِعُ فِي صَدْرِي، أُرَاقِبُ بِمَلَامِحَ بَارِدَةٍ قُرْبَ نِهَايَتِي.»
“علي عزام المهدي”
بقلمي«روز أمين»
_______________
بلغ الشك بقلب السيد عزام مبلغه، فانهار جدار صبره لتخرج صيحاته غاضبة هادرة:
-فيه إيه يا ابني؟!، ما تنطق
أخذ نفسًا عميقًا، قبل أن يقول بنبرة خافتة:
-فيه حاجة أنا عملتها ولازم تعرفوها
تحمحم ليستجمع شجاعته، قبل أن يتابع كلماته دون توقف،تحت حيرة فاطمة وترقبها الشديد:
-أنا أجرت شقة في مدينة المنصورة وهتجوز فيها.
وقعت الكلمات على مسامع فاطمة لتُربك عقلها وتدخله في دائرة الشك، ماذا يقول نجلها بحق الله؟!، أحقًّا ما سمعته الآن حقيقةٌ،أم مجرد خيال؟
سأله والده بهدوءٍ ليتأكد من كلماته التي ستقلب الوسط رأسًا على عقب:
-شقة إيه يا ابني اللي أجرتها، أمال الشقة اللي بقى لي سنة بجهز لك فيها وصرفت عليها دم قلبي دي، مين اللي هيقعد فيها؟!
كان وضعه سيئًا للغاية، وضعٌ لا يتمناه لأعدى أعدائه، تمتم ببضع كلماتٍ بصوتٍ مرتبك خائفًا من القادم:
-بابا أرجوك حاول تفهمني، دا كان شرط عيلة “داليا” من أول ما اتقدمت لها
شرطهم؟!…كلمة خرجت من “فاطمة” بطريقة توحي أن الأسوء قادم لا محال:
-امتى حصل دا يا حبيبي؟!، واحنا كنا فين من شرطهم دا يا سي “علي”؟
هم بالرد ليقطعه صوتها الذي بدأ يعلو وينذر أن الجحيم حضر على الأبواب:
-وازاي أصلاً تخليهم يتشرطوا عليك؟!

تمتم بهدوءٍ عله يستطيع نقل العدوة إليها:
-يا حبيبتي داليا طول عمرها عايشة في المدينة، وشغلها وأهلها وأصحابها كلهم هناك.

صاحت بحدة وأعين تطلق سهامًا نارية:
-وعلشان أهلها هناك، تقوم انتَ تسيب أهلك وتروح تقعد معاهم؟!
رمقته بسخطٍ قبل أن تصيح بنبرة تنذر بأن بركانها أوشك على الانفجار:
-هي مش كانت العروسة اللي بتسيب بيت أهلها وبلدها وتتنقل مع جوزها مكان ما يكون، ولا هو الزمن اتشقلب حاله وانا معرفش يا ولاد؟!

إلتفتت لتطالع زوجها الصامت لتستطرد متهكمة:
-انتَ ساكت ليه يا حاج؟!
نطق مستسلمًا وخيبة الأمل بدت على محياه:
-عوزاني أرد أقول إيه يا فاطمة.

-تقول اللي لازم يتقال،الهانم بنت الاصول مستكبرة علينا ومش عايزة تعيش مع الفلاحين

هتف سريعًا بدفاعٍ عن حبيبته:
-مفيش الكلام ده يا ماما،كل الموضوع ان امها متعلقة بيها ومش عاوزاها تسكن بعيد عنها،دا غير إن الشقة اللي اخدناها بينها وببن شغلنا مسافة عشر دقايق بالعربية،يعني راحة ليا وليها من مواصلات كل يوم وقرفها
صاحت بأعين مشتعلة:
-يعني هي امها متعلقة بيها وعوزاها تسكن جنبها،لكن أنا أولع، مش كدا يا ابن بطني؟!
سأله السيد عزام وما زال محافظًا على هدوئه:
-انتَ ليه مقولتلناش الكلام دا من الأول يا ابني؟!

نكس رأسهُ أرضًا ثم تحمحم قبل أن ينطق بحروفٍ خجلة:
-مكنتش حابب أزعلكم يا بابا،كنت شايفكم بتجهزوا الشقة وفرحانين بيها،فمحبتش أكسر فرحتكم.

-وانتَ الوقت مكسرتش فرحتنا ؟!…سؤالاً طرحته فاطمة ليصمت لعدم وجود إجابة لديه، لتصيح هي بحدة وصرامة:
-طب إيه رأيك بقى يا سي علي، يا الجوازة دي تتم في شقتك اللي فوق وزي ما رتبنا، يا مفيش جواز من أصله.
_________
تتحرك في غرفتها دون توقف وهي تقضم أظافرها بقلق مفرط، تنظر إلى الهاتف بين اللحظة والأخرى، القلق ينهش صدرها تماماً كطالبٍ ينتظر على أحر من الجمر ظهور نتيجة امتحاناته.
فُتح الباب وظهرت والدتها التي سألتها بحدة:
-المحروس بتاعت هيفاتح أهله إمتى في موضوع الشقة؟
أطبقت جفنيها بشدة لتتابع والدتها تلك الاسطوانة المكررة حيث باتت تصمها من كثرة التكرار:
-جهازك مالي الشقة يا داليا ومش عارفين نتحرك منه،أخوكِ مش عارف يتنفس في أوضته من كراتين الأجهزة الكهربائية.
سألتها والتوتر مازال ينهش بقلبها:
-هو مش علي قال لحضرتك انقليها يا ماما؟!
صاحت المرأة بحدة مستنكرة:
-عبيطة أنا علشان أروح أودي جهاز بألوفات مؤلفة وانا لسه مش عارفة راسي من رجليا؟!، خلي أهله رفضوا موضوع الشقة واصروا على إنك تعيشي معاهم في البلد، وقتها موقفنا هيكون إيه قدامهم؟!

وتابعت مفسرة:
– دا غير ان مينفعش أهله ميكونوش موجودين يوم نقل الجهاز ويتفرجو عليه وهو نازل من عربياتنا.
وتابعت عاتبة:
-ولا عوزاهم يقولوا إن ابنهم هو اللي جايب الحاجة من وراهم؟!.
آخر ما كانت تحتاجه حقًا هو خوض تلك المناقشة العقيمة التي تستنزف أعصابها بلا رحمة، يكفيها ثقل الانتظار، فخطيبها وعدها بالاتصال فور إبلاغ والديه،والآن قد مضت ساعة كاملة ولم يتصل بعد.
___________
العودة مرةً أخرى إلى منزل عزام حيث الأجواء مازالت مشتعلة ،اتسعت عينيه ذهولاً من قرار أمه المفاجيء وتحدث بدهشة:
-إيه الكلام اللي حضرتك بتقوليه ده؟!

أجابته بعنادٍ كافر:
-اللي سمعته،ومعنديش كلام غيره،ويا الهانم توافق على اتفاق الرجالة اللي حصل، يا بلاها الجوازة كلها، أنا أصلاً مش مرتاحة للنسب ده من الأول.
ذُهل مما يستمع إليه، وقال بدهشة:
-إيه اللي حضرتك بتقوليه ده يا ماما؟!، أنا اتفقت معاهم وخلاص،ولا انتِ عاوزة تطلعيني عيل قدامهم؟!

هبت واقفة بوجهٍ مكفهر، والتقطت الهاتف الارضي، ثم قالت وهي ترفع السماعة بجبروت:
-الموضوع بعيد عنك يا حبيبي، أنا اللي هكلم أمها وهقول لها اننا متفقين من الأول.
حاول عزام تهدأة تلك الثائرة بكلماته الحكيمة:
-إهدي يا فاطمة واصبري نفكر شوية مع بعض،وأكيد هنلاقي حل.

صاحت بعصبية مفرطة:
-الموضوع مش محتاج تفكير يا حاج، دول استفردوا بالواد وبلفوه، هياخدوه يعيش بينهم وواحدة واحدة هينسى ان ليه أهل أصلاً.
اشتعلت النيران في صدره، واندفع يمنع والدته من إجراء الاتصال مرارًا، ولكن باءت جميع محاولاته بفشلٍ ذريع.
كانت كبركانٍ أوشك على الانفجار، طلبت رقم السيدة وما أن ردت عليها الفتاة حتى هتفت بغيظٍ تحت اشتعال روح “علي” الجالس كالجمر المشتعل:
-اديني أمك يا حبيبتي

تعجبت الفتاة من إسلوب والدة خطيبها الحاد، والغير معتاد، لذا سألتها مستغربة:
-مالك يا طنط؟!، حضرتك كويسة؟!

أجابتها بحدة وصرامة:
– مالي على الله يا حبيبتي، قولت لك اديني الست والدتك.
ازدردت لعابها وبدون حديت ناولت والدتها سماعة الهاتف، وما أن خرج صوت المرأة حتى هتفت الأخرى بنبرة غاضبة تحت توسلات “علي” بنظراته،واستسلام السيد عزام جراء صدمته في ابنه:
-هو المثل مش بيقول اللي أوله شرط أخره نور يا أم داليا؟!
استشعرت المرأة بغضب الأخرى من خلال نبراتها الحادة، لذا تحدثت للدخول مباشرةً في صُلب الموضوع:
-أدخلي في الموضوع على طول من غير مقدمات كتير يا أم علي.
-يكون أحسن، هو احنا مش متفقين أول ما دخلنا عندكم إن الولاد هيدخلوا في شقته اللي في البيت؟!
وتابعت باتهامٍ صريح:
-بتلفوا ليه بقى من ورانا وتغيروا إتفاقكم مع الولد؟.

تحدثت المرأة بعقلانية:
– أولاً دا مش ولد يا مدام فاطمة،ده راجل وقد كلمته،ولولا كده مكنتش هقبل أجوزه بنتي،تاني حاجة إحنا ما اتفقناش على حاجة معاكم، إحنا اتفاقنا كان مع إبن حضرتك من أول زيارة جالنا فيها لوحده علشان نتعرف عليه
وتابعت مسترسلة بإبانة:
-إحنا قولنا عرضنا إن البنت مينفعش تبعد عني وعن مكان شغلها، وابنكم وافق، وهو بنفسه اللي طلب مننا منتكلمش معاكم في الموضوع،وهو هيبلغكم في الوقت المناسب.

مازالت فاطمة على نفس حدتها، لذا هتفت بصوتٍ يقطر غضبًا:
-بس لما الحاج عزام اتكلم وقال ان شقته جاهزة في الببت محدش منكم اعترض، ودا مش صح يا مدام
أجابتها بصوتٍ متزن هاديء:
-هو انا مش لسه قايلة لحضرتك إن دا كان طلب “علي”
تأكدت أنها لم تستطيع مجابهة المرأة في تلك النقطة، فقررت الإنتقال للنقطة التالية وهي تقول:
-سبينا من اللي فات كله وخلينا في المهم والجديد

سألتها المرأة للاستفهام:
-وإيه هو الجديد يا ام علي؟
-الجوازة مش هتم غير في شقتهم اللي هنا، ما احنا مش نكلف ونصرف سباكة وبلاط ونقاشة بالشيء الفُلاني، وفي الاخر الفلوس تترمي في الأرض ، دا غير أهلنا وأهل البلد يقولوا علينا إيه، لما يلاقوا إبني البكري ساب شقته اللي يرمح فيها الخيل، وراح أجر شقة جنب أهل مراته!
بكل هدوء سألتها المرأة:
-ولو قولت لك إني مصممة إن ابنك يكمل إتفاقه معانا يا مدام فاطمة؟
بدون تردد نطقت بما جعل الجميع في حالة من الذهول:
-يبقى كل واحد يروح لحاله،وزي ما دخلنا بالمعروف نفارق بردوا بالمعروف.

-إيه اللي بتقوليه ده يا ماما،ما تتكلم يا بابا،حضرتك ساكت ليه؟!…كلماتٍ نطقها علي بهيستيرية وهو يتنقل بنظراته المذهولة بين أبويه،لتشير له فاطمة بالصمت الحازم،بينما هتفت والدة داليا بنبرة أظهرت كم استيائها:
– لا والله،انتِ فكراها بالبساطة دي؟!،انتِ ناسية إن فرحهم بعد أقل من شهرين،أقول إيه للناس؟!،وبعدين دا اتفاق رجالة يا مدام،مش لعب عيال هو

لم تتمهل في الرد عليها بعنفوانٍ زلزل كيان المرأة وأربكها:
-وانتو لما تلعبوا علينا وتعملوا موافقين على اتفاق الحاج عزام واحنا في قلب بيتكم، حتى لو كان ابني اللي قال لكم كدا واتفق معاكم،دا مش يبقى غش يا أم داليا؟!.
طب والحل؟!… سؤالاً وجهته المرأة لترد فاطمة بإجابة قاطعة وقد حسمت أمرها:
-هو حل واحد مفيش غيره، وانا قولتهولك من شوية

بعنادٍ يوازي عنادها هتفت المرأة بقوة:
-هو انتِ بتهددينا يا مدام، طب انا مش موافقة على الحل دا، وليا كلام تاني مع علي.

-لا يا حبيبتي، الكلمة الاخيرة تاخديها مني أنا…قالتها بعنجهية وعناد، لترد الاخرى بكبرياءٍ لحفظ ماء الوجه:
-لو فعلاً الكلمة الأولى والأخيرة ليكِ، يبقى الأحسن لبنتي إنها متكونش مرات واحد مش قادر يحافظ على وعده ليها.
أنهت كُلاً منهما المكالمة وقد خلفتا وراءهما ركاماً من الخلافات، ليتلاشى معها أي أملٍ في إتمام تلك الزيجة.
صاح ذاك الغاضبُ بنبرةٍ تقطرُ لهيبًا مشتعلًا وهو يرى حُلم زواجه يتسرب من بين أصبعه كالماء:
-أنا عاوز أفهم اللي حصل ده كان لازمته إيه؟!، إنتِ بكلامك دمرتي العلاقة بيني وبين أهل خطيبتي، أنا محتاج معجزة علشان أصلح أثار مكالمتك دي يا ماما.

دوت صرختها الحادة، كرمادٍ تطاير فجأة من بركانٍ ظل يغلي في أعماقها لسنوات:
-علاقة مين يا أبو علاقة؟!، الجوازة دي لا يمكن تتم غير بشروطنا، ولو الست هانم خطيبتك متكبرة تعيش وسطنا، يبقى بالسلامة، ومن بكرة أخطب لك ست ستها.
هز رأسهُ مذهولاً أمام إصرارِ والدته على تدمير زيجته بهذه الصورة العنيفة،ثم نظر صوب والده القابعِ برأسٍ منكس، وعاتبهُ بنبرةٍ تقطرُ دهشةً من خِذلانه المخزي:
-بابا هو حضرتك ساكت ليه!، هو انتَ موافق على كلام ماما اللي قالته لحماتي ده؟!
تنفس مطولاً قبل أن يرفع رأسه ، وبِعينين يقفزُ منهما الخِذلان وتملؤهما الصدمةُ، قال:
-قبل ما تحاسب أمك على رد فعلها، حاسب نفسك وشوف اللي عملته يا أستاذ، رايح تتفق مع ناس علشان تغشونا وتاخدونا على قد عقلنا يا “علي”؟!، للدرجة دي إحنا ملناش قيمة عندك ؟!
بملامح يكسوها الذهول، صاح بمليء صوته مستنكرًا تلك التهمة الزائفة التي ألصقها لهُ أبيه:
-أنا خبيت الموضوع إحترامًا لمشاعركم يا بابا، مش لا سمح الله غش زي ما حضرتك بتقول

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية سهام الهوى الفصل الثاني عشر 12 بقلم نورة عبدالرحمن

وجه إليه كلماتٍ كأنها نصال خناجرٍ مسمومة:
-ولما تشوفني وأنا عمال أحط كل مليم معايا في الشقة علشان نلحق نجهزها على الميعاد، ده يبقى إيه لو مكنش غش وعدم مسؤلية واستهتار بمشاعري أنا وأمك الغلبانة؟!
وتابع بصوتٍ منكسر:
-رضتها علينا ازاي يا ابني، للأسف، إنتَ خيبت أملي فيك
حرك رأسه وبصوتٍ يقطر خيبة أملٍ قال:
-أنا كنت شايفك كبير أوي يا علي،صورتك كانت حلوة أوي في عيني، بس يا خسارة، الصورة دي إنتِ بإديك اللي كسرتها.
-لله الأمر من قبل ومن بعد… قالها منكسرًا وهو يستند على سواعد المقعد من شدة صدمته، ليهتف الأخر متأثرًا:
-يا بابا حاول تفهمني، أرجوك أقعد علشان أشرح لكم وجهة نظري.
قالها وهو يتابع تحرك والده صوب الباب، ليختفي مع رحيله آخر أمل في التفاهم، التفت نحو والدته، فوجدها تسند رأسها بين كفيها، وكأن جبلًا من الهموم قد هبط عليها.
حاول التحدث إليها، لكنها تجاهلته ولحقت بزوجها في صمتٍ تام،ليقف حائرًا ينظر إلى الباب بذهول، مندهشًا مما آلت إليه الأمور.
لم يقتصر الذهول عليه وحده،بل شاطرته داليا الصدمةِ ذاتها وهي تستمع إلى والدتها تروي ما دار على لسان والدة خطيبها، وموقفها المُعادي والمتسلط.
******
لم تشعر بنفسها إلا وهي تنتفض واقفة والشرر يتطايرُ من عينيها، بعدما أحست بالمهانة وبأنها كسلعةً تُباع وتُشترى في سوق النخاسة، شقت صمت المكان بصرخة اعتراض دوت من أعماق قلبها قبل أن تهز الجدران بصداها:
-أنا لا يمكن أتجوز بالطريقة المهينة دي يا بابا.
ضيق منير عينيه مستغربًا حدتها، ثم سألها متعجبًا:
-فيه إيه يا بنتي؟!، مالك، وليه العصبية دي كلها؟!
لم تطفئ نبرة والدها الهادئة لهيب صدرها، بل زادته اشتعالاً، لتصيح بنفس النبرة الحادة المشحونة بالغضب، واندفعت تلوح بالتهديد لأجل حريتها:
– يكون في علمك يا بابا، أنا مش هسمح لأي حد يسرق مني روحي ويسلبني حريتي في إني اختيار شريك حياتي بنفسي.
برغم غضبها من إسلوبها الغير لائق، إلا أنها تحدثت إليها بنبرة يحكمها العقل:
-وهو مين قال لك إننا هنجوزهولك غصب عنك؟!، دا واحد متقدم لخطبتك، ومن الطبيعي إنك تقعدي معاه علشان تتعرفي عليه، وبناءًا عليه تكوني رأيك.

رفعت رأسها بعنادٍ وتابعت تعلن عن رفضها التام:
-وأنا رافضة المبدأ نفسه يا ماما، أنا مش سلعة معروضة للبيع، علشان البيه ييجي يعاين البضاعة، ويا عجبته واشترى، يا لقاها لا ترتقى لمستوى طموحات سعادته، وانسحب بمنتهى الإهانة ليا.

أراد والدها كسر تلك الحدة والخروج بها من تلك الحالة التشنجية، ليقول بممازحة لطيفة:
-ودا مين المجنون اللي يشوف الجمال دا كله قدامه ويلف ويرجع؟
وتابع بكبرياءٍ ممتزحًا بغرور:
-إنتِ بنت منير الخولي، يعني مال وجمال وحسب ونسب، ألف مين يتمنى بس تبصي له.

تعمقت بأعين والدها لتقول بقوةٍ وصرامة:
-أنا مش موافقة على المقابلة دي يا بابا، وزي ما قولت لحضرتك من شوية
رفعت رأسها بكبرياءٍ وتابعت بعناد:
-أنا مش هتجوز بالطريقة دي.

-ومالها بقى الطريقة دي يا أستاذة نهلة؟!…جملة حادة تفوه بها شقيقها “رفيق” وترتيبه الثاني،ليتابع بسخرية:
-إذا كنا احنا يا رجالة خطبنا بالطريقة اللي مش عاجبة سيادتك دي.
هتفت بطريقة حادة وكأنها في حربٍ سرشة:
-إنتوا أحرار في نفسكم يا رفيق، وانا كمان حرة في اختياري للراجل اللي هكمل معاه باقية حياتي.

هم شقيقها سامح بالحديث ليقاطعه والدهم بصرامة، لينهي هذا الحديث ويغلق باب المناقشة به:
-خلاص يا شباب، أختكم بتتكلم صح، هي من حقها تختار شريك حياتها،وتكون مرتاحة للشخص اللي هتقعد معاه.
وتابع بإشارة من يده وبنبرة رحيمة تمتم:
-إقعدي يا حبيبتي كملي أكلك.
-ميرسي يا بابا، أنا شبعت خلاص… قالت جملتها وملامح وجهها مازالت متجهمة حادة،ليشير إليها فتقترب منه،ليجذبها إليه ويقوم بوضع قبلةٍ حنون فوق جبينها،شعرت حينها بالأمان لتبادله إياها بحضنٍ دافيء راق له.
إنسحبت للخارج متجهة لغرفتها الخاصة بالطابق العلوي،تحدثت والدتها موجهة اللوم لزوجها بنبرة حادة:
-خلي بالك يا منير، محدش هيبوظ البنت دي غير دلعك فيها.
-أنا كمان رأيي من رأي حضرتك يا ماما،خصوصًا إن نهلة لسه تفكيرها مش ناضج للدرجة اللي نسمح لها تقرر بنفسها شكل حياتها اللي جاية…جملة نطق بها الشقيق الأكبر، ليؤيد رأيه “رفيق” قائلاً:
-كلامك صح يا سيادة المستشار،حياة نهلة مرتبطة بحياتنا كلنا، ولازم الراجل اللي هتتجوزه يكون من عيلة توازي قدرات عيلتنا المادية والمستوى الفكري.

خرح صوت والده حازمًا :
-أنا قولت كلمتي الأخيرة وخلصنا خلاص، دي بنتي وانا الوحيد اللي ليا الحق في تقرير مصيرها.

تطلع إلى الجميع بأعين تطلق شزرًا دفاعًا عنها، ثم استرسل بحزمٍ وصرامة:
-ولا انتوا هتتحكموا في بنتي وتحددوا مصيرها وانا لسه عايش؟!
-العفو يا بابا…نطقها الجميع في أنٍ واحد،لتنطق راندا بنبرة ودودة صادقة:
-من فضلك إهدى علشان ضغطك ميرتفعش.
تنفست “مايا” براحة بعد انتفاضة الرجل واطمئنت ولو قليلاً على مستقبل الفتاة مع مَن تُحب.
******
تسمرت الفتاة في مكانها، عاجزة عن التصرف في هذا الموقف الحرِج التي لا تحسد عليه، تطلعت إلى ثيابها ، وتزاحمت الأفكار في عقلها الصغير، حتى حسمت قرارها بعد صمتٍ استمر لأكثر من ثلاثين ثانيةً، تلك الثواني مرت على ذلك الواقف خلف الباب المغلق وكأنها دهرًا كاملاً، قبل أن يخرج صوتها واهناً متردداً من شدة ارتباكها:
-بابا وماما مش هنا يا أشرف، وانا مقدرش أفتح لك
جاء صوته هادئًا وهو يسألها:
-هما فين يا دليلة؟
قضمت أظافرها من شدة التوتر والخجل، قبل أن تقول باستفاضة:
-عند خالتو “رغدة”، جوزها تعبان وراحوا يزوروه

سألها بتعبٍ وإرهاقٍ شديدين من طول السفر وحرمانه من النوم والراحة منذ ليلة أمس:
-طب هما هيتأخروا؟
قطبت جبينها وأجابته:
-مش عارفة، بس بابا قال مش هيتأخر، ممكن تقعد على المرجيحة عندك لحد ما يوصلوا.
وتابعت أسفة:
-أنا أسفة يا أشرف، بس مينفعش أفتح لك، علشان حرام وغلط، أستاذ التربية الدينية قال لنا كده.
إبتسم على براءة ابنة خاله الجميلة وتحدث بعدما شعر بإعياء الطريق قد حل عليه:
-خلاص يا دليلة مش مشكلة،أنا همشي ولما خالي يرجع إبقي قولي له اني جيت وسألت عليه،وأنا هبقى أكلمه في التليفون لما أروح البلد.
أومأت وهي تقول:
-حاضر
برغم إعيائه، إلا أنه لم ينسَ أن يسألها عن حالها:
-وانتِ عاملة إيه يا دليلة
-الحمدلله
-خلي بالك على نفسك يا بنوتة.
قال كلماته وتحرك لخارج الحديقة ومنها إلى البوابة الحديدية،بعد أن عزم على ترك المدينة برمتها،والعودة إلى دياره، من حُسن حظه وجد سيارة أجرة اوقفها وتحدث إلى السائق:
-المنصورة يا اسطا
-يــااا،دي بعيدة أوي يا دفعة.

-هديك اللي انتَ عاوزه ،أنا تعبان ومنمتش من يومين،ومش هقدر أقف أستنى لحد ما تاكس تاني يعدي بالصدفة.
شعر السائق بإعياء الشاب، فوافق بدافعٍ من إنسانيته، وضع حقيبته في المقعد الخلفي وتحرك ليجلس بجوار السائق، وما هي إلا دقائق معدودة حتى غرق في النوم، نظر السائق إليه وابتسامة هادئة ارتسمت على محياه، ثم تابع طريقه الذي وصفه له قبل أن يغط في سباتٍ عميق.
******
بعد أقل من نصف ساعةٍ من رحيل “أشرف عزام”،وصل السيد “صادق بدران” إلى منزله، وما أن ولج لداخل المنزل حتى هرعت إليه الفتاة وتحدثت بارتباكٍ وهلعٍ تجلى بنظراتها، خشيةً من ردة فعل والدها:
-بابا، فيه حاجة حصلت وحضرتك مش موجود
إرتجف داخل الرجل من ارتجافت جسد الفتاة ونظراتها الزائغة،لذا سألها على الفور:
– إحكي بسرعة يا دليلة
قالها بحدة زادت من ربكة الفتاة، لتتمتم متلبكة:
-أشرف إبن طنط فيفي رن الجرس من شوية، وأنا بصيت من العين السحرية، كان لابس لبس ظابط
توقفت لتبتلع ريقها وتابعت:
-بس أنا مفتحتش الباب، وقولت له إنكم مش موجودين.
-وبعدين؟…قالها صادق منتظرًا حديثها بفارغ الصبر، لتتابع وهي تزدرد لعابها:
-مشي.
إتسعت إبتسامته وبلحظة كان يحتضنها ويقبلها، قبل أن يتحدث بفخرٍ:
-جدعة يا بت، تربية أبوكِ بجد
ابتلعت ريقها قبل أن تسألهُ ببلاهةٍ وترقب:
-يعني انتَ مش زعلان مني؟
-كنت هزعل منك لو كنتي فتحتي له الباب، وكنت هقطم رقبتك كمان، لكن كدا أثبتي لي إن تربيتنا فيكِ مراحتش هدر.
كانت “منى”تتابع حديثهما بسعادة وافتخارًا بتربيتهما السليمة للصغيرة،ثم تنهدت بحيرة وهي تقول:
-كلم أبلة فيفي وفهمها الموضوع واعتذر لها يا صادق.
هز رأسهُ بإيماءة وأمسك على الفور سماعة الهاتف ليجده مشغولاً، فتحدث إليها:
-الرقم مشغول يا حبيبتي، شوية وهكلمها تاني
تحدثت إلى الفتى:
-إطلع يا حبيبي غير هدومك
وتابعت وهي تتجه إلى المطبخ:
-هعمل لك فنجان قهوة يا صادق.
-ياريت يا منى، دماغي هتتفلق نصين من الصداع.
__________
داخل غرفة “علي”، كان يتحدث إلى “داليا” عبر الهاتف الأرضي، محاولاً تهدئتها رغم الهلع والتشاؤم اللذين يسيطران عليه جراء ما حدث، نطق يحثها على التوقف عن البكاء:
-بطلي عياط يا حبيبتي علشان خاطري، أنا مش قادر أسمع صوتك وانتِ منهارة كده
لم ينقطع بكاؤها بل اشتدّ وزاد،ليسترسل هو متوسلاً:
-حرام عليكِ اللي بتعمليه فيا دا يا “داليا”، كفاية أنا مش قادر أستحمل.
خرج صوتها متهدجًا من شدة البكاء:
-لو مش هعيط على خراب حياتنا وضياع حلمنا، هعيط على إيه تاني يا علي؟!
-إن شاء الله مفيش حاجة هتضيع… وتابع بثقة لا يعلم مصدرها:
-وفرحنا هيتم في ميعاده، ودا وعد مني ليكِ يا حبيبتي
هتفت بدموعها الحارة:
-ازاي وكل واحدة مصممة على رأيها، ماما مش طايقة نفسها وعمالة تزعق من بعد ما قفلت مع مامتك يا علي
-سبيها على ربنا وهو هيحلها
إندفع الباب بقوة وظهرت والدتها بهيأتها الغاضبة وهي تقول بلهجة آمرة:
-إقفلي الزفت التليفون دا، لما البيه يتصرف ويثبت لنا إنه قد كلمته اللي اداها لأبوكِ، يبقى ساعتها من حقه يكلمك، غير كدا مشوفكيش ماسكة سماعة التليفون في إيدك.
أغمض عينيه وابتلع الإهانة على غير العادة لأجل حبيبته، بينما نطقت الفتاة من بين دموعها:
-سبيني في حالي يا ماما الله يخليكِ، أنا فيا اللي مكفيني
إندفعت نحوها وجذبت السماعة من يدها وأغلقت الهاتف بوجه علي، ثم حملت الهاتف بيدها استعدادًا للخروج به، وهي تقول:
-والله يا داليا لو شوفتك بتكلميه لاكون شايفة شغلي معاكِ، لو بيحبك وعاوزك بجد، هيقف قدام أمه ويحارب الدنيا كلها علشانك، ولو معملش كدا يبقى في ستين داهية، يروح عريس ييجي عشرة غيره.

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية عمران وحورية - حورية العمران الفصل التاسع عشر 19 بقلم أروى عبد المعبود

انطلقت للخارج بغضبٍ يشبه إنفجار فوهة البركان، تاركة الفتاة التي انفجرت ببكائها المدوي، بينما وضع هو رأسه بين كفيه، تائهًا لا يعرف كيف سيحل تلك المعضلة.
******
ارتدت ثوبها على عجل، واتجهت إلى بيت والدتها بعد أن هاتفت شقيقتيها، وطلبت منهما الحضور الفوري لأمر مهم، جلست بينهن تروي ما جرى، لتُقاطعها صيحة والدتها الحادة والغاضبة:
-هي مفيش واحدة عدلة تدخل العيلة دي وتطلع بنت أصول أبداً؟! كل ما واحدة تدخل، تخطف الراجل من وسطنا وتجرجره يعيش وسط أهلها!
خرجت كلمات عايدة كالفحيحٍ من بين أسنانها وهي تهتف بحدة:
-العيب مش على الستات يا ماما، العيب على رجالتنا اللي بيخلعوا نفسهم من جدورهم ويروحوا يترموا في حضن حمواتهم، وكل ده علشان خاطر عيون النسوان.
ضربت كفيها على فخذيها، وتنهدت بصوتٍ يفيض بالهموم:
-دلوني وقولوا لي أعمل إيه في الخيبة التقيلة اللي حطت على راسي.
إوعي توافقي يا فاطمة”،جمدي قلبك …قالتها “رقية”لتتابع مسترسلة بنبرة تقطرُ حسرةً على وضعها:
-لو اتساهلتي مع علي النهاردة،بكرة أشرف هو كمان هيحصله، وهتلف الأيام وتلاقي نفسك زيي بالظبط،هتقعدي في بيتك بطولك، وتقضي الليالي الطويلة وشك في الحيط
،وتقعدي تفتكري اللي فات وتتحسري عليه،وتكلمي نفسك من كتر وحدتك.
تنهدت بحيرة لتحتوي أماني كفها براحة يدها وهي تقول:
-صلي على النبي يا أبلة وكل حاجة هتبقى كويسة، صدقيني زعلك ما هيهون على” علي”، وهيرجع أكيد في قراره
وتابعت معللة:
-وأكيد حماته هتحكم عقلها وتتراجع عن الشرط دا، متنسيش كمان إن الفرح فاضل عليه أقل من شهرين،أكيد مش هتسوء سمعة بنتها وتعرضها لكلام الناس اللي هتقول يا ترى سابها قبل الفرح ليه؟.
_________
كانت في طريقها إلي المنزل، بعد انتهاء الاجتماع الرباعي، وعندما دخلت الشارع تفاجأت بوجود ابنها المدلل في أوله، انشرح صدرها في الحال، وتبدلت مشاعرها من الحزن الشديد إلى بالغ السعادة،
أسرع بخطواته، وبوجهٍ مشرقٍ من شدة سعادته احتضنها بقوة، لتتمسك هي به وتشدد من أسرِها له، وباتت تنثر قبلاتها الحنون على كل ما يقابلها من وجه نجلها الحبيب وهي تقول:
-يا حبيبي يا أشرف، حمدالله على السلامة يا قلب أمك.

ولجا للداخل لينطق هو بسعادة متأملاً حديقة منزلهم الشاسعة:
-البيت وحشني أوي، حاسس إني غايب عنه بقالي سنة، مش شهرين.
إنطلق يصعد الدرج المؤدي للفراندا، وما إن وصل حتى ألقى عن كاهله حقيبة ظهره الواهنة فوق الأريكة الخشبية.
بينما رمقته هي بأعينٌ مترقبة مستفهمة، نطقت وكأن سؤالاً قد قفز إلى مخيلتها بغتةً:
-انتَ متصلتش وقولت إنك جاي النهاردة ليه علشان أعمل لك أكل زي كل مرة يا أشرف؟!.
تنهد بوجهٍ مهموم عندما تذكر، ليتمتم وهو يلقي بجسده المنهك فوق الأريكة الخشبية:
-ما انا مكنتش جاي على هنا يا ماما، أنا قولت أعملها مفاجأة لخالي واقعد معاه يومين أشبع فيهم منه، وكنت هفاجأك بمكالمة مني أنا وخالي من هناك
سألته بجبينٍ مقطب:
-طب مرحتش ليه ؟!
تناول إحدى الأوعية الفخارية المرصوصة داخل صنية وموضوعة على سور الشرفة(قُلة)، وجرع من مائها الصحي المنعش ما يروي ظمأ السفر وعطش الطريق، ثم قال شارحًا:
-رحت، دليلة ردت عليا من ورى الباب وقالت لي إن خالي ومراته بيزورا جوز خالتها علشان تعبان.
سألته والشرر يتطايرُ من عينيها:
-يعني مفتحتلكش الباب؟!
هز رأسه نافيًا، لتتسع عينيها وكأن شياطين الإنس والجان قد تجمعت داخل مقلتيها:
-أما بت قليلة الادب والرباية صحيح، بقى تمشيك من على الباب من غير حتى ما تسقيك بُق ماية؟!.

طالما عُرفت بلين القلب والوداعة وعزوبة اللسان، لكنها تتحول إلى النقيض تمامًا عندما يتعلق الأمر بنجليها.
تحدث سريعًا مدافعًا عن تلك الصغيرة:
-البنت كانت لوحدها يا ماما، وعندها حق جداً في اللي عملته، وأنا لولا كنت تعبان من الطريق، كنت قعدت في الجنينة لحد ما خالي رجع
إندفعت للداخل كالبركان مهرولة نحو الهاتف الأرضي، لتلتقط سماعته وهي تقول:
-دانا هكلم خالك أبهدله، واخليه يعلم مقصوفة الرقبة دي الأدب.
-يا ماما متكبريش الموضوع، خالي هيزعل…. قالها وهو يحاول منعها لكنها آبت وتابعت بحدة غاضبة:
-اللي يزعل من الأصول يتفلق.
من سوء حظ “منى”أنها كانت تمر من جانب الهاتف وردت عليها، ويا ليتها لم تفعل، انطلق صوت الاخرى كالمدفع:
-اديني صادق.
ردت بمنتهى الهدوء:
-حاضر يا أبلة
أشارت لزوجها قبل ان تهمس:
-أبلة فيفي، وشكلها زعلانة من اللي حصل
اومأ بعينيه يطمأنها، ثم رد على شقيقته التي انفجرت به لائمة:
-ينفع اللي بنتك عملته مع أشرف ده يا صادق؟!

قابل بركان غضبها بضحكة استفزت داخلها وهو يقول:
-أه عاجبني، وعاجبني اوي كمان، ولو فتحت له كنت قطمت رقبتها على صدرها.
كانت الصغيرة تتابع الحديث بجسدٍ يرتجف هلعًا،وقلبًا حزينًا لحزن عمتها الحبيبة،لتصرخ تلك التي وصل بها الغضب لمنتهاه:
-انتَ ليك نفس تهزر بعد عملة بنتك يا صادق؟!
تحدث بجدية:
-بس أنا مبهظرش يا أبلة،أنا فعلاً فخور باللي عملته بنتي،وحاسس إن تعبي في تربيتها مرحتش هدر.
استمر يشرح لها ويبرر تصرف ابنته الصغيرة، لكن كل محاولاته ضاعت دون جدوى،بعد أن استسلم أخيرًا أمام عنادها وجدالها الطويل، تحدث يستعطفها بودٍ،مستجديًا رضاها:
– خلاص بقى متزعليش،وأشرف أنا هكلمه وهراضيه، واخليه ييجي يقعد معانا يومين.
-بعدين يا صادق، لما يرتاح واشبع منه.
قالتها بصرامة، ليتمتم هو بممازحة:
-يبقى مش هشوفه يا أبلة.
أنهت المكالمة معه دون أن تقص عليه ما حدث مع “علي”، ليأخذ أشرف منها سماعة الهاتف ويتحدث إلى خاله، وبعد أن انتهى من حديثه، جلست والدته تروي له التفاصيل وتشتكي من أخيه، لاحقاً، اجتمع أشرف بشقيقه محاولاً التدخل للإصلاح، إلّا أن فاطمة رفضت النقاش بشكلٍ قاطع، وأصرت على موقفها بعدم القبول بفكرة انعزال نجلها الأكبر عن منزل العائلة.
******
بعد مرور يومًا على تلك الاحداث الساخنة، داخل الحرم الجامعي، موعد اختبار آخر مادة لطلبة كلية الهندسة، انتهى رشيد للتو وخرج من القاعة مجهدًا، ليجدها تنتظره بابتسامةٍ عذبة غسلت تعب روحه.
أقبل عليها بابتسامته الجذابة التي تدخلها في عالمٍ مليئًا بالسحر والرومانسية،لينطق:
-إيه المفاجأة الحلوة دي،ما قولتيش إنك جاية

-حبيت أعملها لك مفاجأة… وتابعت بنظرة تحملُ بين طياتها رجاءًا:
-تسمح لي أخطفك.
بنبرة أشبه بالهمس ونظراتٍ تفيضُ من الغرام ما يشبع روح تلك الهائمة:
-هو انتِ لسه هتخطفيني؟!
إرتسمت على محياها ابتسامة ساحرة ليتابع هو بعينين يقفزان منهما الغرام:
-انتِ خطفتيني من أول نظرة.

-يلا وديني الملاهي… قالتها بلا مقدمات ليردد كلمتها متعجبًا:
-الملاهي؟!، إيه اللي جابها على بالك؟

أجابب بنبرةٍ حالمة،ممزوجةً بِنظراتٍ مكسورة، تبثُ ثِقلاً من الهموم:
-عاوزة أحس اني طايرة فوق السحاب يا رشيد، نفسي أضحك من قلبي وانسى كل همومي وانا معاك

تسلل الهم من عينيها ليحتل صدره، واندفع يسألها بلهفة مشوبة بالريبة:
-مالك يا حبيبتي؟! صوتك ونظراتك مش عاجبني
تنهدت بثقلٍ قبل أن يخرج صوتها مهمومًا:
-هحكي لك كل حاجة بعدين، بس خلينا نمشي من هنا الأول

إشتعل صدرها نارًا حين رأت ذلك الحاقد يخطو نحوهما، وعلى ثغره ابتسامة سمجة،متناسياً مؤامراته الدنيئة التي حاكها قبل أيام للتفريق بينها وبين الحبيب، تحدث إليها بنبرة خبيثة:
-ازيك يا أنسة “نهلة”
لم تكن وحدها من تمقت حضوره، فحتى حبيبها انقبض قلبه فور سماعِ صوتِه البغيض.
هزت رأسها وبملامح وجه مكفهرة نطقت بألية:
-كويسة
وأردفت وهي تقبضُ على يد “رشيد”على عجلٍ:
-يلا يا حبيبي هنتأخر.
تجاهل وجوده تمامًا، ثم أومأ بطاعة وانسحب بصحبة حبيبته إلى خارج أسوار الجامعة، تحت نظرات يحيى التي استعرت بداخلها نيران الحقد والغل وهو يهمس لنفسه:
-ماشي يا بنت الأكابر،الأيام بينا،قريب أوي هدفعك تَمن قلة ذوقك وتطنيشك ليا،وساعتها هتعرفي إن لدعة يحيى عبدالحق بتجيب الناهية على طول.
إنتفض جسده فور سماعه لصوت”سامر “الذي صدح من خلفه:
-سيب رشيد ونهلة في حالهم يا يحيى، بلاش تركز معاهم أوي كده.
ابتسم ساخرًا قبل أن يتفوه متهكمًا:
-يا ابني صاحبك واللي اسمها نهلة دي أنا مش شايفهم أصلاً علشان أركز معاهم،أنا عندي اللي أهم منهم بكتير
سألهُ متهكمًا ليرد له نفس ابتسامته الساخرة:
-وإيه هو بقى اللي أهم منهم ده يا سي يحيى؟!
-التخطيط لمستقبلي، أنا ناوي أكون أعلى واحد في الدفعة دي كلها بعد التخرح
إلتمعت عينيه بوميض التمني وتابع مسترسلاً بحديثٍ يقطرُ غِلاً:
– بكرة تشوفوني في التليفزيون والبرامج بتتسابق علشان تعمل معايا سبق صحفي، وتقولوا وانتوا بتشاوروا عليا بفخر
وتابع بحقدٍ وغلٍ ظهرا بعينيه:
-في يوم من الأيام، كنا بنعدي من جنب الباشمهندس يحيى عبدالحق.
******
استغلت” منى” غياب “صادق” الذي ذهب لتقديم أوراقه إلى عدة مدارس خاصة، رغبةً في الالتحاق بوظيفة معلم لغة عربية، واصطحبت الصغار بعد أن استأذنت منه، اتجهت إلى بيت والدتها المقيمة بمفردها في شقة فسيحة بعد وفاة زوجها، وبالطريق ابتاعت لها كل ما يلزمها من لحومٍ وبعض الخضروات والفاكهة الطازجة.

في البهو، جلست الفتاة بجوار شقيقها،وتسمرت أعينهما أمام شاشة التلفاز،وهما يشاهدان بانبهارٍ أحد أفلام الرسوم المتحركة عبر شاشة التلفاز،ويتناولان المثلجات.

تصاعدت أبخرة الطهي لتفوح برائحة زكية ملأت المطبخ، حيث وقفت منى تقلب بمعلقتها محتويات القدر على موقد الغاز، بينما انشغلت والدتها بتقطيع خضراوات السلطة وهي تجلس حول طاولة صغيرة، إلتفتت وفاء نحو ابنتها وقالت:
-اخوكِ ما اتصلش بيكِ يا”منى”؟

أغلقت عينيها بثقلٍ، ثم تنفست مطولاً قبل أن تخرج كلماتها مهمومة:
-وحياتك يا ماما ما تجيبي لي سيرته، أنا جاية أقضي معاكِ وقت حلو وانبسط أنا والاولاد.

رغم حنقِ السيدة على ولدها لتقصيره في حقها وحق شقيقتيه، إلا أنها دافعت عنه والتمست له عذراً واهي، لعل شقيقته تجد له عذراً هي الأخرى، لذا قالت في محاولة لتهدأتها:
-هتلاقيه مشغول في شغله ولا حاجة يا منى، صدقيني هيزورك هو ومراته وولاده، ويجيب لك واجبك.
إلتفتت لتنظر إلى والدتها وهي تقول:
-هو أنا محتاجة منه حاجة يا ماما؟! ده أنا ربنا مغرقني في نعمه وفضله عليا كبير، والحمد لله مش حوجني لمخلوق
وتابعت بآسى تجلى بنبراتها:
– أنا كل اللي محتاجاه منه إنه يرفع راسي قدام جوزي وأحس إن ليا ضهر وسند، بدل ما أنا عاملة زي المقطوعة من شجرة كدا.
مسحت على قلب ابنتها بكلماتٍ أرادت من خلالها غرس السكينة والأمان في وجدانها:
-جوزك أصيل وابن ناس يا منى، وعمره ما يفكر بالطريقة دي.

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية فارس وهمس - فارس عشقي الفصل الثامن عشر 19 بقلم سحر فرج

-مهو علشان محترم وابن ناس، أكيد شايف الخلل اللي عند “بهاء “يا ماما… وتابعت بنبرةٍ مُثقلةٍ بخيباتٍ تكفي لتُدمي قلوب قبيلةًٍ بأكملها:
-صادق لما روحنا البلد، أخد إخواته وراح اشترى لهم كل اللي نفسهم فيه ورضاهم، على قد ما كنت فخورة بيه وفرحانة إنه جبر خاطرهم، على قد ما حسيت بكسرة جوايا، وحسيت بنقص وأنا قاعدة وسطيهم.

إلى هنا ولم تعد المرأة قادرة على الدفاع عن نجلها بعدما رأت ملامح الانكسار ترتسم على وجه ابنتها، جزّت على أسنانها وهي تقول بنبرةٍ حادة يملؤها الغيظ:
– إخص عليه وعلى تربيته، خليه باعد عن أهله وماشي ورا مراته ،دا انا كلمته امبارح علشان يزور جوز أخته التعبان،ضحك عليا وقال لي هروح له بالليل، كلمت أختك النهاردة وسألتها، قالت لي اتصل بيا بالتليفون وقالي عندي شغل، وأول ما افضي هاجي أطمن على كمال.

تنهدت”منى” وهي تقول:
-سبيه براحته يا ماما
وتابعت نبرة حماسية مغيرةً مجرى الحديث لرفع الحزن عن قلب والدتها:
-أما أنا عملت لك شوية فتة يا فوفة،إنما إيه،هتاكلي صوابعك وراهم من حلاوتهم.
-تسلم ايدك وعينك،ويراضيكِ ربنا زي ما انتِ مراضياني، ويسعدك يا منى يا بنت بطني قادر يا كريم.
******
تتعالى ضحكاتهما لتنافس صخب الملاهي من حولهما، يركضان كطفلين تحررا للتو من قيود العالم، تُمسك بقطعة حلوى(غزل بنات) وردية تلطخ طرف أنفها،تتناولها والسعادةُ تقفزُ من مقلتيها، بينما يجرها هو من يدها بحماسٍ نحو لُعبة “قطار الموت الشاهق”، مع كل هبوطٍ حاد وسريع، تتطاير خصلات شعرها الحريري ليزيد من سحر جمالها، وتلتصق ضحكتها الرائعة بقلبهِ العاشق،ليتراقصُ على أنغامها، في تلك اللحظة، لم تكن الأضواء الملونة المتلألئة في الأفق هي ما يضيء المكان، بل كانت عيونهما التي تلمع بسعادةٍ وعشقٍ حقيقي.
ترجلا من اللُعبة، لتنطلق راكضةً بظهرها إلى الخلف، وهي ترمقه بوجهٍ يشعُ سعادةً، وضحكاتٍ تنبعث من أعماق قلبها،لتنطق بقلبٍ يرتجفُ من شدة حبورها:
-أنا مبسوطة أوي يا رشيد، وحاسة إني مالكة الدنيا كلها بإيديا.
وتابعت بحماسٍ ومرح:
-عارف، أنا جيت الملاهي دي كتير قبل كده مع أصحابي، وروحت كمان أماكن تانية أعلى منها بكتير في الإمكانيات والشكل، بس النهاردة وأنا معاك، حاسة إني أول مرة أجي، ولا كأني دخلت ملاهي قبل كده في حياتي أصلاً.

واسترسلت بأعين يقفز من بينهما فيض الفرح:
-معاك كل حاجة ليها طعم تاني يا حبيبي.
يستمع إليها براحة وطمأنينة تظللهما السعادة، ليأخذ سؤاله مساراً آخر وهو يتمتم بترقبٍ:
-مش هتقولي لي مالك؟!
هزت رأسها بنفيٍ قبل أن تقول مؤكدة:
-مش حابة اتكلم في أي حاجة، عاوزة أجري والعب وانبسط، عاوزة أستغل كل دقيقة وانا معاك في الكلام عن نفسنا، وكل اللي يخصنا وبس.

أومأ لها محترمًا قرارها، لتقفز بسعادة كالأطفال حين رأت عربة المثلجات، وصاحت بلهفةٍ ممررة لسانها فوق شفتيها بتلهفٍ واشتهاء:
-رشيد، أنا عاوزة أيس كريم.
-بس كده،من عنيا…قالها بدلالٍ مفرط لحبيبة فؤاده، ثم اتجها مسرعين نحو العربة ليختارا نكهاتهما المفضلة.
بعد قليل، كان يمسك في يده اليمنى بسكوتة أيس كريم بنكهة الشوكولاتة المفضلة لديه، بينما تتنقل هي بمتعة بين قضمة وأخرى من أيس كريم الفراولة الخاص بها، تمسح بطرف إصبعها قطرة ذائبة بدأت تسيل على يدها،وعلى شفتيها أيضًا، فضحك عليها ومد يده بمحرمة ورقية يمسح بها طرف شفتيها بحنانٍ مفرط،توقفت فجأة واتسعت عيناها بلمعة طفولية، لتلتفت إليه وتشير بسبابتها نحو بائع بالونات يقف بعيدًا، يحمل باقة ضخمة من الألوان المبهجة التي تطير في الهواء،لتقول:
-شايف البالونات وجمالها يا رشيد.

ابتسم فورًا لأنه فهم نظرتها دون أن تعلن عما تريد صراحةً، أمسك يدها بلطفٍ وانطلق معًا ليختار لها بالونة حمراء كبيرة على شكل قلب، دفع ثمنها للبائع وهو ينظر إلى عينيها اللامعتين بوميض السعادة، أخذ خيط البالونة وربطه برقة حول معصم يدها حتى لا تطيرُ في الهواء وتبتعد، نظرت إلى معصمها ثم إليه ليخفق قلبها فرحًا كطفلة صغيرة حصلت على أثمن لعبة في العالم، تأمل ملامحها السعيدة، وشعر أن شوارع المدينةِ كلها أصبحت ملكهما في هذه اللحظة، لتتمتم هي قائلة بصوتٍ متأثرًا بسعادتها:
-ربنا يخليك ليا يا حبيبي، النهاردة أسعد يوم في حياتي.
-إن شاءالله كل أيامنا مع بعض هتبقى سعيدة، إصبري عليا لما اتخرج واشتغل ويبقى معايا فلوس محترمة.
ثم تابع بحماسٍ وتوقٍ لمستقبلٍ ينتظره، يحسبهُ بإذن الله مشرقًا:
-همتعك واخرجك في أحسن أماكن في مصر،ربنا يقدرني واخليكِ أسعد واحدة في الدنيا كلها يا قلبي

إبتسمت باتساعٍ تومئ برأسها،لتنطلق منها ضحكة رقيقة تبدو لهُ كعزفٍ منفرد من السعادةِ الهائلة، لكن خلف تلك الابتسامة المتقنة ببراعة، يختبئ قلبًا يرتجف رعبًا مما يخبأهُ لهما المستقبل.
******
ليلاً، داخل شقة سكنية فاخرة، أطلت سيدة المنزل وهي تتهادى في مشيتها بكبرياءٍ وثقة، تجاور زوجها السيد “بهاء كامل إبراهيم”، الموظف الذي يشغل منصباً مرموقاً في مصلحة الضرائب المصرية.
جلست لتضع قدمًا فوق الأخرى ، ثم ندهت على العاملة وهي تقول:
-إعملي القهوة للبيه، واعملي لي عصير جريب فروت يا”سِليمة”
ارتفع صوت العاملة من المطبخ ليصل إليها:
-حاضر يا مدام.
خلع عنه نظارته الطبية ليضعها على الطاولة، وبدأ يفرك عينيه بإعياءٍ، بعدها أسند ظهرهُ للخلف وتحدث إلى زوجته:
-ماما كلمتني وزعلانة اننا ما زورناش منى لحد النهاردة، وكمان جوز رغدة تعبان شوية والمفروض إننا نروح نزوره هو كمان
ثم زفر وتابع حديثه تحت استنفار إلهام:
-محدش مقدر حجم المسؤولية اللي أنا فيها يا إلهام.

-مامتك مكبرة المواضيع أوي يا “بهاء” ، ولسه عايشة على عادات زمان الرجعية…ثم تابعت بترفعٍ واستنكار:
-هو لسه فيه حد بيزور الناس اللي بترجع من السفر؟!،إحنا داخلين على سنة 2000،يعني الناس بطلت تفكر بالطريقة دي.
تنفس مطولاً قبل أن يقول بلا مبالاة:
-ما انتِ عارفة ماما، لسه متمسكة بتقاليد زمان، وماسكة لي في نغمة إنتَ أخوهم الوحيد ومكان بباهم.
أقبلت عليهما العاملة، رصت ما بيدها فوق الطاولة بترتيبٍ،ثم اعتدلت في وقفتِها وتساءلت بأدب:
-تؤأمري بحاجة تانية يا هانم؟
لوحت بكفها لتنصرف العاملة، ثم حملت فنجان القهوة وناولته لزوجها وهي تهمسُ بودٍ:
-قهوتك يا حبيبي.
-تسلم إيدك يا حبيبتي
رفعت كأس العصير وتذوقت منه قليلاً قبل أن تسأله:
-طب قررت هتعمل إيه مع اخواتك.؟
أخذ رشفة سريعة من فنجانه ثم أنزله وهو يقول بنبرة خافتة:
-لازم نروح علشان ماما متزعلش، جهزي نفسك بكرة انتِ والأولاد.
برغم حنقها من الموضوع إلا أنها تظاهرت بالهدوء وأجابته ببرودٍ:
-بكرة ميعاد تمرين السباحة للأولاد،وأنا لازم أجهز نفسي واروح الكوافير قبلها، خليها بعد بكرة أفضل
وتابعت باستياء:
-وبعدين هو ليه لازم ناخد الاولاد ونشحطتهم معانا في كل زيارة عند حد من أهلك؟!
-علشان دول أهلهم يا إلهام
طالعته بشموخٍ قبل أن ترمقهُ بكلماتها الطبقية:
-سوري يا “بهاء”، بس أولادي لا من سن أولادهم ولا مستواهم علشان نحاول ندمجهم معاهم
تطلع إليها بجبينٍ مقطب فبرغم جفائه وشبه انقطاع صلته بعائلته، إلا أن نبرة الفوقية التي قطرت من حروفها، استفزت كبرياءه كرجلٍ لديه كرامة، وما إن لمحت في عينيه بوادر إعتراضًا،حتى سارعت بالحديث مفسرةً لتلطيف الأجواء:
-قصدي يعني من حيث السِن وفرق مستوى التعليم،” أدهم” إبننا عنده تسع سنين، و” عمر” سبعة، أولاد أختك في منهم في جامعة واللي داخلة ثانوي،دا غير إن أولادنا في مدارس إنترناشيونال، وتقريبًا مبيعرفوش يجمعوا كلمتين عربي على بعض، من الآخر كدا، مفيش أي لغة حوار أو اهتمامات مشتركة تجمع ما بينهم .

تحدث بنبرة قاطعة، وصوتًا حاداً لا يقبل الجدال:
-إلهام،الكلام اللي قولته يتنفذ وبدون نقاش، الولاد يجهزوا علشان يروحوا معانا في زيارة عماتهم
وتابع بإبانة:
– وأنا هكلم ماما تستنانا عند منى علشان تبقى زيارة واحدة بالمرة، وبعدها نعدي على رغدة،وهي ساعة عند كل واحدة فيهم وهنرجع بسرعة علشان الأولاد.

أومأتْ برأسها في صمتٍ تام، يرتابها خوفًا من ثورته عليها، فمنذ أن تمت ترقيته في عمله وتضخمت ثروته، باتت تحسب لرضاه ألف حساب، وتتحمل غلظته وصرامته فقط لكي لا تُحرم من رغد العيش الذي يغمرها به هي وأطفالهما، ليتابع هو بأمرٍ:
-إبقي كلمي محل الورد والشيكولاتة اللي بتتعاملي معاهم، واحجزي لكل واحدة فيهم بوكية وعلبة شيكولاتة،علشان يوفر الوقت معانا.
أومأت لتقول بترفعٍ:
-أوكِ يا “بهاء”
لاحظ هدوء المنزل المريب، فالتفت إليها يسألها عن نجليه بعدما غلبه الشوق إليهما:
-هما الأولاد ناموا ولا إيه؟!
-اتعشوا وناموا علشان عندهم تمارين، والكابتن بينبه عليهم دايمًا لازم يكونوا واخدين كفايتهم من النوم.
******
كان حبيس غرفته، صمتٍ موحش يمليء المكان من حوله، إلا من دقات الساعة التي تبدو كأنها عدٌ تنازلي لكارثة وشيكة، يرتكز بمرفقيه على مكتبه الخشبي، واضعاً رأسه بين كفيه كمن يحاول تثبيت أفكاره التي أوشكت على الانفجار، يشعر بقلبه يتلوى بوجعٍ لا يُحتمل، ممزقاً بين قطبين لا يمكن الجمع بينهما.

على جانب المكتب صورة حبيبته، تلك الفتاة التي وهبته الطمأنينة ورسمت معه أحلاماً وانتظرا لتحقيقها معًا، وعلى نفس الطاولة بالجانب المقابل، تقبع صورة عائلية دافئة، لأبٍ أفنى عمره لأجله، وأمٍ ترى فيه امتداداً لقلبها وتحقيق أحلامها، وجد نفسه فجأة في منتصف ساحة معركة لم يرتكب فيها إثماً، حيث الخسارة حتمية في كِلا الجهتين، إذا اختار أهله وانصاع لرغبتهم، فإنه يدرك تماماً أنه سيعيش جسداً بلا روح، وسيقتل بدم بارد الإنسانة التي وعدها بالبقاء،والرقص معًا فوق السحاب، وإذا اختار قلبه وتمسك بحبيبته، فسينزع نفسه من جذوره ليحمل طوال حياته ذنب كسر خواطرهم.
ينظر في نقطة اللاشيء، تتسارع أنفاسه مع كل سيناريو يتخيله، يحاول البحث عن حلٍ وسط، عن ثغرة في هذا الجدار يعبر من خلالها لبر الأمان، عن كلمة سحرية ترضي كبرياء أهله وتحمي حب عمره، لكن الطريق يبدو مسدوداً، والخيارات أمامه حادة كشفرات سكاكين.
أغمض عينيه بقوة، لتخرج تنهيدة حارة من أعماقه، وهو يسأل حاله، كيف النجاة من هذه المعضلة دون أن يفقد نفسه الممثلةِ في الجهتين؟
******
جلس “أشرف”بغرفته منعزلاً عن العائلة،ليصفي ذهنه، باحثًا عن مخرجٍ لشقيقه الذي وقفت حياته على حافة الدمار، وأخيرًا، لاحت له فكرة أنقذت حيرته، ابتسم بارتياحٍ ورضا عن نفسه، ثم التقط سماعة الهاتف بثقة بعد أن حسم أمره واتخذ قراره الحاسم.

 

لو عاوز تقرأ الفصول الجديدة من الرواية دي بشكل حصري قبل صدورها وتشوف الروايات الجديدة وتطلبها

انضم لينا على الفيس بوك (من هنا)

و

أنضم لقناتنا على تليجرام (من هنا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top