رواية قلب خارج القسمة الفصل الاول 1 بقلم امل نصر
البارت الاول
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
تفتَّحت عيناها رغماً عنها على جلبة الصغار المعتادة؛ صراخٌ حاد، وخطواتٌ غير مكترثة تدوس أطراف غطائها، ودفشاتٌ عشوائية من أقدام إخوتها غير الأشقاء وهم يتخطون جسدها النحيل.
كانت ترقد هناك.. في ذلك الشق الضيق والفاصل بين السريرين. البقعة التي غدت ملاذها ومضجعها الإجباري كلما جاءت لتقضي يومي الزيارة المفروضين لوالدها. رجلٌ طلق أمها قبل سنوات، ومضى يؤسس عائلة جديدة حافلة بالأبناء، تماماً كما فعلت أمها التي تزوجت هي الأخرى وأنجبت من غيره. أما سلوى، فكانت تلك النبتة التي نبتت في الهامش، تعيش في كنف جدها وجدتها العجوزين، وتتقاسم الأيام بين زيارات مشروطة.
في هذا البيت، كانت تتجرع في كل ثانية إحساساً مهيناً بأنها كائنٌ فائض عن الحاجة، فردٌ غير مرغوب فيه، ومع ذلك تظل مجبرة على المجيء. والمفارقة المريرة أن أمها أيضاً تزورها في بيت جدها كالغرباء، تمر عليها متخففة من قيد الأمومة، تماماً كخالاتها.
أيقنت سلوى، منذ أن وعيت على الدنيا، المعادلة القاسية: إخوتها من أمها لديهم أب وأم يرعيانهم، وإخوتها من أبيها لديهم أب وأم يحيطانهم بالدفء؛ أما هي، فمجرد رقم زائد خارج قسمة القلوب، لا تنال إلا الفتات. وعليها أن ترضى بهذا الفتات صاغرة، وإلا خسرت الجميع ولم تجد من يمنحها قرشاً واحداً. قرشٌ تعلمت مبكراً أنها لا تأخذه منةً، بل تدفع ثمنه مقدماً من صحتها وجهدها في خدمة البيت.. تماماً كما يوشك أن يحدث الآن.
انقطع حبل أفكارها الكئيبة حين اخترق مسامعها صوت زوجة أبيها، بنبرتها التي تقطر طيبةً زائفة، تخفي خلفها قائمة لا تنتهي من أعمال المنزل الشاقة:
ـ يا سلوى.. إنتي يا سلوى! قومي يا بنتي عشان تفطري معانا.
كان لا بد لسلوى أن تطيع النداء وتنهض فوراً؛ فالعصيان هنا تكلفتُه باهظة. وحتى لو كان جسدها النحيل يتوق لجرعة إضافية من النوم، فما نفع البقاء في مضجعٍ لا يعرف للراحة سبيلاً؟ مضجعٌ يترك عظامها كل صباح محملة بآلام الرطوبة وقسوة الأرض.
نهضت بتثاقل، ولملمت ملاءتها وغطاءها المتواضع، طوتهما بعناية لتسندهما عند طرف سرير أحد اشقاءها.
وفي تلك اللحظة، التفتت لتجد ما لم تعتده؛ رأت خارج الغرفة هدى شقيقتها من ابيها تمر من امامها وقد استيقظت وغادرت فراشها! مفاجأة غريبة، فهي اعتادت أن تغط في نومٍ عميق حتى آذان الظهر، تتركها والدتها تنعم بالراحة والدلال، ما دام هناك بديلٌ جاهز يسد الفجوة، ويحمل عن كاهلها عبء البيت بأكمله.
رفعت سلوى يديها، ولمت خصلات شعرها المتمردة برابطة بسيطة، ثم تحركت بخطى وئيدة تغادر الغرفة. كانت الردهة قد خلت حتى من الصغار؛ إذ هرعوا جميعاً يسبقونها إلى المائدة، ليتلقفوا أطباق الطعام المتراصة فوق السفرة الخشبية القديمة، يلتهمون ما عليها بنهم، قبل أن تطأ قدمها المكان
…………………..
ساد في البيت جو غريب مشحون بالسرية منذ الصباح. استشعرت سلوى ذلك الشيء الخفي منذ أن استيقظت وتناولت وجبة الإفطار على عجل بحضور والدها قبل أن يغادر إلى عمله.
كانت الأجواء مريبة؛ فزوجة أبيها لا تكف عن الاختلاء بابنتها “هدى” في كل لحظة، وفي كل مرة تباغتهما سلوى في غفلة منهما، تجدهما تتهامسان بكلمات مقتضبة تتلاشى فور اقترابها. كانت تراقب الأمر بحرص وفضول ينهش رأسها، وهي تتنقل بين أرجاء البيت؛ تارة وهي ترفع السجاد لتنظيف الصالة، وتارة أثناء جلي الأواني، أو إعداد الطعام كما تفعل الآن.
لم يكن الهمس وحده مريباً، بل كانت هدى تتزين بشكل مبالغ فيه على غير العادة؛ وأمها تشرف عليها بملامح يملؤها الزهو، وتتفحصها بنظراتها كل لحظة وكأنها قطعة ثمينة تُعرض في واجهة.
انقطع تأمل سلوى المشوب بالشك حين اقتربت منها زوجة أبيها، بابتسامتها اللزجة ولسانها المعسول كالعادة، لتقول بنبرة آمرة مغلفة بالود:
ـ تسلم إيدك يا سلوى يا بنتي.. معلش همتك معانا بأيدك الحلوة دي تعملي عصير يسقع في الثلاجة، وياريت كمان لو تعملي صينية بسبوسة من اللي قلبك يحبها عشان شكله كدة جالنا ضيوف على غفلة
.
تركتها وزحفت عائدة نحو غرفتها لتكمل الإشراف على ابنتها، بينما بقيت هدى غارقة في مبالغتها بالزينة، لا تكف عن إجراء المكالمات الهاتفية المتتالية مع صديقاتها، تضحك بهمس وتتحدث بنبرة مليئة بالغموض والإثارة.
غادرت زوجة أبيها الغرفة، لكنها لم تلبث أن عادت وقربت تطل على سلوى التي كانت مندمجة في تقليب الأرز. وقفت عند عتبة المطبخ، وتأملتها بنظرات فاحصة قبل أن تخاطبها بذوق مستفز ونبرة تقطر لؤماً:
ـ يوه! إنتي لسة قاعدة في المطبخ يا سلوى؟ تعبينك معانا قوي يا حبيبتي.. معلش كله بثوابه بقى.
لو كانت سلوى تملك ذرة واحدة من الجرأة، لكانت صرخت في وجهها وصبت كل ما يغلي في صدرها من قهر. لكانت واجهت هذه المرأة المستغلة التي تتعمد هد حيلها واستنزاف طاقتها في هذين اليومين اللذين تقضيهما في زيارة والدها، وكأنها ما جاءت إلا لتكون خادمة بلا أجر.
لكن العجز كان أقوى، والحاجة إلى السلام تجعلها تبتلع مرارتها. التفتت إليها، وضغطت على شفتيها لتجبر نفسها على رسم ابتسامة باهتة ومجاملة فرضتها عليها الظروف، وقالت بصوت خفيض تحاول جاهدة ألا يرتجف:
ـ ولا تعب ولا حاجة يا طنط.. عادي، زمان الرز يستوي والكل يكون جاهز.
………………….
- لقراءة باقي فصول الرواية اضغط على (رواية قلب خارج القسمة)