رواية قدري الأجمل الفصل التاسع 9 بقلم ندا الهلالي
رواية قدري الأجمل الفصل التاسع 9 بقلم ندا الهلالي
البارت التاسع
{هل أحب صوره؟؟! ….لمجرد أنها شبها فأصبح أسيرها}
أوبسيدين مش مصدقة، مش مستوعبة اللي أنا شايفاه قدام عيني.
مكة حركت رأسها تنظر تارة لتميم الذي يمسح وجهه بتعب، وتارة لتلك التي تبتسم ببلاهة.
قربت الهاتف منها:
— بصي ازاي شبهك.
شهقة بدون قصد خرجت من مكة…
— دي أنا.
ضحك تميم عاليًا:
— آه غفلناكي وأنت بشعرك.
— الله يسامحك يا عمتو… سلوى قطعت علينا لحظة نكد… إنما إيه كانت هتقلب بإكتئاب.
في حين مكة نظرت بفتح فم لا تستوعب شيء…
سلوى وهي تقترب تحرك أناملها على وجه مكة ودموعها تجمعت في عينها:
— أنا لولا مصدقة أن أوبسيدين ماتت كنت قولت أنها إنتِ.
تميم قطع صمت مكة والرهبة التي في عينيها:
— أحم… أوبسيدين دي تبقى ماما، الله يرحمها.
مكة بصدمه:
— نعم!!!!!
ضحك تميم عاليًا:
— انتِ تعرفي أن عملت ليكي تحليل نسب لما شوفتك.
جحظت مكة عينيها بصدمه لا تستوعب شيء.
همت سلوى واقفة تمسح دموعها لتقول بجد:
— هات ضيفتك على أوضة السفرة يا تميم علشان الغداء جاهز.
ما إن خرجت… حتى همت مكة واقفة بصدمه:
— معقوله اللي أنا شوفته ده.
تميم بابتسامة:
— ودلوقتي نصدق مقولة: يخلق من الشبه أربعين.
مكة وهي تربط يديها أمام صدرها:
— وأنا أقول لازق فيا ليه… اتاريك لقيت حنان الأم.
ضحك تميم عاليًا بقهقهة…
ولكن توقف فاجأه:
— انت طلبتي إيدي دلوقتي؟!
مكة هزت رأسها بلا:
— ده قبل ما أعرف إنك شايفني أمك يا دكتور.
تميم رفع حاجبه:
— أمك!!!!! طيب تعالي يا ماما علشان نتغدى.
مكة هزت رأسها بلا سريعًا:
— أنا معرفش حد هنا… وبعدين متشكرة ليك لحد كده… أنقذتني، روحني بقى لو سمحت.
تميم برفع حاجب:
— مش قبل ما أملّي بطني.
مكة بهدوء:
— طيب خرجني من مغارت علي بابا دي وأمليها براحتك.
تميم بنفي:
— تؤتؤتؤتؤتؤ.
ضربت الأرض بغضب:
— طيب آتفضل روح آمليها… وأنا هستناك هنا.
تميم وهو يدعي الحزن:
— حد قلك أننا بخلي ولا عاوزه عمتو سلوى تزعل؟
مكة بغضب:
— يا بني… هو أنا أعرفك انت… ولاعمتك انت هتصاحبني؟
تميم بضم حاجب:
— هصاحبك!!!!
وما كاد يتحدث مرة أخرى… حتى فتح الباب لتقول بقوة وسرعة، وهي تمسك كف مكة تتحرك بها للخارج:
— انتوا واقفين عندكم بتعملوا إيه؟ يلا… الأكل هيبرد!
تحركت مكة معها غصب عنها وهي تسحب يديها… نظرت للخلف على تميم بغضب، في حين تميم رفع يديه لأعلى باستسلام.
ــــــــ$$$$$$$$$$$$$ـــــــ$$$$$$$
عند مها… محمود شارد لا يستوعب شيء…
فاطمة تبكي بحرقة…
ساعات مرت بألم… الكل ينتظر شيء واحد فقط: إجابة مها على السؤال الذي يدور في أذهانهم:
كيف؟ ومتى؟!
وأخيرًا خرجت الطبيبة تقول بهدوء شديد:
— الحمد لله… هي بقت أفضل دلوقتي وما فيش أي إصابات عليها ولا على الجنين.
مالك الذي يشرد بعيدًا…
محمود لم ينتظر، هرول إليها كالمجنون…
كانت تشرد في السقف… الكانولا في كف يديها…
كان يستند على مقبض الباب، يقف أمام الباب بقدم للخلف وقدم للأمام، يريدها أن تكذب العلم والواقع… ليقول أنها أحبّت مالك أحب إليه من أن يقول إنها كانت هي تلك الليلة المشؤمة.
شعرت بحركة في الغرفة… ولكن ظنت الممرضة أو الطبيبة…
ولكن استوقف عقلها صوته المكسور:
— مها!!!!!
انْتفض جسدها لتحاول الجلوس ببعض التعب…
— أزيك يا محمود.
قاطعها محمود بسؤال جعلها تشل ثواني:
— اللي في بطنك ده ابني؟!
فتحت عينيها بصدمه… ثواني… ثم فتحت في بكاء شديد وكأن أخيرًا سيبعد هذا الجبل من عليها.
لم ينتظر إجابة، فقد وصلت الإجابة من منظرها…
محمود بدهشه مازال لا يريد أن يستوعب:
— كنت أنت؟!
مها ببكاء هستيري:
— كنت بلعب في تليفون عمي الرحيم لما جاتله رسالة من رقم غريب: “إنك بتسهر كل يوم في بار وبتشرب وبتتعاطى.”
أنا مصدقتش واتصدمت… وما حسّتش بنفسي غير وأنا بعت رسالة بسأله عن عنوان المكان ده…
وما كذبتش خبر، روحت أشوفك بعد ما مسحت الرسالة من تليفون عمي… أنا عارفة هيحصلك إيه لو قرأ الرسالة دي… وياريتني ما روحت… ياريتني ما روحت!
وظلت تضرب على قدمها زي المجنونة…
خلع قلب محمود من مشهدها… ولكن شل مكانه…
أكملت حديثها ببكاء هستيري:
— روحت واحد وصلني على الأوضه اللي أنت فيها… أول ما شوفتك ما استوعبتش الحالة اللي أنت كنت فيها، كنت شكلك شارب جامد… عتبتك وصرخت في وشك… كنت شيلالك حب كبير أوي… كنت بموت في التراب اللي أنت ماشي عليه… وفجأة لقيت نفسي صاحية على كابوس… أكتر شخص حبيته مابقاش اللي حبيته… وياريتك سيبتني، أنا روحتلك برجلي علشان تدمرني وتاخد أغلى حاجة عندي… اتَرَجّيتك كتير ترحمني… بس أنت ما كنتش حتى سامعني…
صحيت لقيت نفسي في المستشفى… ولقيتهم طالبين بابا… ولقيت شرطة… مقدرتش أتهمك.
زادت الضرب على موضع قلبها… رغم اللي عملته فيا… بس ده حبك… ده ضيعني.
— أنكرت… وقلت أنه كان بإرادتي…
وطبعًا مصعب بيه اللي ما يعرفش بنته ولا عمره حس بيها… ما كانش هيبقى صعب عليه أن يموتها بدم بارد…
وانت عند مصعب ولا حاجة؟ شاب فقير أخذ شرفه… كان هيموتك بدم بارد… ومش هيحس أنه عمل حاجة.
اضطريت أرمي التهمة على مالك الهلالي… اللي مستحيل مصعب يستجرأ يرمش ليه…
وزي ما توقعت… كان فرحان أن اللي أخذ شرفه وشرف بنته راجل أعمال كبير…
روحت لمالك وترجّيته يساعدني علشان مكة مش علشاني…
مكة هتروح فيها لو حصل لك حاجة…
مالك عذبني واتهمني أني عايزة كده… عيّشني أسوأ أيام… إني أنا اللي حبيت آخون صاحبتي… بس هو كمان سكت علشان هو كمان خاف عليها أكتر مني…
ودفع تمن حاجة هو ما عملهاش… مصعب بعني… لمالك… أيوه، مالك أداه مليون جنيه واتجوزني…
لا أنا ولا هو كنا عارفين إحنا بنعمل إيه…
هو عمل كده علشان بيحبها… وأنا عملت كده علشان بحبكم…
مالحقناش نفكر… كانت كل حاجة جت علينا…
مالك ما كانش يعرف إني حامل… اتفاجأ زيه زيك بالظبط.
توقفت فجأة… مع ذلك الصوت… الذي هز أركان الغرفة…
ولم يكن سوى رحيم الذي أنزل بكف يده على وجه ابنه، وهو ينظر عليه بحسره وخيبة رجاء وندم على تعبه طول هذه السنين.
— {وفي النهاية أكثر من يخذل من الأبناء الآباء… فأتقوا الله في جفون لا تنام حتى تناموا}
ــــــــــ—–&&&&&&&&&——–&&&&&&——-
نرجع عند مكة… 🖤🌚🌚
خرجت مكة من الممر الضيق، كأنها بتخرج من عالم وتدخل عالم تاني.
الصالون واسع، بس إحساسه دافي… ريحة أكل بيت حقيقي، وضحكات مكتومة طالعة من جوه.
أول حد وقعت عينيها عليه…
كان شاب في الثانوية، يقف بجانب النافذة، يديه متشابكتان، وعيناه العسليتان تراقبان كل حركة. ملامحه الخشنة قليلاً بسبب قلة النوم أو التعب، لكن هناك شيء في وقوفه وثقته بنفسه يشير إلى عزيمة لا تُكسر.
{آسر العاصي = ابن عم تميم}
وعلى مقعد بعيد، كانت تجلس بهدوء، شعرها البني الداكن يغطي جزءًا من وجهها، وعينها الخضراء تتأمل المكان بصمت. حركاتها الصغيرة الدقيقة أثارت فضول مكة، لكن لا شيء في سلوكها يشير مباشرة إلى ما تخفيه.
{رهف العاصي = أخت آسر}
— «يعني دي المفاجأة؟!»
الصوت سبق الشخص.
ثم ظهر مشاكس العائلة، شعره الأشقر المتطاير وعيونه الزرقاء، حركته السريعة وابتسامته العريضة جعلت مكة تتساءل: هل هو هنا للمرح أم للفتنة؟
ضحكاته المفاجئة وكلماته المبعثرة أضافت جوًا من الفوضى المرحة، وكسر قليلًا حدة الموقف.
دخل كأنه إعصار صغير… ضحكة عالية، حركة إيدين مبالغ فيها، وقعد من غير ما يستأذن.
بص لمكة من فوق لتحت، وغمز بعين واحدة:
— «يا سلام! تميم، هو انت بتخطف ناس ولا إيه؟»
مكة فتحت فمها لتتكلم… ما لحقِتش.
— «استني… لا لا، سيبيني أقول… دي يا جماعة يا إمّا قريبة، يا إمّا نسخة، يا إمّا حلم جماعي!»
ضحكة طلعت من حد… بعدها ضحكة تانية… الجو كله خف فجأة.
الشخص ده كان بيتحرك كأنه صاحب المكان، وبيتكلم كأنه صاحب الكل، ومن أول دقيقة واضح إنه النوع اللي ما يعرفش يسكت… ولا يخلي حد متضايق حتى لو حاول.
{سامر العاصي = العم الأصغر لتميم}
تميم قرب وهمس لمكة:
— «خدي بالك… ده أخطر واحد في البيت.»
رفعت حاجبها:
— «ليه؟»
ابتسم بمكر:
— «بيضحكك… وبعدين يقولك الحقيقة.»
أخيرًا، امرأة في منتصف الستينات، كانت تقف عند باب المطبخ، عينها السوداء الثاقبة تتابع كل تحركات الحاضرين، وكأنها تعرف كل شيء عنهم قبل أن يحدث.
صوتها الهادئ عند نطق اسم مكة جعل الجو يهدأ لبرهة، لكنها لم تفقد هيبتها أبدًا.
{فايزة هادي = جدة تميم}
— «اتفضلي يا بنتي اقعدي…»
(وكده نستشف أن تميم حكى للعيلة عن مكة، علشان كده متقبلين وجودها بدون صدمات مبالغ فيها أو تساؤلات عن من هي.)
جلست مكة تحت أنظار الجميع… التوتر يملأ جسدها، ولكنها شعرت بشيء من الآمان والدفء الأسرى.
وكلما نظرت إلى سلوى، تراها تبتسم بخفة، وزين خمارها وكأن وجهها بدر يخرج منه نور ساطع.
أخيرًا أنهت الطعام… وقبل أن تقف، نطقت فايزة بجدية:
— «سبحان الله… لما قلنا تميم… مصدقتش… الله يرحمها أوبسيدين… دي كانت غالية علينا كلنا.»
أغمض تميم عينيه بألم شديد… في حين ابتلعت مكة ريقها لتقول بخجل شديد:
— «الله يرحمها!»
قاطعهم سامر بغمزة لتميم:
— «انت وقعت على أوبسيدين منين ياتميم؟!»
تميم وهو ينظر لتلك التي ستموت من حرجها:
— «قدري.»
قاطعهم صوته الذي قال بهدوء:
— «أنا رايح أذاكر مع كريم صحبي.»
نطقت سلوى ببعض الغضب:
— «انت داخل على شهر وانت مش بتقعد في البيت دقيقتين يا آسر؟»
ما كاد يتحدث حتى نطقت فايزة قاطعة الحوار:
— «سيبيه يا سلوى.»
وأخيرًا وقف تميم ليشد الكرسي لمكة في حركة مفاجئة…
مما جعل سامر يتحدث بمشاكسه:
— «براحة يا روميو… البت هتموت من الخضة.»
ضحك الكل في صوت واحد… في حين انفجرت وجنتا مكة من شدة الحرج.
وأخيرًا، بعد فترة وجيزة، قد استأذن فيها تميم، الذي سحب يد مكة للخارج مباشرة في الجنينة الخاصة بالقصر.
نظرت مكة للجنينة بزهول!!!
حيث جنينة واسعة، مليانة أشجار مرتبة، ممرات حجرية واضحة، ورود ملونة متناثرة، ونافورة مياهها تتدفق في الوسط.
ورغم ذلك، شردت بعيدًا.
نطق تميم وهو يشد كرسي تلك الترابيزة لها:
— «سرحتي في إيه؟!»
تنفست عالياً… لكنها لم تستطيع إخفاء بكائها.
تميم بجد:
— «زمان أهلك قالبين عليكِ الدنيا.»
ولكنه تجمد لثوانٍ من ردها البارد:
— «مش فارقة!»
حركت رأسها سريعًا:
— «ها قولت إيه؟!»
تميم جلس وضع قدم على الأخرى:
— «في إيه؟!»
— «في إنك تتجوزني.»
موافق بس بشرط…
مكة بصدمه:
— «هو انت هتشرط؟ هو انت مش كنت عاوز كده؟»
— «أيوه… بس مش قبل ما أفهم عاوزه تتجوزيني ليه؟!»
تنهدت مكة:
— «متهيقلي انت اتقدمت وأنا وافقت.»
— «لأ… ماكنش ده كلامك قبل الحادثة.»
— «وبعدين مش مستغربه إنك حتى ما حولتش تسأل عن صاحبتك إذا كانت عايشة أو ميتة.»
ولكنه تجمد مرة أخرى بفتح فم:
— «أظن الأفضل تموت.»
تميم انتفض:
— «نعم يا عنيا!»
وهنا لم تستطيع مكة أن تتمالك أعصابها… وبدون سابق إنذار قصّت لتميم قصتها كاملة.
تميم يقابلها القصة تارة بحزن وتارة بابتسامة ونار بأسى…
أنهت كلامها وهي تمسح دموعها بقوة:
— «وماظنش دلوقتي هيبقى حد فارق معايا… اللي بيتوجع أوي بيوجع أوي.»
تميم هز رأسه بلا:
— «أنا شايف إنك هتتسرعي… ممكن تسمعي منهم بدل ما تندمي.»
— «هو أنا لسه هندم يا دكتور؟ أنا خلاص ندمت.»
(مسكينة مكة مش عارفة إنها متسرعة)
تميم أدار ظهره للخلف بإرتياح وقال بتفكير:
— «أمممممم… هتبقى جواز انتقام يعني.»
ولكنها أجابت بثقة:
— «ما أنت هتتجوزني جواز فراغ… لأنك شايف أوبسيدين فيا.»
تميم بابتسامة هادية:
— «ودي حاجة تخليني أشيلك في قلبي وعقلي.»
— «يعني هتساعدني؟»
— «تنتقمي؟!»
— «أيوه.»
— «أفكر… تميم…»
— «خلاص وافقت.»
ليضحكوا معًا…
في نفس الآن دخل سامر وضحك:
— «كخريج تجارة… لو المشروع ده كان عندي في محاضرة الربح والخسارة، كنت حسبت إنه هيكسب بضحكة مكة! دي.»
مكة بصّت لتميم، وقالت بهمس وهي بتضحك:
— «هو دايمًا كده؟»
تميم رد بنفس الهمس:
— «لا… ساعات بيبقى أخطر.»
في الركن البعيد من الصالون، كانت رهف تراقب المشهد بصمت…
ابتسامة خفيفة على شفتيها… ابتسامة ما تطمّنش.
عينها الخضراء لمعت لحظة وهي تشوف مكة تضحك مع تميم… وبنفس اللحظة انطفأت.
اقتربت من مكة…
مدّت إيدها على الطاولة، لفّت خاتمها في إصبعها ببطء، كأنها بتكتم حاجة جوّاها.
اقتربت فجأة، من غير صوت:
— «مبسوطة؟»
سؤال بسيط… نبرته مش بسيطة.
مكة بصّت لها باستغراب:
— «الحمد لله…»
رهف ابتسمت، ابتسامة دافئة جدًا، قريبة زيادة عن اللزوم، ومسكت إيد مكة بلطف:
— «حلو… أنا بحب الناس اللي بتضحك.»
ثانية واحدة…
سحبت إيدها فجأة، ونظرتها تغيّرت، بقت حادة، جارحة:
— «بس خلي بالك… الضحك هنا عمره ما بيكمّل.»
سكتت لحظة… وكأنها بتستمتع بالارتباك اللي زرعته.
-مالك بهزر معاكي
ثم ضحكت ضحكة قصيرة، خفيفة، كأن ولا حاجة حصلت.
مشيت، وتركت وراها إحساس تقيل، خانق، يخلي اللي قدامها يسأل نفسه:
هي طيبة؟
ولا شريرة؟
ولا الاتنين في نفس الوقت؟
تميم بابتسامة ارتباك:
— «يستحسن مالناش دعوة برهف.»
سامر وهو يقول بهمس:
— «صح… يستحسن.»
ابتسمت مكة بلطف، ولكن ما زالت نفضت القلب من رهف بداخلها.
###############
مرّ أسبوع كامل…
أسبوع كان أطول من عمر كامل.
نعود الآن إلى بيت مكة.
رحيم كان واقفًا في منتصف الصالة، صوته عالي ومبحوح، والغضب والخوف متشابكين في نبرته:
— «يعني إيه بنتي اختفت؟!»
مالك واقف أمامه، عيونه مرهقة من السهر، وصوته ثابت بالعافية:
— «قلبت الدنيا… مفيش أي أثر. والكاميرات اللي في المكان مش واضحة حاجة، والزحمة كانت رهيبة بسبب حادثة مها وقتها.»
صمت رحيم فجأة.
كان سكوتًا أثقل من أي صرخة.
شعر في قلبه بثقل الخسارة… خسر كل شيء دفعة واحدة.
محمود ترك المستشفى وفرّ، شايلًا صدمة وخزي عمره كله من ما فعل بمها، غير قادر أن يواجه نفسه أو أي شخص آخر.
وبنته… اختفت.
جلس رحيم على أقرب كرسي، ماسك رأسه بإيده، أنفاسه ثقيلة، وشعر لأول مرة أنه أب فشل.
في أوضتها، كانت مها جالسة على الأرض، ضامة ركبها إلى صدرها، ودموعها تنهمر بلا توقف.
بكاء تقيل، مكتوم، يقطع القلب.
— «يا مكة… يا رب تكوني كويسة…»
كانت تتحدث وهي تبكي، من شدّة خوفها عليها، ومن فكرة أنها تكون وحيدة، تائهة، بلا سند.
حاولت أن تنهض…
لكن الدنيا لفّت بها، رجلاها خانتها، جسمها مال، وكانت على وشك السقوط…
وفي اللحظة ذاتها، التفّت يد مالك حولها بسرعة، شدّها إليه، وحملها بين ذراعيه قبل أن تسقط.
— «مها…»
وفي اللحظة نفسها، فتح الباب.
دخلت مكة، وورائها تميم.
أول ما وقعت عين مكة على المشهد…
رأت مالك شايل مها بين ذراعيه.
وقفت متنّحة، عاجزة عن الحركة… عاجزة عن الكلام.
نظرت، وحزنها كان كافيًا ليقفّل كل شيء حولها.
- لقراءة باقي فصول الرواية أضغط على (رواية قدري الأجمل)