رواية وهم الحياة الفصل الثاني عشر 12 بقلم خديجة أحمد
رواية وهم الحياة الفصل الثاني عشر 12 بقلم خديجة أحمد
البارت الثاني عشر
#وهم_الحياه
البارت الاتناش
فجر
جبت الدكتور،
كنت واقفة جمبه وأنا من جوايا بضحك…
ضحك مكتوم على خوفه، على ارتباكه، على إن كل اللي كان فاكره ثابت ابتدى يتخلخل.
بعد شوية، حالته اتقلبت.
بقى يبص حواليه بقلق، عينه بتجري في المكان كأنه شايف حاجات محدش شايفها غيره.
نفسه بقى تقيل، وصوته مهزوز…
واضح إن عقله دخل في دوّامة هو مش فاهمها.
مش عارفة هو شاف إيه بالظبط،
بس اللي كنت متأكدة منه…
إنه مرعوب.
مرعوب بجد.
عدت دقائق،
وابتدى يفوق واحدة واحدة،
إيده ماسكة راسه كأنها هتنفجر.
أول ما عينه وقعت عليّ،
وشه جاب ألوان…
واتنفض من على السرير كأنه شاف شبح.
قربت منه خطوة،
ورسمت على وشي قلق متقن،
وقلت بصوت هادي:
— مالك بس؟
— وشك مخضوض كده ليه؟
بصّيت له وهو متكعبل في كلامه،
عينيه بتلف في المكان كأنه لسه مش واثق إن اللي حواليه حقيقي.
عرفت من نظرته…
هو شاف حاجة.
حاجة هتفضل معاه حتى لو حاول يقنع نفسه إنها وهم.
قال:
— مفيش… مفيش حاجة.
بس صوته فضحه.
كان مكسور، مهزوز، مش صوته اللي متعودة أسمعه.
قربت منه خطوة واحدة بس،
مش أكتر.
كنت عايزاه يحس بقربي،
يحس إن مفيش مهرب:
— زين…
قولتها بهدوء،
الهدوء اللي يخوّف أكتر من أي عصبية:
— إنت شكلك مرهق أوي.
— عينك مش ثابتة.
شافني،
وبسرعة رجع بعينيه بعيد،
كأنه خايف يبصلي زيادة.
قال وهو بيحاول يضحك:
— شوفت حاجه
بس اكيد ضغط شغل…
ضغط شغل.!
ابتسمت.
مش ابتسامة فرح…
ولا شفقة.
ابتسامة حد متأكد إن اللي حصل دخل جوّه دماغه ومش هيطلع.
قربت أكتر،
وحطيت إيدي على كتفه بخفة:
— مفيش حاجة تخوف، صح؟
— اللي شوفته… كان مجرد إحساس.
شد كتفه من تحت إيدي،
الحركة الصغيرة دي قالتلي كل حاجة.
عرفت إن الشك زرع،
وإنه من اللحظة دي
مش هيعرف يثق في نفسه،
ولا فيّ.
وساعتها،
وأنا باخد نفسي بهدوء،
قلت في سري:
دي بس البداية يا زين…
واللي جاي، هيخليك تتمنى إن اللي شوفته النهارده كان حلم وعدّى.
_______________
يعقوب
بدأت أنفّذ اللي اتقالّي عليه بالحرف.
جبت علبة هدايا كبيرة،
ورحت بيتها وأنا قلبي متقل ومشدود.
فتحلي والدها… راجل ذوق ومحترم،
بس للأسف معرفش يربي بنته صح.
دخلني وقعدت أستناها لحد ما خرجت.
أول ما شافتني،
وشها اتغير…
صدمة واضحة، كإنها مكنتش متوقعة تشوفني خالص.
قعدت قدامي وقالت باستغراب:
— مقولتش يعني إنك جاي؟
ابتسمت وقلت بهدوء متصنّع:
— حبيت أعملك مفاجأة.
وشاورت على البوكس الكبير:
— دي حاجة بسيطة.
بصّت للعلبة باستغراب،
نظرة واحدة حسستني إني عمري ما جبتلها هدية قبل كده، وقالت:
— بمناسبة إيه؟
ميلت بضهري شوية وقلت:
— ممكن تعتبرّيها عربون محبة.
ابتسمت…
بس ابتسامة متوترة،
ابتسامة واحدة مش واثقة،
ولا مطمّنة.
بصّيت في عينيها وسألت فجأة:
— مريم…
— إنتِ بتحبيني زي ما بحبك؟
سكتت لحظة،
وقالَت بنبرة ملهاش طعم:
— اشمعنى السؤال ده دلوقتي؟
قلت وأنا بحاول أبرر:
— عمري ما سألتك قبل كده…
— وحابب أعرف.
اتلخبطت،
وبعد تردد قالت:
— آه… أكيد يا يعقوب.
بصّيت لها كويس،
للملامح الهادية،
للشكل البريء اللي عمري ما تخيلت إنه ممكن يخون.
قلت وأنا موجوع:
— إنتِ عمرك ما دلعتيني.
ضحكت ضحكة مصطنعة،
واضح إنها بتحاول تلطف الجو:
— عايزني أدلعك يعني؟
— أقولك إيه؟
سكت.
مش قادر أكمّل.
ولا قادر أصدّق إن الوش ده ممكن يكون مليان كذب.
قومت فجأة وأنا بمسك فوني:
— لازم أمشي، ورايا شغل.
اتجهت للباب،
وهي جريت ورايا بسرعة:
— إنت ملحقتش تقعد!
ردّيت وأنا ماشي من غير ما أبصّ لها:
— معلش… تتعوّض.
ومشيت.
وسبتها ورايا.
أنا شخص ما بعرفش أخبي مشاعري،
ولو فضلت دقيقة كمان،
كنت هفضح نفسي،
وأفضح إحساسي بالخيانه…
من أقرب إنسانة لقلبي.
قفلت باب العربية بعنف أكتر مما كنت ناوي،
وشغّلت الموتور قبل ما أدي لنفسي فرصة أفكّر.
إيدي كانت بتترعش على الدريكسيون،
وصدرى كان تقيل كإن حد قاعد فوقه.
بصّيت قدامي… الطريق كان باين،
بس أنا مش شايف غير صورتها.
صورتها وهي بتبصلي،
وهي بتضحك ضحكة مش طالعة من القلب،
وهي بتقول أكيد
من غير ما تحس.
ضحكت بسخرية،
ضحكة مكسورة طلعت غصب عني:
— أكيد…
دست على البنزين، ..مش عارف أنا رايح فين ، ولا عايز أوصل لإيه.
كل اللي جوايا غضب، ..غضب ممزوج بوجع
وجرح مش راضي يتقفل
ضربت بإيدي على الدريكسيون:
— إزاي؟
— إزاي تعملي فيّا كده؟
افتكرت كلام فجر…
اسمع، شوف، متتسرعش.
كنت فاكر نفسي قوي،
بس الحقيقة؟
أنا كنت بتفتّت.
مسحت وشي بإيدي،
حاولت أتنفس،
أهدي النار اللي جوايا قبل ما تحرقني.
أنا مش همشي ورا قلبي،
ولا همواجه دلوقتي.
مش قبل ما أعرف الحقيقة كاملة.
رفعت الفون وبصّيت على اسمها،
بس مقربتش ألمسه.
همست لنفسي:
— لسه بدري يا مريم…
— ولسه اللعبة مخلصتش.
وسقت.
سايق العربية،
بس في الحقيقة
كنت سايق نفسي على حافة وجع
لسه في أوله ..
_______________
نواره
من ساعة ما عرفت إن خطوبة مراد بعد يومين،
وقلبي مش ساكت.
وجع ثابت…
مش بيزيد،
بس مش بيروح.
سرحانة طول الوقت،
مش مركزة،
حاسّة إني تايهة في مكان مش مكاني.
كنت في الشركة، قاعدة على مكتبي،
بس الحقيقة إني مكنتش بشتغل.
قدامي شاشة،
وأفكاري في حتة تانية خالص.
دخلت فجر…
ومخدتش بالي بوجودها غير لما نادت على اسمي كذا مرة.
رفعت عيني وبصّتلها بتوهان.
محدش يعرف إنّي أنا وفجر أخوات.
أنا اللي طلبت كده.
مبحبش المعاملة الخاصة،
ولا المجاملات اللي بتيجي لمجرد إني “أخت فجر”.
ومحدش يعرف برضه إني شريكه ف الشركة دي.
بصّتلي…
نظرتها كانت حادة،
واضح الغضب فيها،
غضب حد شايف حد قدامه مش حاضر.
قالت ببرود:
— على مكتبي يا نواره.
وخرجت.
بصّيت لتميم ومنى،
نظراتهم كانت مليانة شفقة.
قالت منى:
— إحنا من الصبح بننادي عليك ونصفرلك…
— ولا هنا.
نزلت عيني بضيق،
وقمت من غير ما أرد.
خرجت بسرعة ألحق فجر،
وأنا عارفة كويس…
إنها المرة دي
مش هتسيبني في حالي.
قعدت قدامها،
ظهري مفرود بالعافية،
مستنية التوبيخ اللي كنت متأكدة إنه جاي.
وفعلًا…
انفجرت.
قالت بعصبية وهي ساندة بإيديها على المكتب:
— يعني إنتِ اللي قولتي عايزة تشتغلي،وأنا عينتك، ….وفي الآخر تقعدي سرحانة ومش مؤدية شغلك؟ يبقى بلاها أحسن.
بصّيت لها بصدمة.
الحدة دي…
النبرة دي…
الثقة دي…
دي مش فجر اللي فاقدة الذاكرة.
دي فجر اللي حافظاها حرف حرف.
دي واحدة فاكرة…
فاكرة كل حاجة.
ضحكت ضحكة قصيرة، سخيفة، وقلت بسخرية:
— إنتِ مش ناسية يا فجر.
كل حاجة فيكي بتقول إنك فاكرة.
ابتسمت…
ابتسامة جانبية باردة، وقالت:
— إنتِ ذكية يا نوارة ….وأنا عارفة من أول لحظة رجعتلي فيها الذاكرة إنك حاسة.
بس كنتِ بتكدبي نفسك.
قمت من مكاني بعصبية،
قلبي كان بيدق بعنف،
وصوتي طلع أعلى منّي:
— طب ليه؟!
ليه مقولتيش؟
ليه مقولتيش ليا؟
قربت منها خطوة،
وعيني كانت مليانة وجع:
— ليه مقولتيش لماما؟
اللي بتبكي صبح وليل على حالك، وبتدعي لك في كل صلاة إن ربنا يرجّعلك ذاكرتك؟
صوتي اتكسر وأنا بكمل:
— ليه الأنانية دي كلها يا فجر؟
ليه تخبي حاجة زي دي؟
ليه؟
وسكت.
مستنية رد…
أو حتى ملامح ندم.
بس اللي شوفته في عينيها
خلاني أعرف
إن اللي جاي
أقسى بكتير.
سابتني أخلص كلامي…
وسكوتها كان أطول من الطبيعي.
طول لدرجة إن قلبي بدأ يدق بسرعة،
كإني داخلة امتحان وأنا مش مستعدة.
ولما اتكلمت
صوتها كان هادي…
النوع اللي يخوّف أكتر من العصبية:
— لأن ماما لو عرفت…
كانت هتخليني أرجع أضعف.
رفعت عينيها وبصّتلي بثبات:
— وأنا ضعفي مش اختيار دلوقتي.
الجملة دي خبّطت في صدري.
ضعف؟
هو الحضن ضعف؟
ولا الرجوع للبيت ضعف؟
ولا إنك تكوني بنت محتاجة أمها ضعف؟
قربت من المكتب شوية، وسندت بإيديها عليه:
— أنا عمري ما كنت أنانية،
أنا كنت دايمًا اللي بشيل،
اللي يسامح،
اللي يعدّي.
افتكرت كل المرات اللي كانت فعلًا كده.
افتكرت قد إيه كنت معتمدة عليها،
قد إيه كنت شايفاها الأقوى دايمًا.
بس لما صوتها علي سنة
من غير زعيق
عرفت إن الوجع عندها وصل لمرحلة أخطر.
صوتها علي سنة، بس من غير ما تزعق:
— بس لما افتكرت…افتكرت كل حاجة،
افتكرت الوجع، والخيانة، … والخذلان.
الكلمات دي دخلت في قلبي زي سكينة بطيئة.
كنت سامعة،
بس حاسة إني بتتسحب لجوه عالم مش بتاعي…
عالم فجر لوحدها.
بصّتلي بحدة وقالت:
— ساعتها عرفت إن الحقيقة مش لازم تتقال لكل الناس.
في حاجات لو خرجت بدري… بتبوّظ كل حاجة.
وقالت وهي راجعه تقعد مكانها:
— ماما بتحبني،
بس حبها عمره ما حماني.
ولما قالت
إن الحقيقة مش لازم تتقال لكل الناس
حسيت نفسي اتشالت من خانة أختها
واتحطّيت في خانة الناس.
دي أكتر حاجة وجعتني.
ولما ذكرت ماما
وقالت إن حبها ما حماهاش
حسيت دموعي قربت تنزل
بس كبّرتها جوايا.
ماما اللي أنا وفجر بنتخبّى في حضنها
طلعت فجأة
مش كفاية.!!
رفعت عينيها ليا تاني وقالت ببرود قاتل:
— اللي أنا بعمله دلوقتي…
ده مش أنانية يا نوارة.
ده بقاء.
عرفت إن النقاش خلص.
مش لأنها صح ولا لأني اقتنعت…
لكن لأنها قررت.
وسكتت.
وسابتني واقفة قدام أختي
بس مش فجر اللي كنت أعرفها.
واقفـة قدام واحدة
نجت…
بس خسرت اعز الناس ليها في الطريق.
بس صوتي مكنش صوتي.
كان مكسور، متشرخ،
كإنه طالع من صدري بالعافية.
قلت لها
وأنا حاسة إني بخسرها قدام عيني:
— الكلام معاكي ملهوش لازمة…
اعملي اللي يريحك يا فجر
الجملة دي وجعتني وأنا بقولها،
لأني عمري ما كنت في صف بعيد عنها.
بلعت ريقي بالعافية،
وكملت وأنا بحاول أبان ثابتة
بس رجلي كانت بترتعش:
— وأنا عن نفسي… هقول لماما كل حاجة.
مش هقدر أخبي… زي ما انتي خبيتي.
آخر كلمة خرجت
مش اتهام
قد ما هي اعتراف بعجزي.
أنا مش قوية زيها.
مش بعرف أعيش بنص حقيقة ولا بعرف أكمّل ..وأنا شايلة سر
بيوجّع حد بحبه.
وقفت قدامها مستنية أي رد…
غضب، صراخ، حتى إنكار.
بس اللي وجعني بجد إنها كانت هادية.
بصّيت لها…
والنظرة دي كانت تقيلة
تقيلة أوي.
خيبة أمل مش بس فيها،
في كل اللي حصل، وفي إن الأخت
ممكن تبقى أبعد من الغريب.
ما قلتش ولا كلمة …لأن أي كلمة زيادة كانت هتطلعني أضعف
أو أظلمها …وأنا مش عايزة أعمل ولا دي ولا دي.
لفّيت واديتها ضهري
وخرجت.
الهدوء اللي سيبته ورايا
كان خانق … هدوء يخوّف
كإن المكان نفسه ماسك في النفس.
كنت عارفة لو فضلت ثانية كمان
كنت هتخنق،
كنت هعيّط،
كنت هقع.
قفلت الباب ورايا
مش بقوة ولا بهدوء…
قفلتُه
زي اللي بيقفل على نفسه حاجة
مش عارف هيفتحها إمتى.
ومشيت وأنا لأول مرة حاسّة إن الأخت
ممكن تمشي
وتسيب وراها فراغ
أكتر من الوجع
___________
تميم
كنت قاعد بتابع شغلي،
وفجأة دخلت منى، قعدت قدامي وهي بتقول بانفعال:
— مش هتصدق إيه اللي حصل… ولا إيه اللي عرفته!
بصّتلها باستغراب وقلت:
— في إيه يا بنتي؟ اتكلمي.
قرّبت مني شوية، وصوتها واطي كأنها خايفة الحيطان نفسها تسمع:
— نوارة… طلعت أخت فجر!
- لقراءة باقي فصول الرواية أضغط على (رواية وهم الحياة)