رواية لولا الغرام الفصل الثالث 3 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل الثالث 3 بقلم روز امين

 

البارت الثالث

 

لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)

«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»

«أَنَا “السَّجِينَةُ المُنَعَّمَةُ” الَّتِي تَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا نَفْسَهَا، بَيْنَ رِقَّةِ الحَرِيرِ الَّتِي تُطَوِّقُ عُنُقِي كَالقَيْدِ، وَعَبَقِ العِطْرِ الزَّائِفِ، تَضِيعُ مَلَامِحُ حِكَايَتِي، أُقَاسِي مَرَارَةَ الصَّمْتِ أَمَامَ عَائِلَتِي، وَعَلْقَمَ الشَّوْقِ إِلَى حَبِيبِي، أَقِفُ حَائِرَةً عِنْدَ مُفْتَرَقِ طُرُقٍ، بَيْنَ وَفَاءٍ يُلْزِمُنِي بِإِرْضَائِهِمْ، وَانْحِيَازٍ كُلِّيٍّ يَشُدُّنِي نَحْوَ نِدَاءِ قَلْبِي.كُلُّ مَا يَشْغَلُ تَفْكِيرَ مَنْ حَوْلِي هُوَ المُسْتَوَى، المَكَانَةُ، وَالفَوَارِقُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ، غَافِلُونَ عَنْ أَنَّ الحُبَّ لَا يَقْرَأُ كُشُوفَ الحِسَابَاتِ، وَأَنَّ الرُّوحَ لَا تَسْكُنُ العَقَارَاتِ.هُمْ يَحْسَبُونَ كُلَّ شَيْءٍ بِالمَادَّةِ، وَأَنَا أَحْسَبُ عُمْرِي بِاللَّحَظَاتِ الَّتِي أَخْتَلِسُهَا لِأَسْمَعَ نَغَمَاتِ صَوْتِهِ، فَمَا نَفْعُ القُصُورِ إِذَا كَانَتْ جُدْرَانُهَا مَبْنِيَّةً مِنْ جَفَاءٍ، وَمَا قِيمَةُ المَالِ إِذَا كَانَ ثَمَنُهُ وَأْدَ أَجْمَلِ مَشَاعِرِي، وَضَيَاعَ نَفْسِي وَفَقْدَ سَكِينَتِي؟»

«نهلة الخولي»

بقلمي «روز أمين»

_______________

لم تتمالك نفسها فهتفت بحدة وقد أخرجها بروده القاتل تجاه الأمر عن شعورها:

-وبعدين يا “علي”، هتفضل لحد امتى مخبي عليهم؟!

رد عليها بنبرةٍ هادئة:

-ما قولت لك هقول لهم يا” داليا ”

سألته بإصرارٍ بنبرة حازمة:

-إمتى؟

زفر بحدة وأردف متمللاً:

-في الوقت المناسب.

سألته بإلحاحٍ أزعجه:

– وامتي بقى الوقت المناسب من وجهة نظرك يا “علي”؟

نفد صبره أمام إصرارها المستميت،فاندفع صوته حادًا كالنصل وهو يهتف بصرامة قاطعة :

-هو فيه إيه يا”داليا”؟!، ما قولت لك بعدين، ولو سمحتي مش عاوز أسمع كلمة تانية بخصوص الموضوع دا لحد ما ابلغك.

رشقت كلماته بصدرها كنصالٍ حادة، فترقرقت الدموع في عينيها على إثرها، جاهدت لتستجمع بقايا صوتها، فخرج مخنوقاً وهي تقول باقتضاب:

-أنا هقفل.

لم تمهله فرصةً للرد، بل باغتته بقطع الاتصال، لتنفجر بعدها في نوبة بكاءٍ مريرة، بينما استعرت النيران في أعماق “علي” الذي حدق في الفراغ بشرودٍ وعدم استيعاب لتصرفها، قبل أن يباغته صوت والدته من خلفه مشحوناً بنبرة حادة:

-جرى إيه يا سي “علي”، هتفضل لاطعنا كدا كتير جنبك، مش وقت حب يا اخويا، ابقى كلمها لما تروح يا حنين

وتابعت ساخرة بمزاحٍ:

– ولا السنيورة مستكترة عليك تقعد شوية مع عيلتك.

وضع سماعة الهاتف في مكانها بوجهٍ عابس، وهو يقول بضيق:

-قفلت خلاص يا ماما، ياريت بقى ترحميني من وصلة كل يوم لأني مش قادر أسمع ولا كلمة.

استشعرت بحدس الأمومة ما طرأ عليه من تغيير، وعلى الفور سألته:

-مالك يا علي؟ انتَ اتخانقت مع داليا؟!

تجاهل سؤالها ومضى صامتاً نحو الدرج المؤدي إلى ‘الفيراندا.

_________

داخل كانتين الوحدة العسكرية، كان يجلس بجوار العسكري المسؤول عن المكان، عيناه زائغتان وساقاه تهتزان بعصبية مفرطة، يشتاقُ لسماع صوت خالهِ وعائلته الصغيرة كاشتياق التائهِ في الصحراء لقطرة ماء، دنا منهُ الرجل يحدثهُ، محاولًا تخفيف وطأةِ الحزن والتوتر الباديينِ عليه:

-اهدى يا ابني، الوقت يرنوا.

صاح بانفعال شديد يعود لشدة الخوف من المجهول :

-” علي” اخويا كلمني من بيتنا وقالي أستني هنا في الكانتين، وان العيلة كلها متجمعة وهيكلموني على الساعة تسعة

وتابع والريبة تقفز من مقلتيه:

-يبقى أكيد فيه حاجة حصلت.

-الساعة لسه تسعة وربع يا أشرف،مفاتش كتير علشان القلق اللي انتَ فيه دا

ازدرد ريقه وتمتم متأثرًا بحالته النفسية:

-حاسس اني متكتف وانا هنا يا شاويش “فتحي”، أنا في عالم وهما في عالم تاني.

ناوله الرجل كوباً من الشاي الساخن، وقال وهو يلوح بيده تهويناً للأمر:

-يا سيدي كله بيعدي، هانت يا ابني.

بالكاد انتهى الرجل من كلمته الاخيرة ليرتفع رنين الهاتف، هرول” أشرف” يرفع السماعة من فوق القرص وهو يقول:

-ألو

كاد قلبه يتوقف من شدة السعادة حين استمع إلى صوت خاله يخترق مسمعه:

-حبيبي الندل اللي وحشني، كدا يا ولد أجي ملقكش في استقبالي؟!

أربكته المفاجأة، فخرج صوته مرتعشًا ببهجة لم يستطع كتمانها:

-والله وانت كمان وحشتني جداً يا خالي، مش قادر أوصف لك فرحتي إني سامع صوتك

وتابع مرحبًا:

-منور المنصورة وأهلها يا غالي.

-المنصورة كان هيكتمل نورها لو كنت معانا النهاردة يا أشرف،وحشتني أوي يا حبيبي…. لم تكن مجرد كلمات خرجت من صادق، بل كانت نبضاتٍ صادقة فاضت من أعماق روحه،لتنهمر على إثرها دموع فاطمة حنينًا لنجلها الغائب، بينما تحدث أشرف والحنين يملأ صوته:

-تتعوض يا خالي، كلها أيام وانزل ان شاءالله.

لم تحتمل فاطمة صبراً، فانتزعت سماعة الهاتف من شقيقها، لتغمر ابنها بكلماتٍ تقطرُ حنينًا ولهفة:

-وحشتني يا أشرف، عامل إيه يا قلب امك.

قالت كلماتها بدموعٍ عجزت عن حبسها، فهزت كيان ذلك الذي غلبه الشوق وهو يجيبها بنبرةٍ حزينة:

-انتِ كمان وحشتيني أوي يا ماما، طمنيني عليكِ يا حبيبتي وعلى صحتك، وبابا عامل إيه

نطقت من بين دموعها:

-قاعد جنبي أهو، مستني لما اخلص علشان يكلمك.

تنهد بثقلٍ قبل أن ينطق بأسى:

– كان نفسي أكون في وسطيكم اوي النهاردة يا ماما، خالي صادق وعيلته وحشوني أوي

وتابع متأثرًا:

-وحشتني اللمة عند جدتي رقية، وسهرة أخر الليل في البراندا.

غلبتها الدموع فشهقت بألمٍ بعدما فقدت سيطرتها على الثبات، لتخرج الكلمات من بين شفتيها مهتزة بفضل بكائها الحار:

-حبيبي يا ابني، قلب أمك يا أشرف، يعز عليا نبقى متجمعين كلنا هنا ومبسوطين، وانتَ قاعد لوحدك يا حبيبي،لا انا عارفة بتاكل إيه ولا مين بيغسل لك هدومك،ولا بتنام ازاي.

حرك “علي”رأسهُ بيأسٍ، مستنكرًا مبالغتها لكل ما يخص ذلك المدلل.

بينما انتزعت رقية سماعة الهاتف من قبضتها، وهي ترمقها بنظرة حادة واللوم يقطر من نبرتها وهي تقول:

-جرى إيه يا فاطمة، انتِ بتكلمي الواد تخففي عنه ولا تقهرية وتبكتيه، قومي طسي وشك بشوية ماية، يمكن تفوقي وتعقلي.

جذبها”صادق” نحوه برفقٍ، محتويًا إياها بين ذراعيه، وراح يهدئ من روعها بلمساتٍ حانية، علّ دموعها تكف عن الهطول.

أما رقية، فقد استجمعت قوتها وبنبرة ملؤها العزم، تحدثت لتشدّ من أزر حفيدها في غربته وهو بعيدًا عن كنف العائلة:

-أسترجل يا وَلاَ واجمد، ومتحطش كلام أمك الخايبة دي في دماغك،الجيش دا هو اللي هيخلق منك راجل بجد، الشباب بيدخلوا وبيطلعوا منه زي الجبال، مفيش قوة في الدنيا تقدر عليهم ولا تكسرهم ابدًا.

-الله ينور عليكِ ياحاجة،ويزيدك من فضله… قالها الحاج عزام، ليتحدث إلى ولده بعدما ناولته رقية سماعة الهاتف:

-ازيك يا أشرف وازي صحتك، عامل إيه يا حبيبي.

ولجت منى وسوزان المطبخ لإعداد مشروبٍ باردٍ لجميع أفراد العائلة، وذلك بعدما تحدثتا إلى الشاب واطمأنتا عليه، أمسكت سوزان صينيةً كبيرةً وبدأت برص الأكواب عليها بانتظام، ثم تمتمت بترفعٍ وكبرياء، كعادتها في التعامل مع الجميع:

-فيفي دي إنسانة مبالغ فيها بجد، بتدقق في أقل حاجة وتكبرها، وخصوصًا لما الموضوع يخص أولادها

كانت تقطع ثمار الجوافة لتصنع منها عصيرًا، نطقت بكلماتٍ تقطر هدوءًا وإنصافًا، متأثرةً بتلك الحكمة التي استمدتها من شخصية والدتها، السيدة وفاء:

-ده الطبيعي يا سوزان، أي أم بتحب أولادها وبتخاف عليهم من الهوا الطاير، وأبلة فيفي طول عمرها واخدة ولادها في حضنها ومحاوطة عليهم بحنانها، ومتنسيش إن “علي” أخد إعفاء من الجيش، يعني أشرف هو أول واحد هيبعد عنها بالشهور.

-أوكِ، ما اختلفناش على حب الأم لأولادها، بس أنا هنا بتكلم عن المبالغة في رد الفعل يا “مُنى”

ثم زفرت بهدوء تستدعى جرأتها لتسترسل بنبرة يشوبها الإستياء:

-بصراحة أنا حاسة انها بتمثل علشان تكسب تعاطف العيلة ، والكل يشيد بحنانها ودموعها القريبة زي ما دايمًا مامتها بتقول

وتابعت حديثها وهي تقوم بتقليد حماتها بترفعٍ:

-بنتي فاطمة خدت حنية الدنيا لوحدها، ودموعها دايمًا قريبة

أغمضت عينيها لتستغفر الله داخلها، فأكثر ما كانت تبغضه بحياتها هي الغيبةَ والنميمة،لذا خرج صوتها هادئًا بعدما تمكنت من كبح مشاعرها:

-الله أعلم بالنوايا يا سوزي.

أدارت الخلاط الكهربائي فور انتهائها من جملتها،لتقطع دابر ذلك الحوار البغيض إلى نفسها،لطالما مقتت الغيبة والنميمة، رمقتها سوزان بنظراتٍ نارية حادة،مستنكرةً ما اعتبرته إهانةً بالغة بحقها.

_________

عودةً مرةً أخرى إلى الخارج حيث دفيء،التجمع الأسري.

مازال الجميع يتهافتون على سماعة الهاتف ويتبادلونها فيما بينهم بشغفٍ، تحدث أشرف إلى والدته التي هدأت قليلاً عن بداية المكالمة:

-هي فين دليلة يا ماما، عاوز أسلم عليها.

جالت ببصرها تتفقد المكان باحثةً عن الفتاة، فلمحتها في الحديقة وهي تركض وتجري لتجد مخبأً تلجأ إليه في لعبة الاستغماية، وقبل أن تنادي الفتاة استمعت لصوت الشاويش فتحي وهو يقول بريبة:

-يلا يا أشرف اقفل التليفون وكفاية عليك لحد كدا،حضرة الظابط إيهاب على وصول، ولو لقاك هنا هيطربق الدنيا فوق دماغنا، وممكن يحبسنا فيها احنا الاتنين.

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية يوسف وهاجر - الحب الابدي الفصل السابع 7 بقلم اسماء ابراهيم

انتفضت رعبًا،وقالت بدافع الخوف عليه:

-اسمع كلامه واقفل يا أشرف، وانا هبقى اتصل بيك تاني يا حبيبي.

-تمام يا ماما، خلي بالك على نفسك يا حبيبتي…أغلق السماعة وعاد لموقعه وبقلبه حنينًا جارفًا لخاله وعائلته.

*****

في غرفتها الخاصة، استكانت إلى فراشها الوثير وبجانبها «مايا العدل»، زوجة شقيقها الكبير، أسندتا ظهريهما إلى الوسائد الناعمة ليسترخى جسديهما، بينما كان ضوء المصباح الخافت يداعب وجهيهما بظلالٍ حالمة، ناسجاً من حولهما هالة من الألفة شجعتهما على البوح بما تخفيه القلوب.

سبق وأن كشفت سر حبيبها إلى مايا من قبل، وهو ما جرّأ الأخيرة على سؤالها:

-لسه بتتكلمي مع الولد اللي كلمتيني عنه قبل كدا يا نانا؟

رمقتها مستغربة لهجتها المتعالية قبل أن تقول مستنكرة:

-اسمه البشمهندس رشيد المسيري، واحفظي الاسم كويس أوي، علشان هيتردد كتير بعد سنة من وقتنا هذا.

أطلقت “مايا” ضحكة رقيقة لتقول بملاطفة:

-ولا تزعلي ، جلالة البشمهندس رشيد باشا المسيري… وتابعت بجديه:

– خلينا نتكلم جد شوية، قولي لي حكايتك معاه وصلت لفين؟

التمعت عينيها بوميض العشق،قبل ان تطلق تنهيدة خرحت حارة من أعماق قلبها:

-حكايتي معاه لسة موصلتش يا مايا،بس عاوزة أقول لك إن أنا عايشة معاه أجمل أيام حياتي.

وتابعت بحالمية وصوتٍ إنسيابي:

-ومتأكدة إننا هنوصل في يوم من الأيام لبر الأمان

كانت تتطلع عليها باستغراب قبل أن تسألها:

-أنا نفسي أعرف انتِ جايبة الثقة دي كلها منين؟!

أشارت بإصبعها نحو موضع قلبها، لتتمتم والغرام يقفزُ من بين مقلتيها:

-من دا، قلبي هو اللي مطمني ودايمًا يقول لي إني مش هكون لحد غير رشيد.

رفعت حاجبها وفضلت الصمت ،بعد لحظات تناهى إلى مسامعهما صوت طرقات خفيفة على الباب،لتخطو والدتها بكامل أناقتها المعهودة، تلك السيدة الأرستقراطية التي لا تتخلى عن ارتداء أفخم الأزياء وأثمنها حتى في ببتها، اعتدلتا في جلستهما سريعًا إحترامًا لتلك المستبدة، بينما نظرت “راندا” إلى الإضاءة الخافتة بازدراءٍ، ثم أشعلت الضوء في الغرفة وهي تقول:

-انتوا مضلمين المكان كدا ليه، وليه مش قاعدين تحت معانا؟!

-من باب التغيير يا ماما …قالتها نهلة باضطرابٍ،

لم تكترث لإجابتها وانتقلت للأمر الأهم الذي أتت من أجله:

-خلينا في المهم

رفعت عنقها لأعلى وتابعت بزهوٍ وتعالٍ :

– تامر هيتقدم لبنت سيادة رئيس محكمة جنايات القاهرة علشان يخطبها يوم الخميس الجاي، ولازم تيجوا معانا علشان باباها عاوز يتعرف على العيلة كلها في أول مقابلة، وده طبعاً بعد ما سأل علينا وعرف أصلنا الطيب.

واستطردت بلهجةٍ آمرة، كأنها تحدث عمالاً لديها:

-عاوزاكم تروحوا أتيليه مدام لوسي، وتحجزوا من هناك أفخم وأشيك فساتين سهرة.

-مبروك يا طنط، ان شاءالله الموضوع يتم على خير…في حين تحدثت نهلة بملامح جادة:

-تامر قال لحضرتك انه ميعرفش البنت ولا حتى يعرف اسمها؟!

عقدت حاجبيها لتستوعب ما ترمي إليه ابنتها،ثم ردت باقتضابٍ بارد ولا مبالاة:

-وايه المشكلة؟!

عقدت حاجبيها بدهشة قبل أن تسألها مستنكرةً:

-حضرتك مش شايفه إن الوضع غريب؟! الجواز اللي بالشكل دا يا ماما محكوم عليه بالفشل من قبل ما يبدأ،لأن دا مش جواز، دي صفقة مصالح خالية من أي مشاعر، جواز ميت ملوش روح.

ارتسمت على شفتيها ضحكة ساخرة،وتحدثت لتبخس من رؤية ابنتها:

-إيه الكلام الكبير دا يا نانا،كل دا من الروايات الخايبة اللي بتقريها

تجهّم وجهها فجأة، مما أجبر والدتها على التراجع خطوة إلى الوراء، وأردفت مُوضحةً مقصدها:

-ماقصدتش أضايقك بكلامي، بس الموضوع أبسط من كدة بكثير، البنت كمان ما تعرفش أي حاجة عن تامر، ومع ذلك موافقة من حيث المبدأ .

مالت برأسها دهشةً قبل أن تسألها متعجبةً

بس دا غلط يا ماما، أنا خايفة على تامر.

-بالعكس، دا عين العقل، والجواز دا هو اللي بيستمر.

إلتفتت إلى مايا الصامتة لتسألها:

-وانتِ إيه رأيك يا “مايا”؟

تمتمت بنبرةٍ حذرة، مُعلنةً للمرة الأولى عن رأي يخالف رأي والدة زوجها:

-أنا مكنتش حابة اتدخل يا طنط علشان حضرتك ما تزعليش، بس بصراحة أنا مع رأي نانا

رفعت كتفيها وتابعت، وعلامات الدهشة ترتسم على محياها:

-أصل مفيش حد بيتجوز حد ميعرفش عنه أي حاجة، ولا يعرفه هو شخصيًا، مبقولش إن الناس لازم تعيش قصة حب مع الشخص اللي هتتجوزه، بس على الاقل يكون فيه إعجاب قبل خطوة الخطوبة.

وتابعت مستشهدة بقصتها مع زوجها:

-يعني أنا وسامح مثلاً،اتعرفنا على بعض في عيد ميلاد أخت صاحبه، اللي هي صاحبتي في نفس الوقت،حصل بينا إعجاب وانجذاب فاتقدم لي

حاولت إقناعهما قائلة بتبرير:

-تامر غير سامح وحياته مختلفة يا مايا،تامر لا بيخرج ولا بيحضر أي مناسبات غير اللي تخص العيلة وفي أضيق الحدود كمان،نجوزه ازاي بقى في حالته دي؟!

استنكرت ضعفها وهي تبرر لهما موقفها، وسرعان ما استعادت قناع الغرور لتتحدث بغطرسة فائقة:

– انتوا قاعدين تناقشوني في إيه، القرار أخدناه وانتهى الأمر، مش مطلوب منكم غير حاجة واحدة بس

وتابعت أمرها بتعنت لا يقبل الجدال:

-كل اللي قولته يتنفذ بالحرف، ومن غير أي مناقشة.

أنهت حديثها الاستبدادي وانسحب برأسٍ مرفوع، تاركة خلفها أعين محدقة ونظرات تجمدت في نقطة اللاشيء من شدة الصدمة.

التفتت مايا نحو تلك المصدومة، وبدأت تتحدث مستشهدة بالموقف الذي حدث للتو:

-لسه بردوا عند رأيك بخصوص حبيبك يا نانا؟

ازدردت ريقها لتقول بيقينٍ لا تعلم مصدره:

-بابا بيحبني وأكيد هيقف معايا يا مايا، وبعدين دي حياتي أنا، ومش من حق أي حد يخترها لي.

******

تقف في مطبخها المتواضع، محاطة بأدواتٍ أكل الدهر عليها وشرب، ترتدي عباءة منزلية بهت لونها من كثرة الغسيل والاحتكاك،تمتد يدها نحو موقدٍ صغيرٍ متهالك، تُشعل ناره برفق لتصنع شاي المساء لأسرتها الصغيرة، لتقدم لهم بهجة بسيطة تذيب عنهم عناء اليوم.

بعد قليل، خرجت من المطبخ حاملة صينية مليئة بأكواب الشاي، مرت على غرف أولادها واحدةً تِلو الأخرى، قدمت لكل منهم كوبه الساخن، ليوقظ ذهنهم ويعينهم على الاستيعاب.

ثم وصلت إلى الردهة حيث يجلس زوجها أمام التلفاز يتابع إحدى حفلات كوكب الشرق السيدة “أم كلثوم”المسجلة، فناولته الكوب وقالت بابتسامة يملؤها الرضا:

– اتفضل الشاي يا ابو كريم

تناوله منها وتحدث بابتسامة هادئة:

– تسلم ايدك يا ام كريم

وأشار لجواره:

-تعالي ريحي رجليكي،ربنا يجازيكي خير على تعبك معانا

جاورته الجلوس وأمسكت بكوبها، فيما ارتشف هو من كوبه بشرودٍ لاحظته “سامية”، فسألته باهتمامٍ:

-مالك يا اخويا؟ فيه حاجة مضايقاك؟

أخذ يتنفسُ بعمقٍ قبل أن ينطق بصوتٍ يملؤه الهم:

– الدنيا بقت صعبه أوي يا سامية، البنت كبرت ومحتاجه تتجهز، وزي ما انتِ شايفه، الحال على القد، ويا دوب اللي جاي على قد اللي رايح

مسحت على كتفه بمؤازرة، ونطقت بنبرة يملؤها التفاؤل لتخفف عنه:

-روق كده وصل على النبي، ما تشيلش هم بكرة، ربك هيدبرها ان شاء الله، بكره رشيد يتخرج ويشتغل

وتابعت بنبرة متفائلة:

– بيقولوا فلوس البترول دي حلوة أوي، يمكن ربنا يكرمنا فيه ويشتغل في مكان حلو، وساعتها يساعدك في جهاز اخته

وعلى ذكر اسمه خرج من غرفته لينطق بممازحة وهو يتطلع على والديه:

-ده ايه الروقان اللي انتوا فيه ده،قعدة حلوة وأم كلثوم، وشاي

وتابع وهو يغمز لأبيه ممازحًا:

-مش كبرنا على الشقاوة دي ولا إيه يا حجوج.

تعالت ضحكاتهما على ملاطفة نجلهما، قبل أن يلتقط الهاتف ويمضي نحو غرفته، تاركاً خلفه نظرات والده المستغربة وتساؤلاته الحائرة:

-هو ابنك بيكلم مين كل يوم في نفس الميعاد يا سامية ؟!

ردت ببرود:

-هيكون بيكلم مين يعني، تلاقيه واحد صاحبه.

******

عاد إلى منزله بصحبة والديه،وما إن خطت قدماه إلى الداخل حتى هرع إلى غرفته متلهفاً، أمسك بسماعة الهاتف وطلب رقم عزيزة العين والروح، فجاءه صوت والدتها مرحباً به بحفاوة:

-ازيك يا “علي”وازي ماما وبابا

-بخير يا ماما الحمدلله… قالها بفتورٍ ليتابع متلهفًا:

-ممكن بعد اذنك أكلم داليا

-أه طبعاً يا حبيبي، هدخل لها التليفون حالاً…وضعت سماعة الهاتف جانبًا وتحركت صوب غرفة ابنتها، فتحت الباب لتجدها مستلقية بوضعية الجنين فوق السرير، فنطقت وهي تتطلع إلى الهاتف القابع على الطاولة المجاورة لسريرها:

-ارفعي سماعة التليفون علشان “علي” على الخط يا داليا

بعينين ثابتتين في نقطة اللا شيء، همست بخفوتٍ وروحٍ مكسورة:

-قولي له نايمة.

رفعت حاجبها استنكارًا، ثم قالت بلهجة حادة:

-ما انتِ صاحية يا بنتي وبتردي عليا اهو!

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية جاسر وعزة - عشق الحور الفصل الثالث 3 بقلم نسمة مالك

هتفت بنبرة حادة وقد استنزفت آخر قطرات صبرها:

-يــــو يا ماما، قولي له زي ما قولت لك وخلاص.

أشاحت الأم بيدها وهتفت بلهجة غاضبة:

-وأنا هوجع قلبي ليه، يكش تولعوا انتوا الاتنين.

رفعت السماعة وتمتمت ببرودٍ:

-بتقول لك نايمة يا “علي”

أغمض عينيه يعتصرهما بشدة، ثم تمتم بنبرة غُلفت بانكسارٍ مرير:

-تمام يا حبيبتي، تصبحي على خير.

أطلق زفرة حارة، ثم تحرك نحو سريره ليلقي بجسده المنهك فوق الفراش، راح يتأمل سقف الغرفة، ويمزقه الندم وهو يلوم نفسه على ما بدر منه، وكيف تسبب في حزن حبيبته ونزول دموعها.

******

في الصباح، اجتمعت السيدة رقية وعائلتا نجليها في الفيراندا بعد تناول وجبة الإفطار، هتفت دليلة تسأل جدتها ببراءة:

-هما عماتي هييجوا امتى يا تيتا، أصلهم وحشوني أوي

ارتشفتْ السيدة من كوبِ الشاي وهمت بالردِ، لكن صوت “لُبنى” الساخر قاطعها:

-لحقوا يوحشوكي امتى يا دليلة، دول لسه ماشيين من كام ساعة يا ماما؟!.

رمقتها الجدة بنظراتٍ فاحصة، ثم قالت بتهكمٍ لاذع:

-ماشاء الله عليكِ يا بنت محمد، طالعة لأمك في كل حاجة

ثم لوت ثغرها بازدراء وأردفت بلهجة متهكمة :

-على رأي المثل، إكفي القدرة على فمها تطلع البنت لامها

تجهمت ملامح سوزان، وانتفضت تسألها بنبرة جافة:

-حضرتك تقصدي إيه يا طنط؟

تطلعت “منى” على زوجها بريبة، بينما تدخل محمد مسرعًا ليقطع عليهما حبل الحديث، حاسمًا صراعًا كاد أن يشتعل:

-ماما ما تقصدش حاجة يا سوزان.

ومال يهمس لها:

-أرجوكِ عدي الزيارة دي على خير، وأنا اوعدك، مش هتنزلي البلد تاني غير في المناسبات المهمة أوي

أجابته بهمسٍ غاضب:

– والله ما بقيت طايقة انزلها ولا حتى في المناسبات يا دكتور.

وقف صادق وتحدث إلى والدته:

-أنا هتصل بالبنات ييجوا علشان ننزل نشتري الهدايا يا ماما

نطقت منى بصوتٍ خافت مراعاةً لمشاعر زوجة أخيه، كي لا تشعر بالتفرقة في المعاملة بينها وبين شقيقاته:

-خد دكتورة سوزان ولُبنى معاك يا صادق

رمقتها رقية بنظراتٍ نارية، قبل ان تهتف برفضٍ قاطع:

-هتروح فين يختي وتسيب البيت يضرب يقلب، مواعين امبارح مكومة جوة محتاجة تتغسل،وهتزودو أكل على بتاع امبارح علشان يكفي

وتابعت بوجهٍ عابس:

-البنات مش هيعملوا حاجة النهاردة، كفاية عليهم هدت حيلهم في اليومين اللي فاتوا

تطوعت لمنع تجدد الاشتباك مرة أخرى بين المرأتين :

-انا هعمل كل حاجة يا طنط، لازم يختاروا الهدايا على ذوقهم ومقاساتهم

تحدث صادق بهدوء:

-اتفضلي اجهزي يا دكتورة، وانا هكلم البنات حالاً.

ردت بترفعٍ وعزة نفس:

-ميرسي لذوقك يا أستاذ صادق ،وصدقني ملوش لزوم، أنا والولاد مش محتاجين حاجة

– هترفضي الهدية ولا ايه يا دكتورة؟

رد محمد سريعًا:

-هي ما تقصدش يا صادق، بس احنا مش حابين نغرمك

-يا سيدي غرمني أنا راضي… قالها ممازحًا شقيقه، وتابع:

-قوم جهز نفسك انتَ كمان علشان نخرج كلنا مع بعض

ثم التفت نحو والدته وتابع حديثه بنبرة حنونة:

-وانتِ يا ست الكل، مش هتنزلي معانا؟

-هو انا بقى فيا حيل للخروج واللفلفة يا صادق

حاوطت كفه بخاصتها وهي تقول:

-أهم حاجة تراضي اخواتك البنات، دول غلابة وأي حاجة بترضيهم.

انسحب محمد وعائلته إلى الأعلى لتبديل ملابسهم، بينما توجهت منى إلى المطبخ؛ ليخلو المكان للسيدة ونجلها المقرب إلى قلبها، تحدث إليها بهدوء:

-مالك ومال سوزان يا ماما، مش طايقة وجودها في البيت ليه؟

هتفت وكأنها كانت تحتاج لمن يبادر بسؤالها:

-دي هي اللي مش طايقة نفسها من ساعة ما رجلها خطت البلد يا ابني، شايف قاعدة تبص علينا وعلى البيت ازاي؟ محسساني إنها الملكة نازلي واحنا عبيد أبوها

لم يستطع كبح ضحكاته أمام سخرية والدته، ليقول بعدما استعاد هدوءه:

-معلش يا حاجة، تعالي على نفسك شوية واستحملي علشان خاطر محمد ما يزعلش، وبعدين دي في بيتك ، يعني ضيفة والضيف ليه حُسن الضيافة، ولا إيه يا حاجة رقية

مال يقبل يدها لتبتسم، وتمرر يدها الأخرى فوق شعره بحنان، استمتع بلمستها كأنه عاد طفلاً، تمدد على الأريكة واضعًا رأسه في حجرها، فغمرت السعادة قلبها،مررت أصابعها الدافئة بين خصلات شعره برفق وعطف شديدين، كانت حركاتها البطيئة تداعب خصلات شعره كأنها تغزل له خيوطًا من الأمان والطمأنينة،ومع كل لمسة حانية من أناملها، كان يفرغ شحنات تعبه ، فتساقطت أثقال الحياة عن كاهله، استسلم تمامًا لهذه اللمسات، وأغمض عينيه بارتياحٍ عميق، مستمعًا إلى أنفاسها الهادئة التي بدت له كأجمل لحن في الكون يعيد لروحه السكينة التي افتقدها طويلًا في رحلة سفره الشاقة.

همس يسألها وقد تملك الحنين للماضي من كيانه:

-فاكرة زمان يا ماما، ما كنتش بنام ولا عيني تغمض إلا لما تلعبي لي في شعري

-من يومك وانتَ حنين يا صادق.

أخذ نفسًا عميقًا وهو يقول:

-ربنا يخليكي لينا وتفضلي منورة دنيتنا يا ماما.

تسللت الراحة إلى صدرها من جراء كلماته، فأتسعت ابتسامتها تلقائيًا، ولم تتوقف يدها الحنون عن تخلل خصلات شعر ذلك الخلوق.

تحدث إليها من جديد:

-بقول لك إيه يا ماما، ما تيجي معانا تقعدي لك أسبوع؟ وبالمرة تشوفي ذوقي في البيت الجديد، الجو هناك هيعجبك أوي.

أشرق وجهها بابتسامة دافئة وهي تهمس لولدها بملاطفة:

-أسبوع بحاله!، طب قول يوم ولا حتى يومين تبقى مبلوعة،ما انتَ عارف إني مبعرفش أقعد ولا ارتاح غير في بيتي يا صادق

تعجب من حديثها فنطق مستنكرًا:

-طب ما هو بيتي هو بيتك يا ماما.

ربتت على ذراعه وهي تقول:

-ربنا يجعله عامر بحسك وحس عيالك يا حبيبي

وتابعت بنبرة حنون:

-انتَ مش بتقول انك هتدبح عجل علشان ربنا يبارك لك في البيت ويكفيك شر العيون

أومأ لها فتابعت:

-خلاص، يوم ما تدبح هاجي لك أنا واخواتك البنات، نبارك لك ونجيب لك الواجب بتاع البيت معانا، ونقعد يومين معاك.

-تنوري القاهرة كلها يا ست الكل…تبسمت له وتابعت بمداعبة شعره بلمساتٍ تشعُ حنانًا.

******

تجلس خلف مكتبها في أجواءٍ مشحونة بالتوتر، الكل يراقب تلك العابسة التي تعقد حاجبيها بشدة، عينيها مثبتتين على الأوراق التي أمامها بتركيزٍ مبالغ، على بُعد خطوات قليلة، وفي المكتب المواجه لها تماماً، كان ساندًا ظهره للخلف، تاركاً مكتبه شاغراً بملفات لم يلمسها منذ أن حضر، كانت عيناه تتبعان كل حركة تصدر عنها، يراقب غضبها الطفولي، طريقة قلبها للأوراق وحتى زفراتها الحارة، ينظر إليها بحزن عميق، متمنياً لو ترفع عينيها لثانية واحدة، ليخبرها عبر النظرات عن حجم أسفه وعن الرغبة العارمة في محو ذلك الخلاف السخيف.

لم يعد يحتمل فهب واقفًا ليتجه نحوها، مال على مكتبها وهمس:

-هو احنا هنفضل زعلانين كده كتير؟

لم تعر لحديثه أدنى اهتمام، بل تابعت عملها بجدية تامة، زفر بحدة قائلاً:

-داليا

لم يجد منها ردًا فتابع:

-بصي لي يا داليا، داليا بصي لي.

قال الأخيرة بعصبية حادة لترفع وجهها إليه هاتفة بحدة:

-عاوز إيه يا علي؟

بنبرة أشبهُ بالهمس الباكي أجابها:

-عاوزك ترضي يا داليا، مش عارف أركز لا في شغلي ولا في أي حاجة من امبارح

-والمطلوب؟!… قالتها بجدية وصرامة، لينطق بضعفٍ:

-ترضي يا داليا.

هتفت بقوة:

-انتَ عارف كويس إيه اللي هيرضيني، بس انتَ ولا عاوز تريحني ولا تريح نفسك

تنهد قبل أن يقول بوعدٍ:

-هعمل لك كل اللي انتِ عوزاه

-امتى؟! قالتها بحزمٍ ليجيبها واعدًا:

-أول ما خالي صادق يمشي هفاتحهم في الموضوع

رمقته بنظراتٍ حارقة ليتابع هو متعللاً:

-مهو مش معقول يعني الراجل جاي يقعد معانا كام يوم، أقوم أنا ضارب كرسي في الكلوب وأقفل الليلة،

وتابع مفسرًا:

-هو انتِ فاكرة إن فيفي هتعديها؟!، دي هتخرب الدنيا وهتقلب الترابيزة على الكل .

-دي أخر فرصة ليك يا “علي”

استفزه اسلوبها ليسألها متحديًا:

-وبعدها هتعملي ايه بقى ان شاءالله؟!

لم تستطع التماسك أكثر فانهارت لتقول وهي تحجز دموعها بمقلتيها بصعوبة:

-حرام عليك اللي بتعمله فيا ده يا “علي” ، أنا تعبت، والله تعبت.

اعتصر قلبه حزنًا عليها وهمس بصوتٍ حنون غامرًا إياها بنظراتٍ تشع غرامًا:

-هو انتِ مش بتثقي فيا يا داليا؟

همست بهدوءٍ:

-لو ما بثقش فيك مكنتش سلمتك قلبي وأمنتك على نفسي يا علي، بس ماما كل شوية تسألني عن الموضوع وانا أصبرها وأقول لها خلاص هانت، وهيفاتحهم قريب، وانتَ مش مقدر حجم الضغط اللي انا فيه،ماما قلقانة من رد فعل أهلك ودا حقها يا علي.

نطق يوعدها:

-والله العظيم هقول لهم أول ما خالي يسافر، عاوزة حاجة تاني؟

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية كشماء الفصل الرابع 4 بقلم سعاد محمد سلامة

تلاقت العيون فتوقف الزمان عن الدوران لينصت فقط لنبضيهما، تطلعت في عمق عينيه، ليغوصا معاً في بحرٍ عميق من الغرام المتجدد، حيث لم يعد هناك مكانًا للخصام، طالعته بدفءٍ وهي تتأمل صدق اعتذاره المرسوم في تفاصيل ملامحه،وترقرقت في عينيها لمعة رضا ،أشرقت على شفتيها ابتسامة حنونة، حملت في طياتها صك الغفران، لتعلن بها نهاية الجفاء وولادة فجر جديد لقصة عشقهما العظيم.

******

كان يذرع موقع حراسته إيابًا وذهابًا، وعلامات الاضطراب باديةً عليه،ما أن انتهت مناوبته حتى هرع إلى الكانتين وطلب من الشاويش “فتحي”أن يهاتف عائلته مرةً أخرى، وبعد عدة محاولات منه وافق الرجل مضطرًا، بناءًا على المعرفة التي تربطه بالسيد “عزام”، طلب رقم منزل جدته، ثم انتظر الرد.

كان البيتُ شبه خالٍ إلا من السيدة الجالسة فوق مقعدها الأثير بالفيراندة، تتأمل ملكوت الله وتسبح بحمده على مسبحتها الخشبية، والسيدة “منى” المنغمسة في شؤونها المنزلية وتجهيز ما نقص من وجبة الغداء، في الحديقة، كان بعض أطفال العائلة يركضون ويمرحون، وكانت هي الأخرى تلهو مع شقيقها والبقية، حين تناهى إلى مسامعها صوت جدتها تناديها:

-التلفون بيرن يا دليلة، اجري بسرعة شوفي مين ليكون أبوكِ

هرعت صوب الهاتف الأرضي، والتقطت السماعةَ بلهفةٍ قائلةً بصوتٍ يفيضُ حماساً::

-ألو،مين بيتكلم

لم يتعرف على صاحبة الصوت فسألها:

-أنا أشرف عزام، مين اللي معايا؟

هتفت بحماسٍ بعود لعشقها لكل ما هو تابع لعمتها “فاطمة”:

-أنا دليلة يا أشرف

انتفض قلبه فرحًا دون أن يعي السبب، ليتساءل بلهفة:

-أزيك يا دليلة، عاملة إيه يا بنوتة

إبتسمت لدلال ابن عمتها المفضلة وقالت:

-الحمدلله كويسة.

ارتفع صوت الجدة وقد تملكها الفضول:

-مين يا دليلة؟!

رفعت صوتها لكي يصل إلى تلك العجوز:

-دا أشرف إبن طنط فيفي يا تيتا

-طب هاتي لي التليفون بسرعة… استمع لصياح جدته فتحدث سريعًا:

-طمنيني الأول عليكِ، مبسوطة إنك رجعتي مصر؟

اتسعت ابتسامتها وهي تقول:

-أوي أوي، متتخيلش فرحت قد إيه

-هشوفك لما أنزل أجازة أكيد…قالها بنبرة ناعمة فابتسمت تجيبه بمجاملة:

-إن شاءالله.

ناولت الهاتف لجدتها وهرولت إلى شقيقها تتفقده كما وصاها والديها.

عاد صادق وباقي أفراد العائلة قبل غروب الشمس، محمّلين بالهدايا الثمينة التي أدخلت الجميع في حالة مزاجية رائعة، لم يبخل عليهم بأي شيء، بل غمرهم بمحبته وكلماته الطيبة وحسن لسانه قبل ماله، مما جعل شقيقاته، وبالأخص عايدة، يشعرن بسعادة تطال عنان السماء.

اشترى عِقدًا من الذهب الخالص وقدمه لوالدته مما أدخل السرور على قلبها، لا لحاجتها للمشغولات الذهبية فلديها منها العديد من القطع،بل لأنها لمست مدى اهتمامه الكبير وحرصه على كل ما يسعدها.

تناول الجميع الطعام والحلوى التي اشتراها صادق، ثم رحل محمد وأسرته محملين بالهدايا التي غمرهم بها شقيقه.

******

بعد عدة أيامٍ، تحركت عائلة رجل الأعمال الثري “منير الخولي” في قافلة من السيارات السوداء الفارهة، تتهادى ببطء مهيب كأنها موكب ملكيّ يشق صمت المدينة، استقل السيد “منير” وزوجته المقعد الخلفي لسيارتهما خلف السائق الخاص، بينما استقل “سامح” وزوجته سيارة ثانية، وفي سيارة أخرى، جلست “نهلة” برفقة شقيقها “رفيق” الذي رافقته خطيبته “يارا”. ويُعد “رفيق” الابن الثاني بعد “سامح”، والوحيد الذي ارتبط عن قصة حب نشأت بينه وبين شقيقة صديقه بالجامعة، ولولا التوافق المادي والاجتماعي بين العائلتين، لما وافقت السيدة “رانيا” على تلك الخطبة .

وفي سيارة أخرى، كان “تامر” يرافق شقيقه الأصغر، وكيل النائب العام “رائد الخولي”، تتبعهما سيارتان مدججتان برجال الحراسة الخاصة، لتأمين «حوت الأعمال وعائلته»

وقفت السيارات أمام بوابات ذلك المنزل المهيب، حيث يتأهب الحراس بملابسهم الرسمية المنسقة لفتح الأبواب، ترجل الجمع، وتحركت تلك العائلة الأرستقراطية بخطواتٍ مدروسة.

استقبلهم عند مدخل المنزل رئيس الخدم ببدلته الرسمية، ليقودهم عبر ردهة واسعة تتزاحم على جدرانها لوحاتٍ تجمع سيد المنزل ببعض رموز الدولة

في صالون الاستقبال الفخم، كان “معالي المستشار” وزوجته بانتظارهم، لم يكن اللقاء مجرد خطوبة، بل كان أشبه بجبهتين ديبلوماسيتين تلتقيان لتوقيع معاهدة سلام ومصالح مشتركة، جلست العائلتان وحضرت العروس كانت باهرة الحُسن، فتاة في مقتبل العمر تشع حيوية ونقاءً، مما أثار دهشة “نهلة” وعجبها من رضوخ هذه الجميلة لزيجة تراها مهينة بكل المقاييس،تحركت العروس لتُلقي تحيتها على الحضور، فبادر تامر بالوقوف متوددًا بعدما شاهد جمالها المبهر، واقترب منها بابتسامة استطاع رسمها على وجهه ببراعة هائلة وهو يقول:

-أنا تامر الخولي

بادلته التحية بابتسامة تفيض مرحاً وجاذبية، ثم بدأت تُعرفه بنفسها بثقة:

-“نيللي الشريف”.

جلس الخطيبان جانبًا يتحدثان، وكان يبدو عليهما الانسجام والرضا، مما زاد من حيرة نهلة التي تنهدت باستسلام، واقتنعت أخيرًا بأن البشر مختلفون من حيث التفكير والاحتياجات والأولويات .

انتهت المقابلة بالتوافق بين جميع الأطراف، والاتفاق على موعدًا لإعلان الخطبة.

******

بعد مرور عدة أيام، اجتمعت عائلة الخولي حول مائدة الغداء في أجواء شبه رسمية، تخلو من الحميمية ودفيء العائلة، التفت منير صوب ابنته، وارتسمت على شفتيه ابتسامة تحمل في طياتها مغزى عميقاً، ثم قال بنبرة سعيدة لأجلها:

-شكلنا كده داخلين على خطوبة جديدة، وممكن كمان نعمل الخطوبتين في نفس الحفلة، وبدل الفرحة تبقى فرحتين.

تطلعت على ابتسامة والدها ببلاهةٍ وعدم استيعاب،بينما اتسعت ابتسامة رانيا التي التقطت مغزى حديثهِ وسألته بحبورٍ تجلى بنظراتها:

-طب ما تفرحنا معاك يا باشا.

نطق وهو يغمر ابنته بنظراتٍ تفيضُ حنانًا:

-فيه عريس متقدم لـ”نهلة”، بس إيه، لقطة زي ما بيقولو

ازدردت “مايا” لعابها والتفتت سريعًا إلى نهلة التي اتسعت عينيها ذهولاً،بينما سألته رانيا والفضول يحركها:

-مين دا يا منير، حد نعرفه؟

أجابها بفخرٍ وزهو:

-إبن رجل الأعمال “عزت مرجان”، إبنه لسه راجع من ألمانيا، درس الطب هناك في جامعة «هايدلبرغ»، وبعد التخرج إشتغل خمس سنين هناك، ولسه راجع مصر من شهر علشان يتجوز،بباه فاتحني النهاردة في الموضوع.

نطقت رانيا بابتسامة أنارت وجهها:

-أنا شايفة إنه عريس مناسب جداً من حيث المبدأ

وتابعت متجاهلة رأي ابنتها كالعادة:

-اعزمه على الشاي بكرة يا منير، وخليه يقعد هو و” نهلة”يتعرفوا على بعض.

لم تشعر بنفسها إلا وهي تنتفض واقفة والشرر يتطايرُ من عينيها، بعدما أحست بالمهانة كسلعةً تُباع وتُشترى في سوق النخاسة، شقت صمت المكان بصرخة اعتراض دوت من أعماق قلبها قبل أن تهز الجدران بصداها:

-أنا لا يمكن أتجوز بالطريقة المهينة دي يا بابا.

******

داخل منزل صادق بدران، حيث عاد مع عائلته من المنصورة منذ يومين لمتابعة تقديم الاوراق الخاصة به هو وزوجته لأماكن العمل، تحدث إلى ابنته يوصيها:

-انا خارج أنا وماما رايحبن نزور جوز خالتك علشان تعبان شوية، وهناخد أخوكِ معانا، وانتِ خلي بالك على نفسك لحد ما نرجع

اومأت له بطاعة وهي تقول:

-حاضر يا بابا

نزلت الأم من فوق الدرج مرتدية كامل ملابسها هي والصغير، تحدثت إلى ابنتها قائلة:

-الأكل جوة على البوتجاز، لو جوعتي إغرفي لنفسك، واوعي تولعي البوتجاز يا دليلة، فهماني،

وتابعت مؤكدة:

-إوعي

-مش هولع حاجة يا ماما أنا أصلاً مش جعانة، أنا هطلع أخد شاور وأقعد اتفرج على التليفزيون على ما تيجو.

خرج الأب بصحبتهم، تاركين الفتاة بمفردها. صعدت على الفور إلى الحمام لتنعم بجرعة دافئة تُنعش روحها، خرجت بعد قليل مرتدية قميصًا قطنيًا قصيرًا يتدلى أسفل ركبتيها وبنصف كُمّ. مشطت شعرها وتركته منسدلاً خلف ظهرها، في مظهرٍ أضفى عليها سنًا أكبر من عمرها الحقيقي، أحضرت بعض الفاكهة من البراد، وجلست أمام التلفاز تتابع أحد أفلام الرسوم المتحركة بنشوة، فجأة ارتفع صوت جرس الباب، تحركت لتستطلع الأمر، وكادت أن تفتح الباب لولا أن استدعت ذاكرتها نصائح والدها الحازمة بعدم فتح الباب لأي طارق قبل التحقق من هويته عبر العين السحرية، اقتربت بالفعل ونظرت، لتلمح شابًا يرتدي زيًا عسكريًا ويحمل على ظهره حقيبة ضخمة. حبست أنفاسها وهمست بصوتٍ خافت:

-مين؟

انطلق صوته من وراء الباب المغلق:

-أنا أشرف عزام، افتحي يا دليلة.

******

بنفس الوقت، داخل مدينة المنصورة، جلس علي أمام والديه بعدما ابلغهم أنه يريد أن يبلغهم بأمرٍ هام، جلس بيدين مشتبكتين ،

في الوقت ذاته، وداخل مدينة المنصورة، جلس “علي” أمام والديه مرتبكًا،يشبك كفيه ببعضيهما بتوترٍ تجلى بنظراته الزائغة،ورأسٍ مائلٌ يتطلع للأسفل،فقد أخبرهما برغبته في إطلاعهما على أمرٍ هام،صاح السيد عزام غاضبًا بعدما نفد صبره وتملكه الشك:

-فيه إيه يا ابني؟!، ما تنطق

أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بصوتٍ خفيض:

-فيه حاجة أنا عملتها ولازم تعرفوها.

 

لو عاوز تقرأ الفصول الجديدة من الرواية دي بشكل حصري قبل صدورها وتشوف الروايات الجديدة وتطلبها

انضم لينا على الفيس بوك (من هنا)

و

أنضم لقناتنا على تليجرام (من هنا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top