رواية في حمى الهوارة الفصل الثالث 3 بقلم نور محمد
البارت الثالث
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
في العتمة وسط أشجار جنينة القصر، الرعب شل حركة ملك بالكامل. الإيد الخشنة اللي كاتمة نفسها، والصوت الغريب اللي بيهمس في ودنها، خلوها تحس إن نهايتها انكتبت الليلة دي.
المجهول بهمس لزج وأنفاس كريهة: “تؤ تؤ.. على فين يا حلوة؟ فاكرة دخول قصر الهواري زي خروجه؟ ده إنتي صيدة متتعوضش.. أعداء الهوارة كتير، ولما نكسر عين صقر في عروسته اللي هربت في أنصاص الليالي، هيبجى مكسور الرقبة جدام المركز كله!”
ملك بدأت تقاوم بكل ذرة قوة باقية فيها، بتضرب برجليها في الهوا، وبتحاول تخربش إيده اللي على بوقها، بس الراجل كان ضخم جداً.
في لحظة يأس، غرزت سنانها بكل غل في الإيد اللي كاتمة بوقها وعضته عضة خليته يصرخ صرخة مكتومة ويسيبها ثواني.
ملك بأعلى صوت قدرت تطلعه، صرخة شقت سكون الليل: “آآآآآه! الحقووووني!!”
الراجل اتجنن، رفع إيده وضربها بالقلم بكل وحشية على وشها، ضربة طيرتها على الأرض وخبطت راسها في جذع شجرة. الدنيا لفت بيها، والدم بدأ ينزل من شفايفها، بس قبل ما الراجل يقرب منها تاني عشان يسحبها، حصلت حاجة زلزلت المكان.
صوت طلقة رصاص شقت الهوا وعدت من جنب ودن الراجل بالظبط، ضربت في الشجرة اللي وراه!
الراجل اتسمر مكانه، وملك فتحت عينيها نص فتحة وسط دموعها، وشافت في الضلمة خيال مرعب بيقرب بسرعة البرق.
كان صقر!
طالع زي الوحش من العتمة، عيونه بتطق شرار حرفياً، لابس بنطلونه بس وصدره العريض مكشوف وبيتنفس بسرعة غضب أعمى، وفي إيده سلاحه.
صقر بصوت رج الجنينة كلها: “يا ولاد الكـ’ـلب!! بتمد إيدك على حريم الهواري يا كـ’ـلب المطاريد؟!”
الراجل طلع مطو*اة من جيبه وحاول يهجم على صقر، بس صقر كان أسرع وأشرس.
ضربه برجله في صدره وقعه على الأرض، ورمى السلاح من إيده، ونزل فوقه زي الوحش الكاسر.
ضربات متتالية بالبوكس في وشه، كل ضربة أقوى من اللي قبلها، صوت تكسير عضم الراجل كان مسموع في الجنينة.
صقر وهو بيضربه بجنون: “هجتلك.. هطفي نار قلبي فيك يا واكل ناسك! مين اللي باعتك؟ انطج!!”
بقلم.. نور محمد
الراجل كان بيكح د*م ومش قادر يتكلم، لحد ما الحراس اتجمعوا على صوت الر*صاصة والضر*ب، وجريوا يمسكوا الراجل من تحت إيد صقر اللي كان هيمو*ته في إيده.
صقر وقف وهو بينهج، وبص للحراس بوعيد: “الكلب ده يتربط في المخزن تحت، ومحدش يمد إيده عليه ولا يديله شربة ماية لحد ما أفضاله وأعرف مين اللي جراأه يهوب ناحية حريمي!”
صقر لف ببطء ناحية ملك.. اللي كانت لسة واقعة على الأرض، ضامة نفسها وبترتعش زي الورقة في مهب الريح، بتبكي بصوت مكتوم، ووشها عليه أثر الضر*بة والد*م نازل من شفايفها.
الغضب اللي كان في عيون صقر اتحول لمزيج غريب من القسوة واللوم. خطى ناحيتها بخطوات تقيلة، نزل لمستواها، ومسك دراعها بقوة ووقفها على حيلها نترة واحدة.
صقر بصوت غاضب جنب ودنها: “عاجبك إكده؟ شفتي نتيجة دماغك الناشفة وعنادك؟ لو كنت اتأخرت دجيجة واحدة.. دجيجة واحدة بس، كان زمان شر*في وشر*ف عيلتي في الطين، وكان زمانك إنتي ميـ’ـتة أو متمنية المو*ت!”
ملك مقدرتش ترد، الصدمة والرعب كانوا لسة مسيطرين عليها، لأول مرة تحس إنها ضعيفة ومحتاجة تتحامى في حد. من غير ما تحس، مسكت في دراع صقر بقوة وكأنها بتستنجد بيه، وانهارت في العياط على صدره.
صقر اتخشب مكانه.. إيديها اللي ماسكة فيه، ودموعها اللي بتبل صدره، عملت زلزال جواه، بس كبريائه الصعيدي رفض يخليه يضعف. شالها بين إيديه بقوة وصرامة، وطلع بيها على الأوضة متجاهل كل نظرات الخدم اللي صحيوا على الدوشة.
في الأوضة
صقر رماها على السرير بحدة، وقفل الباب بالمفتاح كالعادة. جاب علبة الإسعافات وقعد قدامها.
صقر بجمود وهو بيمسح الد*م من على شفايفها بقطنة: “بكرة الصبح، حسابك معايا هيكون عسير يا بنت عمي. اللي حصل الليلة ده تمنه غالي، وغالي أوي.”
ملك بصتله بدموع وانكسار، وصوتها بيترعش:”أنا.. أنا كنت عايزة أمشي.. أنا بخاف منكم.. أنا مش بتاعة مشاكل ود*م وسلا*ح.. سيبني أرجع لماما.”
صقر ضغط على القطنة بقسوة خليتها تتوجع:”أمك اللي رمتك في النار؟ إنتي لسة مفهمتيش؟ مفيش رجوع! وإنتي الليلة أثبتيلي إن جعدة القصر دي مخلياكي فاكرة إنك في فندق. بس من بكرة.. أنا هعرفك إزاي تعيشي عيشة الهوارة بجد.”
في الصباح الباكر
الجد رضوان كان قاعد في المندرة، بيشرب قهوته وعلامات الغضب على وشه بعد ما عرف اللي حصل بالليل. صقر نزل من على السلم، وساحب وراه ملك اللي كانت لابسة العباية السودا، ووشها شاحب جداً، وفي علامة زرقا مكان الضربة على خدها.
الجد بصرامة: “إيه اللي حوصل ده يا صقر؟ مين الكلب اللي اتجرأ ودخل حرمة القصر؟”
صقر بجمود وهو بيبص لملك: “حساب الكلب ده معايا أنا يا جدي، مسيره ينطج. بس المشكلة الحقيقية مش في الكلب، المشكلة في اللي فتحتله الباب بعنادها وغبائها.”
الجد بص لملك بنظرة نارية. شوقية كانت واقفة بعيد بتبتسم بخبث وشماتة في ملك اللي شكلها مكسور.
صقر كمل كلامه بصوت قاطع: “عشان إكده يا جدي، أنا هاخد مرتي وهنروح (عزبة الجبل). القصر هنا مليان خدم وحشم، وهي محتاجة تتربى على الغالي، وتعرف إن اللقمة هنا بتيجي بعرق الجبين. هتقعد هناك معايا ٦ شهور، بعيد عن أي دلع.”
ملك رفعت راسها بصدمة: “عزبة الجبل؟ إنت بتقول إيه؟ أنا مش هروح معاك في حتة مقطوعة! جدي، خليه يسيبني!”
الجد خبط عكازه بابتسامة رضا عن قرار حفيده:”عين العقل يا صقر. خد مرتك على العزبة، وعلمها الأصول. ومحدش من العيلة هيهوب ناحيتكم هناك غير للضرورة القصوى.”
بعد ساعتين
في طريق صحراوي زراعي مقطوع تماماً، عربية صقر الجيب بتشق طريقها وسط الغبار. ملك قاعدة جنبه، ضامة نفسها وبتبص من الشباك برعب.. مفيش أي أثر للحياة، مجرد جبال من ناحية، وأراضي زراعية واسعة وفاضية من ناحية تانية.
العربية وقفت قدام بيت قديم جداً، مبني من الطوب اللبن والحجارة، سور قصير، وشكله يخوف . مكان معزول عن العالم.
صقر نزل من العربية، وفتح الباب ناحيتها، وشدها من دراعها تنزل.
صقر بابتسامة قاسية وهو بيشاور على البيت القديم: “نورتي بيتك الجديد يا عروسة. هنا بقى مفيش خدم، مفيش دلع، ومفيش هروب. هنا إنتي اللي هتطبخي، وتكنسي، وتعجني، وتخدِمي ‘جوزك’.. ولو فكرتي تهربي من هنا، الديابة اللي في الجبل هتاكلك قبل ما حد يسمع صوتك.”
ملك بصت للبيت الرعب ده، وبصت للجبل اللي وراه، حست إن روحها بتنسحب منها، ورجليها مش شايلاها، وقبل ما تنطق بكلمة، لقت الباب الخشب بتاع البيت بيزيق ويتفتح ببطء، وظهرت منه ست كبيرة في السن، ملامحها مرعبة، وعينها اليمين مقفولة تماماً، وماسكة في إيدها عصاية غليظة بتهش بيها كلاب حراسة ضخمة!
الروايه حصريه على صفحه روايات نور محمد
وقفت ملك متسمرة مكانها، عيونها متسعة برعب وهي بتبص للست العجوزة المخيفة اللي طالعة من البيت ، والكلاب الضخمة اللي بتنهش في الأرض وبتهوهو بشراسة كأنها مستنية إشارة عشان تاكلها
الست العجوزة بصوت أجش ومبحوح، وهي بتضرب بعصايتها في الأرض: “مين دي يا ولدي اللي جايبها في ديلك وعاملة زي العرسة المبلولة إكده؟”
الكلاب بدأت تقرب من ملك وهي بتكشر عن أنيابها. ملك من رعبها، وبدون وعي، لزقت في ضهر صقر ومسكت في جلابيته بقوة كأنها بتستخبى فيه من وحوش الجبل.
صقر بص للكلاب بنظرة مخيفه وبصوت جهوري زلزل المكان: “انكتم يا ديب إنت وهو!! غووور جوة!”
الكلاب كأنها فهمت كلامه، وطت راسها ورجعت لورا بخوف ودخلت الحوش. صقر لف راسه وبص لملك اللي ماسكة فيه وبتترعش، وابتسم ابتسامة سخرية مستفزة وهو بيسحب الجلابية من إيدها ببرود.
صقر: “إيه يا بت عمي؟ القطة كلت لسانك ولا رعبك من الديابة نساكي طول لسانك؟ (وبص للست العجوزة) دي مرتي يا خالة ‘راضية’.. بت عمي اللي جدي أمرني أربيها من أول وجديد، وجبتهالك هنا عشان تعلميها شغل البيت، الغسيل، الخبيز، والطبيخ.. من النهاردة مفيش خدامين، هي اللي هتخدمنا.”
راضية قربت من ملك ورفعت عينها السليمة تتفحصها من فوق لتحت باحتقار: “يا مري! دي مرتك يا صقر؟ دي ورقة شجر، نفخة هوا تطيرها! دي هتقدر على شيلة الحطب ولا عجين الفجرية؟ دي شكلها مابتعرفش تغسل خلجاتها حتة!”
ملك الدم غلى في عروقها، ورغم رعبها من المكان والست، عنادها غلبها ورفعت راسها بتحدي:”وإنتي مالك إنتي؟ إيه عر*سة مبلولة وورقة شجر دي؟ إنتي فاكرة نفسك مين عشان تتكلمي معايا كده؟ وبعدين حطب إيه وعجين إيه يا متخلفين إنتوا؟ أنا ملك الهواري، أنا مستحيل أمد إيدي في القرف ده!”
صقر عروقه برزت، مد إيده بسرعة وقبض على فكها بقسوة خليتها تتوجع، وقرب وشه منها وعيونه بتطلع نار: “حسك ميعلاش على الخالة راضية.. الست دي اللي ربتني، وجز*متها برقبتك ورقبة اللي خلفوكي! هتدخلي جوة زي الشاطره، تنضفي الدار، وتجهزي الوكل.. وإلا وعهد الله أربطك في الحوش مع الكلاب برة تباتي معاهم في برد الجبل.”
زقها ناحية الباب، ملك دخلت وهي بتعيط من القهر. البيت من جوة كان ضلمه، تراب في كل مكان، مفيهوش أي ريحة للرفاهية، ولا تكييف ولا حتى مروحة عدلة، عفش قديم ومتهالك.
راضية دخلت وراها ورمت لها مقشة خشنة وجردل مية: “يلا يا حزينة، شوفي شغلك. الدار دي لازمن تبرق جبل ما الشمس تغيب، وبعدها تدخلي المطبخ تجهزي الغدا لجوزك صقر.”
بعد ساعتين من العذاب
ملك كانت هتموت من التعب. إيديها اللي متعودة على الكريمات والمانيكير بقت كلها تراب وجروح خفيفة من المقشة الخشنة. العرق مالي وشها، والعباية السودا اللي لابساها بقت كلها طين.
قعدت على الأرض بتنهج وتعيط بانهيار، شتمت الصعيد وصقر وأمها في سرها ميت مرة.
صقر دخل البيت، شافها قاعدة على الأرض بتعيط ومنظرها متبهدل. حس بنغزة خفيفة في قلبه، بس كابر ولبس وش القسوة.
صقر ببرود: “إيه؟ خلصتي ولا لسة بتندبي حظك؟ الوكل جاهز ولا أطربق الدار دي على دماغك؟”
ملك وقفت وصرخت فيه بهيستريا: “حرام عليك بقى! إنت إيه؟ حجر؟ أنا مبعرفش أعمل حاجة من دي، مبعرفش أطبخ، مبعرفش أنضف! إنت جايبني هنا عشان تمو*تني بالبطيء؟ طلقني وسيبني أمشي!”
صقر قرب منها ببطء، صوته كان هادي بس يخوف أكتر من الزعيق: “مبعرفش دي كلمة الحريم الخايبة. مفيش حاجة اسمها مبعرفش، في حاجة اسمها هتعلم غصب عنك. قدامك نص ساعة والأكل يكون محطوط على الطبلية.”
سابها ودخل الأوضة. ملك دخلت المطبخ اللي كان عبارة عن جحيم بالنسبة لها.. بوتاجاز قديم، وحلل ألومنيوم تقيلة. حاولت تولع عين البوتاجاز بالولاعة القديمة اللي لقيتها، بس إيديها كانت بتترعش، وفجأة..
النار هبت بقوة في وشها!
ملك بصراخ مرعب: “آآآآآه!”
صقر طلع يجري من الأوضة زي المجنون، دخل المطبخ لقى ملك واقعة على الأرض ماسكة إيدها وبتصرخ بوجع، والنار كانت هتمسك في كم العباية لولا إنها طفتها بسرعة.
قلبه وقع في رجليه، نسى كل القسوة وكل العناد، نزل على ركبه جنبها بلهفة واضحة وشد إيدها يبص عليها. كانت محروقة حرق سطحي بس أحمر جداً.
صقر بزعيق من خوفه عليها، بس صوته طالع بعصبية: “إنتي غبية؟ مش بتعرفي تولعي البوتاجاز بتهببي إيه؟ كنتي هتحرقي نفسك وتحرقي الدار!”
ملك بتعيط بوجع حقيقي وطفولي: “أنا قولتلك مبعرفش! قولتلك مبعرفش! إنت اللي جبرتني!”
صقر شالها من على الأرض بدون ما ينطق، دخلها الأوضة وقعدها على السرير. جاب مرهم حروق من علبة الإسعافات وقعد قدامها. مسك إيدها بحنية غريبة متتناقضش مع قسوة ملامحه، وبدأ يدهن لها المرهم براحة.
بقلم.. نور محمد
ملك كانت بتبصله بذهول وسط دموعها.. إزاي الراجل اللي كان من شوية وحش كاسر، دلوقتي لمسته أحن من لمسة أمها؟ رفعت عينيها وبصت لملامحه الرجولية القاسية، حست بشعور غريب لأول مرة يدخل قلبها، بس بسرعة سحبت إيدها أول ما خلص، وكشرت عشان تداري توترها.
صقر وقف ورجع لبروده، كأنه بيلبس الماسك تاني:”تتخمدي هنا لحد ما الحرق يروق. الخالة راضية هتعمل الوكل النهاردة.”
وسابها وخرج قبل ما ترد.
في الليل..
عزبة الجبل بالليل عبارة عن مقبرة، هدوء مميت بيقطعه أصوات عواء الديابة من بعيد.
صقر جاله تليفون مهم، اضطر ينزل المركز عشان يخلص مشكلة كبيرة تبع أراضي العيلة.
صقر وهو بيمسك سلا*حه: “خالة راضية، أنا نازل المركز وهتأخر. خلي بالك من البت دي، ومحدش يفتح الباب مهما حوصل.”
بعد ما صقر مشي، الخالة راضية دخلت أوضتها ونامت نوم تقيل.
ملك كانت في أوضتها لوحدها. اللمبة ضعيفة جداً، قاعدة على السرير بتترعش من البرد والخوف. الأوضة ليها شباك خشب قديم بيطل على ضهر العزبة ناحية الجبل.
فجأة.. سمعت صوت خربشة غريبة على قزاز الشباك من برة!
قلبها دق بسرعة، كتمت نفسها. الخربشة زادت، كأن حد بيحاول يفتح الشباك بآلة حادة.
قامت ببطء، مشيت على طراطيف صوابعها لحد الشباك، وبصت من الشق الصغير بتاع الخشب.
الدم نشف في عروقها.. لقت خيال راجل ضخم واقف برة، مغطي وشه بشال أسود، وماسك في إيده عتلة حديد بيكسر بيها قفل الشباك!
وقبل ما تصرخ، الراجل لمحها، رفع وشه وبصلها بعيون مرعبة، ورفع إيده التانية وحطها على الشباك.. إيده كانت كلها د*م!
وفجأة، الباب الخارجي للبيت تحت بدأ يتخبط عليه بقوة مرعبة هزت الجدران!!
- لقراءة باقي فصول الرواية اضغط على (رواية في حمى الهوارة)