رواية جبل الرواي وقمر الفصل الأول 1 بقلم ملك ابراهيم
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
النجع كله كان على رجل واحدة. والرجالة لابسة الجلاليب البيضا والشيلان، وقاعدين في المنظرة الكبيرة بتاعة عيلة الراوية. الهوا تقيل وريحته بارود وقلق.
بقالنا خمس سنين على الحال ده. طار بايت بين عيلة الراوية وعيلة النجار من ساعة ما عاطف الراوي الصغير مات في غيط الدرة، ومن ساعتها والتار إشتغل .
النهاردة ليلة الصلح. يا نخلص يا هتقوم حر يقه في النجع كله.
أنا مكنتش جوه. مفيش مرة في الصعيد بتخش منظرة فيها رجالة، بس الليلة كانت ليلتي، فكنت واقفة ورا الباب الخشب التقيل بتاع المنظرة، لازقة ضهري في الحيطة، ووداني مع الكلام اللي جوه. أمي واقفة جنبي بتمسك دراعي جامد كأنها خايفة أجري.
من الفرق اللي بين ضلفتين الباب كنت شايفة اللي بيحصل جوه.
في صدر المنظرة كان قاعد كبيرين، وبينهم شيخ الأزهر اللي جاي مخصوص. وعلى اليمين عيلة النجار كلها، وأولهم أبويا الحاج ياسين، راجل وشه سمح بس عينه مكسورة. وعلى الشمال عيلة الراوية.. وأولهم هو.
جبل الراوي.
أول مرة أشوفه عن قرب. كنت فاكراه هيبقى راجل عجوز، لقيته شاب.. طويل وعريض، كتفه قد الباب، دقنه خفيفة وعينيه سودا غامضة متعرفيش بتفكر في إيه. لابس جلابية سودا، وساكت. سكوته بس يخلي الرجالة الكبار يبلعوا
ريقهم. هو ده اللي بيقولوا عليه كلمته تمشي على المحافظة كلها؟ هو ده اللي هتجوزه؟
الشيخ خلص كلام عن حرمة الد. م، وبعدين بص للحاج فؤاد كبير الراوية وقال: “حكمكم إيه يا حاج فؤاد عشان نوقف الد م؟”
الحاج فؤاد راجل عنده 80 سنة، بص لأبويا وبص لجبل وقال بصوت تقيل:
“حكمنا.. عشان الد م يبقى نسب، وعشان النا ر تبقى عيش وملح، بنتكم قمر تدخل بيت الراوية في عصمة جبل ولدي.. ومن الليلة دي اللي يمس عيلة النجار كأنه مس الراوي.”
المنظرة كلها شهقت. أنا حطيت إيدي على بقي عشان صرختي متطلعش.
أنا؟ أنا هتجوز اللي اسمه جبل دا عشان يوقفوا التار؟
أبويا جوه بص في الأرض، عينه مكسورة بتقول سامحيني. قبل ما حد ينطق، جبل هو اللي نطق لأول مرة. صوته كان خشن وغويط، طالع من صدره:
“يا جدي..”
الحاج فؤاد شاورله يسكت. “كلمتي خلصت يا جبل. أنت كبير بعدي، والكبير بيضحي عشان عيلته تعيش.”
جبل بص ناحية الباب. كأنه كان عارف إني واقفة وراه. بصه طويلة اخترقت الخشب.. مش بصه راجل لست، دي بصه واحد بيقيم حاجة هياخدها غصب. وبعدين قال بصوت عالي قاصد يسمعني:
“البت صغيرة يا جدي.. ما تنفعنيش.”
الد م فار في عروقي. صغيرة؟ مقدرتش أمسك نفسي. زقيت الباب زقة صغيرة وصرخت من ورا الباب وصوتي بيترعش بس راسي مرفوعة، وكل الرجالة
اللي جوه اتصدمت وبصت ناحيتي:
“ومين قالك إني أرضى بيك يا جبل الراوي؟ إنت كبيرك تخوف العيال في الشارع، إنما أنا ما يلزمنيش راجل قلبه حجر ومات جوه ضلوعه زيك!”
أبويا قام مفزوع وزعق: “إدخلي جوه يا قمر! عيب!”
جبل قام وقف. لما قام المنظرة كلها قامت. مشي ناحية الباب بخطوتين تقال، ووقف قدامي، الباب بس اللي بيني وبينه. ريحته كانت عود. وطى صوته لدرجة مسمعهاش غيري أنا وأمي:
“قلبي حجر؟ هتشوفي الحجر ده هيعمل فيكي إيه لما تبقي على اسمي.”
وسابني ومشي طلع من المنظرة، وراه كل عيلة الراوية.
وانكتب كتابي وأنا واقفة ورا باب المنظرة بجلابية البيت، من غير زغروطة واحدة. انكتب على جبل الراوي.. وبقيت مراته وعلى اسمه وانا معرفش ايه اللي مستنيني هناك
بالليل كنت في أوضتي بلم شنطة صغيرة. أمي بتعيط وبتحط لي هدومي. أبويا دخل وقعد جنبي وقال:
“يا بتي.. أنا برميكي في النار عشان أنقذ إخواتك الصبيان من الموت.. جبل راجل.. والراجل الحنين رزق، بس الراجل اللي يحميكي رزقين.”
قبل الفجر، خدوني على بيت الراوية. بيت كبير أوي، سوره عالي، منور بلمض كتير. أول ما دخلت لقيت الحريم كلها واقفة مستنياني. في النص ست لابسة أسود في أسود، وشها قاسي زي الحجر.. الحاجة صفية أم جبل.
بصتلي من فوق لتحت وقالت:
“أهلاً
بعروسة التار.. نورتي بيت اللي قتـ. لتي ولده.”
الكلمة نزلت على قلبي زي السكـ. ينة.
وفي اللحظة دي سمعت صوت خطوات تقيلة ورايا. عرفت إنها خطواته من غير ما أبص.
جبل دخل، قال للحريم “خشوا جوه” فكلهم اختفوا كأن الأرض انشقت وبلعتهم.
فضلت أنا وهو في الحوش الكبير لوحدنا.
بصلي وقال: “أوضتك فوق.”
طلعت وراه وأنا شايلة شنطتي، دخلت أوضة كبيرة، سرير كبير وفستان فرح أبيض محطوط عليه. هو اللي جايبه؟
دخل قلع عبايته ورماها على الكرسي، وبعدين بصلي وقال الجملة اللي مستنياها من الصبح:
“بصي يا بنت الناس.. إنتي هنا عشان الصلح، ليكي احترامك وأكلك وشربك واسمك على اسمي، والكل هنا تحت رجلك.. بس ما تستنيش مني لا كلمة حلوة ولا قلب حنين.. أنا قلبي مدفون مع أخويا.”
كنت هعيط، بس افتكرت كلامه في المنظرة. مسحت دمعة نزلت غصب عني وقلتله:
“وأنا لا عايزة قلبك ولا حنيتك يا كبير البلد.. اعتبرني ضيفة تقيلة وماشية.”
بصلي بصة طويلة أوي، وبعدين فتح الدولاب طلع مخدة وبطانية ورماهم على الكنبة اللي في آخر الأوضة وقال:
“أنا هنام هنا.. السرير ليكي.”
وطفى النور وقعد على الكنبة، مديني ضهره.
وأنا قعدت على السرير بفستاني، في بيت عدوّي، وسمعت صوت بكاء أمه طالع من الأوضة اللي تحت.. بتبكي على أخوه اللي مات.
عرفت
ساعتها إن الليلة دي مش ليلة دُخلة.. دي أول ليلة في حرب طويلة…. يتبع
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!