رواية حسن وفدوي الفصل الاول 1 بقلم القلم الذهبي
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
كانت أنسام المساء العليلة المحملة بـ رائحة البخور الجاوي، والمسك، والزعفران الأصيل تهب بـ رقة عبر أزقة حي الحسين العتيقة، حيث تتداخل العمارة الإسلامية الشامخة مع حكايات البشر وأصوات المارة. في قلب هذا الحي النابض بـ الأصالة، كانت تقع “وكالة الجبالي للعطارة”، وهي بناية خشبية عتيقة ذات نقوش إسلامية بارزة، تفوح منها روائح الأعشاب النادرة التي ورث حسن الجبالي سرها وأمانتها عن أجداده.
كان حسن يقف خلف مكتبه الخشبي العريض بـ قوام رجولي ممشوق وبنية قوية تعكس شبابه الناجح. كان يرتدي قميصاً أبيض ناصعاً بـ لمسة كلاسيكية متزنة، وعيناه البنيتان الحادتان تتابعان حركة البيع بـ هدوء ووقار فرض احترامه على القاصي والداني في الحي. بالنسبة لـ حسن، الأصول والكلمة الشريفة هما رأس ماله في السوق، ولا يقبل بـ أي بديل يغير هوية منطقته.
على بعد خطوات قليلة من الوكالة، وتحت سقف بناية تم ترميمها بـ طراز حديث وأنيق، كانت الدكتورة فدوى المنصوري تقف بـ فخر واعتزاز داخل صيدليتها الجديدة التي تحمل اسم “نقاء الشفاء”. كانت الصيدلية مصممة بـ أحدث الديكورات البيضاء والإضاءة المشرقة التي بدت غريبة ولافته للأنظار وسط جدران الحي العتيقة. كانت فدوى ترتدي معطفها الأبيض الطبي بـ أناقة محتشمة ونظيفة، تصفف الأدوية على الأرفف الزجاجية بـ دقة وفدائية واضحة، وعيناها تشعان بـ شغف العلم والذكاء.
تحطم هدوء المساء عندما لاحظ حسن أن بعض عمال الصيدلية يضعون لوحة إعلانية ضخمة ومضيئة بـ ألوان حديثة، كادت أن تغطي على واجهة وكالته الأثرية. انتفض حسن بـ شهامة وعزة نفس، وخرج بـ خطوات ثابتة وقوية أعلنت عن حضور رجل لا يقبل بـ التعدي على حقوقه.
خطا حسن داخل الصيدلية المشرقة، ووقف أمام فدوى بـ هيبته الصارمة وقال بـ نبرة صوت عميقة وحازمة تردد صداها في أرجاء المكان: “مساء الخير يا دكتورة. أنا حسن الجبالي، صاحب الوكالة المجاورة لكِ. أهلاً بكِ في الحي بـ التأكيد.. ولكن، لوحتكِ الإعلانية المضيئة تغطي على نقش أثري لـ وكالة عائلتي يعود لـ مائة عام. التطوير ومواكبة العصر لا يعطيانكِ الحق في طمس ملامح الأصول والتاريخ هنا بـ هذه البساطة المستفزة.”
التفتت فدوى بـ بطء ونبل، ونزلت من فوق السلم الصغير بـ خطوات ورعة ورزينة تفيض بـ عزة النفس. نظرت في عينيه الحادتين دون أن ترتبك من لهجته الصارمة، وقالت بـ نبرة صوت هادئة كـ جريان الماء لكنها تحمل حزماً قاطعاً: “أهلاً بـ الباشمهندس حسن.. أو بـ المعلم حسن كما يلقبونك بـ السوق. صباح النور. أولاً، اللوحة تم وضعها بـ قياسات هندسية دقيقة وقانونية مصرحة من الحي. ثانياً، أنا لا أطمس التاريخ، بل جئتُ لـ أقدم لـ أهل هذا الحي علاجاً علمياً حقيقياً بـ لغة العصر الحديث، بدلاً من الاعتماد الكلي على خرافات الأعشاب والخلطات التقليدية التي قد تضر أكثر مما تنفع.”
ضيق حسن عينيه بـ غضب مكتوم، ولمعت في عينيه شرارة العناد الشريف وهو يتقدم خطوة نحو مكتبها قاطلاً بـ نبرة مستفزة: “خرافات؟ يا دكتورة فدوى، علم العطارة والأعشاب النادرة الذي تستخفين به بـ لغة أدويتكِ الكيميائية، هو أصل الطب الشريف ونقاء الطبيعة الذي عاشت عليه أجيال بـ كبرياء وصحة كاملة. الأرقام والتكنولوجيا التي تتباهين بها في صيدليتكِ البيضاء لا تملك روحاً ولا تفهم طبيعة أهل هذا الحي الطيبين. أنا لستُ ضد القانون، لكني ضد التعالي على عادات المكان.”
رفعت فدوى رأسها بـ شموخ وكبرياء شامخ صدم حسن، وقالت بـ ثبات أذهل قلبه: “أنا لا أتعالى على أحد يا حسن بيه، وعائلتي ورثتني احترام البشر قبل كل شيء. لكن الأمانة الطبية تقتضي أن أقول إن العلم الحديث يكمل الطبيعة ولا يلغيها، وعنادي في تطبيق العلم يحمي الأرواح. لوحتنا ستبقى في مكانها القانوني بـ مرونة، وإذا كنت تملك الهوية والسطوة في هذا الحي، فـ أنا أملك الشجاعة والحق لـ أثبت نجاحي بـ النور.”
شعر حسن بـ نبضات جديدة تضطرب داخل صدره أمام ثباتها وشجاعتها؛ فـ قد اعتاد أن يهابه الجميع، لكن هذه الفتاة النقية كانت تقف أمامه كـ الأميرة التي لا تنحني لـ عاصفة.
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!