رواية عروس الهواري الفصل الأول 1 بقلم أسما السيد
لتصفح الموقع بدون إعلانات (أضغط هنا)
قبل فرح أختي بيوم واحد، صحيت على صوت أمي وهي بتصرخ من أوضة العروسة:
— لين هربت! انفضحنا يا أسما… الحقينا!
فتحت عيني مفزوعة، ورميت الغطا من عليا وجريت ناحية صوتها وأنا حافية، حتى الطرحة ما لحقتش ألفها كويس على راسي.
في الأول افتكرت أمي من الصدمة بتقول أي كلام.
لين تهرب إزاي؟
وبكرة فرحها!
والنهارده ليلة الحنة، والبيت من امبارح ما بيهدأش من دخول الستات وخروجهم، وصوان الفرح بيتنصب قدام البيت، والذبائح اتحجزت، والبلد كلها تقريبًا عارفة إن بنت وهدان داخلة بيت الهوارية.
لكن أول ما دخلت أوضتها…
وقفت مكاني.
الدولاب مفتوح على آخره.
كام شماعة فاضية بتتحرك من الهوا اللي داخل من الشباك.
شنطة السفر الكبيرة بتاعتها مش موجودة.
والأغرب…
فستان فرحها الأبيض كان متعلق على باب الدولاب.
لوحده.
كأنه الحاجة الوحيدة اللي قررت لين تسيبها وراها علشان تقول لنا بمنتهى الوضوح إنها مش راجعة.
أمي كانت قاعدة على الأرض قدام السرير، بتضرب على صدرها وهي بتعيط:
— يا مصيبتي… يا فضيحتي! عملتيها يا بنت بطني؟! عملتيها؟!
قربت منها بسرعة ونزلت على ركبتي قدامها:
— اهدي يا ماما… يمكن راحت عند واحدة صاحبتها، يمكن اتخنقت، يمكن…
رفعت وشها ليا وصرخت:
— واخدة هدومها ودهبها وبطاقتها يا أسما! صاحبتها إيه اللي هتاخد لها شنطة هدوم؟!
اتجمدت.
لفيت ناحية السرير.
وهناك شفت أبويا.
كان واقف في نص الأوضة كأنه كبر عشرين سنة في ليلة واحدة.
أبويا وهدان عمره ما كان راجل ضعيف.
طول عمري شايفاه واقف مستقيم، صوته عالي وقت الحق، وضهره ما ينحنيش لحد.
إنما الصبح ده…
كان ماسك ورقة صغيرة، وإيده بتترعش.
دخل عمي حسان بسرعة وهو بيقول:
— في إيه؟ صوتكم جايب آخر الشارع!
أبويا ما ردش.
عمي خطف الورقة من إيده وفتحها.
وأنا كنت عارفة خط لين من أول ما شفته.
قرأ بصوت مخنوق:
— “سامحوني… مقدرش أتجوز واحد عمري ما حبيته. متدوروش عليا… أنا عارفة إني وجعتكم، بس لو فضلت كنت هظلم نفسي وأظلمه معايا. أنا آسفة.”
سكت عمي.
وأبويا حط إيده على صدره وقعد على طرف الكرسي.
أمي صرخت:
— يا نهار أسود!
أما عمي فضرب كف على كف:
— لا حول ولا قوة إلا بالله… اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرًا منها.
وبعدين لف لأبويا:
— يا فضيحتنا وسط البلد يا وهدان! بكرة الفرح! الناس كلها عارفة إن بنتك داخلة بيت الهوارية… هنعمل إيه؟!
وأنا؟
كنت واقفة ساكتة.
لأن الموضوع ماكانش مجرد عريس وعروسة وعروسته هربت.
لو كان عريس عادي، كان ممكن أبويا يروح له ويقول له النصيب ما تمش، وكل واحد يروح لحاله.
إنما دي بلاد الصعيد.
ودي عائلات ليها حسابات قديمة، وكلمة الراجل فيها ساعات تبقى أغلى عنده من فلوسه وأرضه.
والعريس…
مش أي عريس.
ناصيف الهواري.
كبير عيلة الهواري رغم إن سنه ماعداش خمسة وتلاتين سنة.
راجل كلمته مسموعة، والناس بتحسب له ألف حساب.
بعد مرض أبوه من كام سنة، هو اللي شال حمل العيلة.
بيحل خلافاتهم.
بيتدخل في مشاكلهم.
ومافيش قرار كبير يتاخد في بيوت الهوارية إلا لما يعرفه.
حتى الرجالة الأكبر منه سنًا كانوا بيحسبوا لكلامه حساب.
وأختي لين كانت مخطوباله من ست شهور.
ولو إن كلمة “مخطوبة” نفسها كانت أكبر من الحقيقة.
الجوازة كلها بدأت باتفاق بين العيلتين.
أبو ناصيف كان صاحب معرفة قديمة بأبويا، وفي أرض ومصالح ونسب قديم بيربط العيلتين.
ناصيف طلب بنت وهدان.
وأبويا رشح لين لأنها الكبيرة.
ناصيف وافق.
وخلاص.
لا قعدات حب.
ولا خروج.
ولا مكالمات بالساعات.
حتى الرؤية الشرعية اللي كان المفروض تحصل اتأجلت أكتر من مرة بسبب سفر ناصيف وشغله ومشاكل العيلة، ولين نفسها كانت كل مرة تتحجج.
لحد ما الموضوع اتحول عند الكل إلى:
ناصيف هيتجوز لين بنت وهدان.
اسم في مقابل اسم.
عيلة قدام عيلة.
واتفاق رجالة.
وأنا أصلًا عمري ما شفته.
كنت أسمع عنه بس.
لين كانت بتكرهه قبل حتى ما تتعامل معاه.
والسبب الحقيقي ماكانش الجوازة بس.
كان فيه حكاية قديمة بينها وبين أخته مهيرة.
الاتنين كانوا زمايل في المدرسة الثانوية.
وفي يوم حصلت بينهم خناقة كبيرة.
أنا وقتها كنت أصغر منهم، وماعرفتش تفاصيلها كاملة.
كل اللي عرفته إن لين رجعت البيت يومها مولعة.
وقالت كلام صعب جدًا عن مهيرة وعن أخوها.
وأهل العيلتين تدخلوا قبل ما الموضوع يكبر.
مرت السنين…
ودارت الأيام بطريقة غريبة.
والراجل اللي لين شتمته من غير حتى ما تشوفه بقى عريسها.
من يوم الخطوبة وهي تقول لي:
— أنا مش هقدر أعيش في بيت الهوارية يا أسما.
وأنا كنت أرد:
— إنتِ أصلًا ما تعرفيش الراجل.
فتقول بعناد:
— مش لازم أعرفه. كفاية أعرف أخته.
وأضحك وأقول:
— هتتجوزي أخته يعني؟
فتبصلي بغيظ:
— إنتِ دايمًا بتاخدي كل حاجة ببساطة.
يمكن فعلًا كنت باخدها ببساطة.
أو يمكن…
ماكنتش متخيلة إن لين ممكن تعملها فعلًا.
تهرب.
وتسيبنا كلنا في وش المدفع.
أمي كانت بتبكي:
— هنعمل إيه لما الهوارية يعرفوا؟ أبوكي مش هيقدر يرفع راسه تاني!
قربت منها ومسحت دموعها:
— يمكن لين ترجع يا ماما… ادعي إنتِ بس.
عمي بصلي بعصبية:
— ترجع؟! دي لو ناوية ترجع ما كانتش سابت الورقة دي! أختك الله يسامحها فضحتنا يا أسما يا بنتي.
وسكت ثانية، قبل ما يضيف بصوت أخفض:
— ولو كبار عيلتنا عرفوا اللي عملته من غير ما نتصرف بحكمة، الموضوع ممكن يكبر بطريقة محدش يقدر يلمها.
بصيت له بخوف.
— يعني إيه؟
أبويا رفع عينه له فجأة:
— محدش يقرب من بنتي.
كانت أول جملة يقولها من ساعة ما دخلت.
صوته كان ضعيف…
لكن حاسم.
— مهما عملت لين، محدش له عندها حاجة غيري. سامعين؟
عمي تنهد:
— وأنا قلت مين يقرب لها؟ أنا بقول لازم نلحق المصيبة قبل ما تبقى مصيبتين.
وفجأة…
صوت عربيات جه من بره.
مش عربية واحدة.
أكتر من عربية.
وبعدها سمعنا أصوات رجالة عند الباب.
البيت كله سكت.
حتى أمي بطلت عياط للحظة.
عمي قرب من الشباك، رفع طرف الستارة وبص.
ثانيتين…
ورجع لنا ووشه متغير.
— الهوارية.
أمي شهقت:
— عرفوا؟!
— لأ… جم لعوايد ليلة الحنة.
بص لأبويا.
— هنتصرف إزاي يا وهدان؟
حسيت قلبي وقع في رجلي.
مش خوفًا من شخص بعينه قد ما هو خوف من اللحظة نفسها.
الحقيقة فوق في الأوضة.
والعريس تحت.
وعروسته…
الله أعلم فين.
أمي قامت بسرعة وهي بتقول:
— أسما ادخلي أوضتك.
لفيت ناحية الباب.
وقبل ما أتحرك، سمعت خبطتين تقال على باب البيت.
وبعدين صوت فتح الباب.
صوت سلامات رجالة.
وصوت عمي التاني بيرحب:
— يا مرحب بالهوارية… البيت نور.
وقفت مكاني ثانية.
ماعرفش ليه فضولي غلبني.
أنا عمري ما شفت ناصيف الهواري.
الراجل اللي أختي هربت علشان ما تتجوزوش.
الراجل اللي نص البلد بتحكي عن شدته.
اتحركت ناحية طرقة جانبية بتطل على الصالة من بعيد.
ووقفت في مكان محدش يقدر يشوفني منه بسهولة.
أول واحد دخل كان راجل كبير في السن.
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!