
رواية نبضات الصخر الفصل السابع 7 بقلم هاجر سلامة
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
بدأت مرحلة جديدة تماماً في حياة نايا ومعاذ، مرحلة ذابت فيها أسوار الجليد وحل محلها دفء لم يختبره أي منهما من قبل.
تحول الجناح الخاص بهما في قصر الشاكر من ساحة حرب باردة إلى ملاذ آمن يجمعهما بعيداً عن عيون ميرفت المتربصة.
ومع بدء البرنامج العلاجي المكثف الذي أقره الطبيب، أخذ معاذ على عاتقه مسؤولية رعاية نايا بشكل كامل، مستخدماً حسمه ورجولته لحمايتها من أي مجهود أو توتر قد يهدد فرصتها الأخيرة في الحمل.في الصباح الباكر،
كانت خيوط الشمس الذهبية تنعكس على وجه نايا المسترخية في فراشها. استيقظت لتجد معاذ يجلس بجانبها على حافة السرير، ممسكاً بصينية خشبية أنيقة تحمل وجبة إفطار متكاملة أعدها بنفسه وفقاً لتعليمات الطبيب الصارمة، وبجانبها كوب من العصير الطازج والحقنة اليومية المخصصة لتنشيط الهرمونات وتثبيت جدار الرحم المهدد.
تأملته نايا بنظرات مليئة بالامتنان والحب، وقالت بصوت ناعم يملأه الخجل: “معاذ.. أنت صحيت بدري أوي وعملت كل ده بنفسك؟ أنا مش متعودة إن حد يهتم بيا بالطريقة دي من يوم ما ماما ماتت.”
ابتسم معاذ ابتسامة دافئة مسحت كل ملامح الجفاء القديمة، ووضع الصينية أمامها وربت على شعرها الحريري برفق، ثم قال بنبرة حنونة: “أنا مش بعمل واجب يا نايا.. أنا برعى مراتي اللي شيلت معاها عهد قدام ربنا. الدكتور قال إن حالتك النفسية وراحتك هما الأساس في نجاح العلاج، وأنا مش هسمح لأي حاجة في الدنيا تعطلنا عن حلمنا.. يلا كلي عشان ميعاد الحقنة قرب.”
أومأت نايا برأسها وبدأت في تناول طعامها ببطء، بينما كانت عيناها تتابعانه وهو يجهز الحقنة بدقة متناهية.
تحركت أصابعه بمهارة فائقة وحذر شديد، وكان يركز بكامل حواسه لكي لا يتسبب لها بأي ألم إضافي.
تقدم نحوها وامسك يدها برفق قائلاً : “خدي نفس عميق يا حبيبتي.. مش هتحسي بحاجة خالص.”غمضت نايا عينيها، وضغطت على يده بقوة عندما شعرت بوخزة الحقنة، لكن الدفء والأمان الذي شعرت به في حضنه فوراً جعل الألم يتبخر سريعاً.
ضمها معاذ إلى صدره بقوة، وظل يقبل رأسها ويهمس لها بكلمات مهدئة حتى انتظمت أنفاسها وهدأت تماماً.في الشركة الكبرى، سارت الأمور بريتم مختلف تماماً يعكس هذا التقارب العاطفي الكبير.
دخل الزوجان يداً بيد، وكانت علامات السعادة والانسجام واضحة على وجه نايا التي استعادت بعضاً من نضارتها بفضل الراحة والعلاج والدعم النفسي.
لم تعد نايا تلك المدير القاسية المتغطرسة التي يخشاها الجميع، بل أصبحت تتعامل برفق وهدوء، بينما تولى معاذ إدارة الأمور الحيوية وحمايتها من ضغوط الاجتماعات الطويلة.
جلس معاذ خلف مكتب نايا الفخم يراجع بعض الميزانيات، بينما كانت هي تجلس على الأريكة الجلدية المريحة بأمر منه لترتاح. كانت تراقبه وهو يتحدث برزانة وذكاء مع رؤساء الأقسام، ويدير الصفقات بحنكة مالية منقطعة النظير شهد لها الجميع بالبنان.
شعرت نايا بفخر شديد؛ فهذا الرجل الذي اختارته ليكون مجرد وسيلة في عقد مدته ستة أشهر، أصبح الآن محور حياتها وسندها الحقيقي الذي لا يمكنها الاستغناء عنه.
دخلت السكرتيرة وحملت معها فنجاناً من القهوة لمعاذ وكوباً من الحليب الدافئ لنايا. نظر معاذ إلى السكرتيرة وتحدث بحزم: “يا ريهام.. الغي أي اجتماع بعد الساعة تلاتة لمدام نايا، وأي ملفات محتاجة إمضاء سيبها على مكتبي أنا هراجعها وأمضيها بالنيابة عنها بناءً على تفويض رئيس مجلس الإدارة.”
أومأت السكرتيرة باحترام وخرجت، فالتفتت نايا إلى معاذ وقالت بضحكة رقيقة : “جرى إيه يا معاذ بيه؟ أنت بقيت بتدير الشركة وبتمشيني على مزاجك.. أنا رئيسة مجلس الإدارة هنا على فكرة!”
ضحك معاذ ونهض من مكتبه وتوجه نحوها، وجلس بجانبها وأمسك كوب الحليب وقدمه لها قائلاً بخبث محبب: “أنا هنا بنفذ أوامر الدكتور يا هانم.. والدكتور قال الراحة التامة. وبعدين أنا مش بدير الشركة، أنا بحمي ممتلكات مراتي وابني اللي جاي في السكة.. اشربي الحليب وأنتِ ساكتة ومن غير نقاش.”
أخذت نايا الكوب منه وهي تبتسم بسعادة بالغة، وشعرت أن قلبها الذي ظنت أنه مات مع والدتها بدأ ينبض من جديد وبقوة، وأن مشاعرها تجاه معاذ تجاوزت بمراحل حدود الامتنان لتتحول إلى حب جارف وحقيقي يملأ كيانها بالكامل.
في المساء، عاد الزوجان إلى الجناح بعد يوم عمل طويل وناجح.
كانت الأجواء هادئة للغاية، وصوت قطرات المطر الخفيفة يضرب زجاج النوافذ ليزيد المكان دفئاً ورومانسية.
ارتدت نايا فستاناً منزلياً ناعماً باللون الأبيض، وجلست أمام مرآتها تمشط شعرها ببطء وتفكر في كلام الطبيب عن اقتراب موعد الفحوصات الحاسمة لمعرفة إن كان الحمل قد حدث أم لا.
دخل معاذ الغرفة، وانبهر بجمالها الطبيعي الهادئ الخالي من المساحيق. اقترب منها ببطء، وأخذ الفرشاة من يدها وبدأ في تمشيط شعرها بنفسه برفق وحنان بالغ.
تلاقت عيونهما في المرآة ، واختلطت مشاعر الرهبة والشوق في نظراتهما؛ فقد كان كلاهما يدرك أن ما يجمعهما الآن لم يعد مجرد محاولة لإنقاذ رحم مريض، بل هو انصهار كامل لقلبين عانيا من الخذلان والوجع، ووجدا في بعضهما الملاذ والوطن.
ألتفتت نايا إليه، ووضعت يديها على صدره ونظرت في عينيه وقالت بصوت يرتجف من شدة المشاعر: “معاذ.. أنا خايفة أوي. خايفة الشهور تجري وما يحصلش حمل، وخايفة أخسرك وأخسر كل حاجة.. أنا حبيت حياتي معاك أوي ومش عايزة النسخة القديمة مني ترجع تاني.”
ضم معاذ وجهها بين كفيه الدافئين، ونظر في أعماق عينيها وتحدث بنبرة صادقة هزت وجدانها: “لا تخافي يا نايا.. أنا معكِ، ولن أترككِ أبداً مهما كانت النتائج. حبنا الصادق هذا سيكون دواءً لجسدكِ وقبل لقلبكِ. الله لن يضيع رجاءنا، وسنرزق بالطفل الذي سيملأ دنيانا فرحاً.. أنتِ لستِ وحدكِ بعد اليوم، أنا سندكِ وحبيبكِ وزوجكِ للأبد.”
انحنى معاذ وقبلها قبلة طويلة وعميقة، تحمل كل معاني الوعد بالبقاء والوفاء.
وفي تلك الليلة، تجددت علاقتهما الزوجية بفيض من الحب الحقيقي الخالي من أي قيود أو شروط، ليرسما معاً بداية فصل جديد ومشرق في روايتهما.وفي نفس الوقت، كانت ميرفت تقف في شرفة غرفتها في الطابق السفلي، تراقب إضاءة جناح نايا ومعاذ الهادئة وعيناها تشتعلان بالحقد والغل : “مبسوطين أوي وفاكرين إنكم كسبتوا اللعبة؟ ماشي يا نايا.. وماشي يا معاذ. الهدوء ده مش هيطول، وأنا وراكم والزمن طويل.. لازم أعرف السر اللي مخليكم مستعجلين كده ويروحوا للدكتور كل شوية، واليوم اللي هعرف فيه السر ده.. هيكون يوم نهايتكم في القصر ده.”
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ليس لديك حساب؟ إنشاء حساب
التعليقات (0)