رواية فلتر زائف الفصل العاشر 10 بقلم نرمين قدري
البارت العاشر
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
بعد اللايف… كانت الضجة أعلى من المتوقع…
خلال ساعات… كان اسم وسام في كل مكان. تريند… ناس بتدافع… وناس بتهاجم… وكل واحد شايف الحقيقة من زاويته.
تعليقات شغالة… اللي بيقول: “بتمثل دور الضحية!” “دي اتظلمت بجد!” “مستحيل ده يحصل صدفة!”
لكن وسط كل الضوضاء دي… كانت رنا تتابع الأحداث وتبتسم بخبث وهي تقول في نفسها:
تستاهلي… انتي اللي كبرتي أكتر من اللازم. كان لازم تقفي مكانك، كفاية عليكي قوة كده.
وفي داخل الشركة… كان زين يجلس أمام شاشة العرض وهو يشتاط غيظًا، يريد أن يعرف من الخائن، لأنه يعلم جيدًا أنه من داخل الشركة. ترك الشاشة وبدأ يبحث في ملفات الموظفين بدقة عالية.
في صباح اليوم التالي… دخل زين الشركة بخطوات سريعة، وعيناه ثابتتان على شاشة هاتفه. كل شيء حوله كان يتحرك… إلا هو.
دخل مكتبه… وأغلق الباب بعنف. رمى الهاتف على المكتب… ثم قال بصوت منخفض، لكنه حاد: “اللعبة خرجت عن السيطرة… وكده بوخت قوي.”
وقبل أن يكمل… دخل هاني مسرعًا كعادته وقال: “زين… لازم تشوف ده حالًا.”
رفع زين عينه ببرود: “في إيه تاني؟ بجد أنا زهقت يا هاني، الموضوع أخد أكبر من حجمه.”
مد له هاني التابلت… فيديو فيه إعلان رسمي… بجودة عالية… وشعار ضخم يظهر في البداية:
“GLOBAL EDGE INVESTMENTS”
ثم صوت المذيع: “في خطوة غير مسبوقة… تعلن الشركة العالمية عن مشروعها الأكبر في الشرق الأوسط… وتفتح باب المنافسة… لاختيار كيان تسويقي واحد… يقود السوق بالكامل.”
تجمّد زين وقال بحماس:
أظن إحنا من ساعة ما فتحنا الشركة وإحنا مستنيين فرصة زي دي، واهي أخيرًا جت. لازم ما نفوتهاش مننا.
قال هاني بثبات:
زين، ممكن تصبر وتكمل الفيديو الأول وبعدين نتناقش؟
لكن الصدمة لم تكن هنا.
أكمل الصوت: “ولكن بشروط مختلفة… وفريدة من نوعها في مجال التسويق والإعلام. لن يتم اختيار شركة واحدة… بل تحالف بين عقول متضادة…”
ظهرت أسماء على الشاشة… ثم… توقف الفيديو للحظة… ليظهر اسمان فقط:
Zein – Lumière
Wesam – Forsa
ساد الصمت…
رفع زين عينه ببطء وقال بهدوء مخيف:
إيه الهبل ده؟ هما… بيجبرونا على الشغل مع بعض ولا إيه؟ إنت مش شايف يا هاني إن الحكاية بوخت أكتر من اللازم؟ أنا مش عارف أشتغل، طول الوقت شاغل بالي باللي اسمها وسام ومركز في الخطوة الجديدة اللي هتعملها، وسايب شغلي. أنا عمري ما ركزت مع حد كده، ولا كان يفرق معايا مين نازل قدامي. أنا زهقت، مش طريقة شغل دي بجد. إنت هتتنازل يا سيدي عن الحملة دي؟ بناقصها.
قال هاني بثبات:
طيب ممكن تهدأ؟ خلينا نعرف نفكر ونشوف هنقبل عرضهم ولا هنرفض. ما ينفعش يا زين تتنازل عن حملة إنت كنت بتحلم بيها من زمان. أكيد في حل وسط، وأنا عن نفسي مش شايف مشكلة لما نشتغل مع وسام. على فكرة، وسام دايمًا شغالة برا الصندوق، يعني أفكارها كلها جديدة… يعني نفس دماغك.
إنت بتهزر يا هاني؟ هو في مجال للرفض؟ إنت عارف إني بقالي سنين مستني شغل زي ده، وأول ما ييجي أنا اللي أرفض؟ بس الإعلام مزود الحكاية قوي، وكأننا في ساحة حرب.
ما هو لازم كده يا زين علشان الناس تتحمس وتتابع المنتج. هما شايفين إن الحرب دي دعاية مجانية ليهم، وفي الأول وفي الآخر هما المستفيدين من الضجة دي.
قال زين وهو يستعد للخروج من المكتب:
يبقى خلاص يا صاحبي… مجبرين نستحمل جنان وسام.
في نفس اللحظة… في منزل وسام…
كانت تجلس أمام جهازها… تراجع أرقام حملتها… لكن تركيزها لم يكن في الأرقام… كان في شيء داخلها… قلق… غير مريح.
قطع شرودها صوت رنين هاتفها… برقم غريب.
ترددت لحظة… ثم ردت: “ألو؟”
جاء صوت رسمي: “الآنسة وسام؟”
“أيوه، اتفضل. مين معايا؟”
“حضرتك تم اختيارك ضمن مشروع GLOBAL EDGE… كشريك أساسي.”
اتسعت عيناها من المفاجأة. ده حلم بعيد المنال… ولكن لفت انتباهها كلمة “شريك”، فقالت:
= أكيد طبعًا يشرفني أشتغل مع شركة بالحجم ده، وإن شركة كبيرة تختارني بالاسم ده وسام على صدري.
“بس معلش، ممكن سؤال؟ حضرتك كنت بتقول إن تم اختياري كشريك… ممكن أعرف شريك مع مين؟ لأن دي أول مرة أسمع إن حملة إعلامية ممكن تمسكها شركتين لهم أفكار مختلفة.”
تحدث الطرف الآخر وقال: “أستاذ زين… هو الشريك اللي مع حضرتك يا فندم، ودي شروط أساسية قبل توقيع عقد الحملة.”
اشتغل عقل وسام لثوانٍ طويلة… ثم قالت بهدوء بارد: = تمام يا فندم، أنا موافقة. ممكن حضرتك تقولي بس على الوقت المحدد لتوقيع العقد؟
بعد ساعتين…
وفي قاعة اجتماعات ضخمة… كانت أكبر من أي مكان دخلته وسام من قبل.
زجاج… شاشات… تجهيزات على أعلى مستوى.
دخلت وسام… بخطوات ثابتة… وهي مبهورة حقًا بروعة المكان، ودقات قلبها تتصارع معلنة احتجاجها، ففخامة المكان وشركة بالحجم ده تخض أي حد، وخصوصًا إنها لسه تعتبر مبتدئة في سوق العمل.
بدأت ترتجف… ولكنها مثلت التماسك.
وقفت… نظرت حولها… وقلبها ما زال يرتجف.
وكانت تقف بجوارها أختها ريهام وهي تقول بصوت هامس:
يا لهوي يا لهوي… إيه ده كله يا وسام؟ إحنا هنشتغل مع الناس دي؟ تحسي كده إنهم مستحمين عشر مرات قبل ما يجوا! بجد حاجة تخوف، شكلهم شبه اللي بيطلعوا في التلفزيون.
قالت وسام وهي ترتجف: = اسكتي بقى، إنتِ مخضوضة لوحدي؟ ما كنتش متخيلة الوضع بالفخامة دي. دي… تفتكري يا ريهام إحنا هنقدر نتصدى لشغل بالحجم ده بجهازين اللاب توب اللي معانا؟
قالت ريهام بثقة:
بعون الله هنبهرهم. إنتِ بس افردي نفسك كده، وخلي عندك شوية ثقة في نفسك، وبطلي الرعشة اللي ماسكاكي. وتعالي نخش ونشوف بعد كده إيه اللي هيحصل… وأوعي حد يحس إنك خايفة أو مهزوزة. افتكري دايمًا إن شركة بالحجم ده هي اللي هتثبت اسمك في السوق.
هزت وسام رأسها عن اقتناع.
دخلت وسام بصحبة ريهام، وجلسوا على منضدة الاجتماع في انتظار الشريك الآخر.
فتح الباب.
دخل زين… بنفس النظرة الواثقة والخطوط الثقيلة، وفي كامل شياكته كعادته… وبجواره هاني، الذي لا يقل أناقة عنه.
اقتربت ريهام من وسام وقالت بهمس:
بت يا وسام، مين اللي داخل مع زين ده؟ يخربيت كده! تحسي إنهم هاربين من مسلسل تركي ولا إيه؟ في كاريزما وجمال كده؟ أنا أول مرة أخد بالي إن زين وسيم قوي كده. لما جه عندنا معرفتش أشوف شكله كويس. بذمتك ده ينفع تخشي معاه في تحدي اللي زي ده؟ حطيه في فيترينة واتفرجي عليه كل يوم الصبح! ولا المز التاني اللي داخل معاه؟ يا لهوي، ما فيش كده! أنا حاسة إني هيغمي عليا من كتر الكاريزما.
جزّت وسام على أسنانها وقالت بغيظ: = اخرسي بقى حبة، افصلي علشان خاطر ربنا.
أنا اللي غلطانة إني جبتك معايا من الأصل.
دخل زين بكل ثقة… ولكن هذه المرة… كان هناك شيء مختلف.
عيناه لم تكونا غاضبتين… كانتا مركزتين عليها فقط.
وعلى وجهه ابتسامة غامضة.
اقترب… وقف أمامها مباشرة… وما زالت نفس الابتسامة على وجهه، ثم قال بهدوء: “واضح إننا رجعنا نشتغل مع بعض مرة تانية… بس بطريقة غريبة. بس المهم إننا رجعنا نشتغل تاني سوا.”
ردت بدون تردد: “على فكرة، أنا ما رجعتش… أنا داخلة شغل لمدة معينة، وأول ما يخلص هنرجع تاني خصمين.”
ابتسم ابتسامة خفيفة: “وأنا كمان… أتمنى ده يحصل.”
وقبل أن تكتمل لحظات التحدي المخفية… دخل رجل في منتصف العمر… ببدلة رسمية… وهيبة واضحة.
“أهلًا بيكم… أنا ممثل GLOBAL EDGE.”
جلس… وأشار لهم بالجلوس.
ثم قال مباشرة: “مش هضيع وقتكم… وهتكلم في الشغل على طول. إحنا اخترناكم لأنكم مختلفين… بجد متميزين جدًا في مجالكم. والمطلوب… إنكم تشتغلوا مع بعض. علشان الإبداع.”
ثم أكمل: “صاحب الشركة ليه وجهة نظر فيكم، وبيقول لو إنتم الاتنين فعلًا اتفقتوا ووحدتوا شغلكم… السوق كله مش هيكون فيه غيركم. هتكتسحوا السوق كله.”
قالت وسام فورًا: = أنا عن نفسي معنديش مشكلة، ومستعدة أبدأ الشغل من دلوقتي.
نظر لها زين لحظة… وابتسم على حماسها الطفولي، وقال في نفسه: (هتفضل مجنونة وطفلة.)
ثم قال بحزم وهو يحاول إخفاء ابتسامته: “ولا عندي أنا كمان أي مشكلة، وإن شاء الله نكون عند حسن ظنكم بينا، ونخرج ليكم شغل العالم كله يتكلم عنه.”
ابتسم الرجل: “جميل… بس لسه ما سمعتوش باقي الشروط. شرط إنكم تشتغلوا مع بعض ده كان شرط أساسي لتوقيع العقد، لكن باقي الشروط لسه هتبدأ. طبعًا إنتوا عارفين إنتوا ماسكين شغل إيه، وحجمه قد إيه، يعني ما ينفعش واحد في نص الشغل يقول أنا مش هكمل. لازم تسمعوا باقي الشروط وآخد منكم موافقة موقعة. أنا بعتذر، ده شغل بملايين… مش لعبة.”
نظروا جميعهم لبعض.
ثم فتح ملفًا أمامه وقال:
“الشرط الأول… إحنا هنوفر ليكم مكان، والشركة قررت إنها هتحجز الدور الأخير من الفندق هنا، وده هيكون مقر شركتكم المؤقت لحد ما الحملة تخلص. يعني ممنوع أي حد يشتغل في الحملة برا مقر الشركة. وطبعًا المدة محددة… نقول شهرين. أظن دي مدة كافية جدًا علشان تنجزوا شغلكم.”
أكمل دون أن ينتظر ردهم:
“تاني شرط… أي قرار لازم يكون باتفاقكم إنتوا الاتنين. ما ينفعش طرف ينفرد بالقرار لوحده، وبعد كده تعرضوا على المالك، وهو ليه أحقية القبول أو الرفض.”
“تالت شرط… أي انسحاب = خسارة فورية. وللأسف مش هقدر أقولكم حجم الخسارة هيكون إيه.”
ثم قام واقفًا يرتب أوراق الملف وقال: “أظن كده أنا وضحت لحضراتكم كل النقط المهمة اللي مفروض هتمشوا عليها.”
قال زين بجدية: “طيب… إمتى هيجهز المقر علشان نبدأ الشغل؟”
ابتسم المندوب وقال: “المقر بيتجهز من أول ما الاجتماع بدأ.”
رفع زين حاجبيه وقال: “حضراتكم كنتم متأكدين إننا هنوافق نشتغل سوا؟”
هز المندوب رأسه وقال ضاحكًا: “مستر عماد قبل ما يقرر يشتغل مع مين، بتكون ليه نظرة في الشخص، وبيكون عارف قدراته كويس. وكان مراهن عليكم إنكم هتشتغلوا سوا. عمومًا بالتوفيق، وإن شاء الله الصبح تكونوا على مكاتبكم… وعاوزين نشوف الإبداع.”
هز زين ووسام رأسيهما بالموافقة والامتنان… وكلٌّ منهما بدأ عقله يعمل في اتجاه مختلف.
- لقراءة باقي فصول الرواية اضغط على (رواية فلتر زائف)