رواية انس الوجود وزياد الفصل الثاني 2 بقلم روايات the last line
رواية انس الوجود وزياد الفصل الثاني 2 بقلم روايات the last line
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
البارت الثاني
في منزل عائلة “زياد” كانت تجلس “أنس الوجود” برفقة والدة زوجها ويتجاذبان أطراف الحديث، قالت “مريم” بصوتٍ عالٍ:
-إيه يا “أنس” مش ناوية تفرحينا ولا إيه؟! عدى ست شهور على جوازك ولا حس ولا خبر عن الحمل، لو فيه حاجة يا حبيبتي لازم تتحركي وتروحي وتكشفي، احنا عايزين نفرح بيكم بقى.
ابتسمت لها بود وقالت بصدر رحب:
-ما تفرحوا بينا يا طنط كده، ولا لازم يكون فيه سبب الفرحة يعني! وعلى كل حال إن شاء الله ربنا يكرمنا بالذرية الصالحة.
نظرت إليها “مريم” بضيق ثم قالت:
-لحد امتى هتفضلي تقوليلي يا طنط! مش اتفقنا تقوليلي يا ماما؟!
شعرت “أنس الوجود” بالكسرة والحزن وقالت بصوت منخفض:
-اعذريني يا طنط مش هقدر أعمل كده، بعد وفاة بابا وماما وأنا مقدرش أقول لحد غيرهم كده ولا قادرة أتجاوز غيابهم، اعذريني.
نظرت إليها “مريم” ثم قالت بنفاد صبر:
-الموضوع ده بقاله زمن، أنا لما كنت عايشة مع حماتي الله يرحمها كنت بعملها اللي تعوزه ومكنتش بضايقها بأي كلمة.
شعرت “أنس الوجود” بالضيق من حديث حماتها وقررت التحدث بثبات أكثر:
-حضرتك محترمة يا طنط طول عمرك، ربنا يبارك لينا فيكِ، بس زي ما حضرتك عارفة كل شخص ليه قدرة على التحمل والصبر، ودي مقدرتي وربنا مبيكلفش حد فوق طاقته، بعد إذنك هقوم أطلع أعمل الغدا لـ “زياد” عشان قرب يجي من شغله.
-قومي يا حبيبتي قومي، لما نشوف آخرتها معاكي.
خرجت “أنس الوجود” من غرفة المعيشة وهمت بالطلوع إلى شقتها في اللحظة التي رأت فيها جارتهم “مي” تلقي التحية عليها وتدخل إلى حماتها، تمنت داخلها في تلك اللحظة أن يمر اليوم على خير وألا تحدث أي مشاجرة بينها وبين زوجها، لكنها تذكرت بعد أن وصلت إلى باب شقتها أنها نسيت هاتفها بالأسفل فقررت النزول مرة أخرى وإحضاره، نزلت على مهل، فسمعت صوت حماتها وجارتهم ومعهما زوجة “أمجد” شقيق “زياد” يتحدثون بصوتٍ عالٍ عنها، سمعت حماتها وهي تقول:
-أنا مش عارفه ابني بيحب فيها إيه! دي واحدة مبتخلفش، دي الواحدة مننا زمان يا “مي” ياختي كانت من تاني شهر جواز تكون حامل وكمان تشيل البيت كله فوق كتفها، عندنا مرات “أمجد” ابني أهي زي الفل ومعاها دلوقت بسم الله ما شاء الله أربع عيال والخامس في السكة، يالا لو فضلت كده لازم أخلي “زياد” يتجوز بنت خالته ونفرح بيه وأهو ربنا وقتها هيكرمه منها على طول.
سمعت “أنس الوجود” حديثهم فشعرت بالصدمة والقلق، كيف لها أن تذكرها بالسوء هكذا! وهي امرأة مثلها!
وجدت هاتفها في المطبخ فأخذته بسرعة وهرولت إلى شقتها وما إن وصلت حتى دخلت إلى غرفتها وبحثت بسرعة عن رقم جدها “صالح” واتصلت به وما إن رد حتى أجهشت بالبكاء وقالت بصوت مبحوح:
-الحقني يا جدي، أنا حقيقي مبقتش قادرة أستحمل تلميحات حماتي السخيفة، واللي زاد وغطا سمعتها بتتكلم مع واحدة جارتنا عني بالسوء وكمان عايزة تجوز ابنها، أنا حقيقي مش عارفه هي ليه بتعاملني كده! ليه مش بتعتبرني زي بنتها؟!
ليه الحياة قاسية كده يا جدي! أنا مستغربة من أفعالها، كانت وقت الخطوبة بتعاملني كويس بس تقريبًا ده كله جر رجل، وأول ما اد بست ظهرت على حقيقتها.
رد “صالح” بهدوء:
-اهدي يا حبيبتي بس وإن شاء الله كل حاجة هتكون بخير، المهم إن “زياد” كويس معاكي وبيحبك، ولا هو كمان بيضايقك بسبب موضوع الخلفه ده؟!
-بصراحة لا يا جدي، حتى مفكرش إننا نروح لدكتور ولا حاجة، أنت عارف إن الجواز مش جوزي بس، لا ده جوزي وعيلته كلها، وأنا بتأثر من أقل كلمة، أنت عارف أنا كنت متعقدة ازاي من فكرة الجواز كلها، بس هو اتقدم ليا كذا مرة وقت لما شافني في المزرعة بتاعتك وعملت بنصيحتك وقررت أعطيه فرصة.
تنهد “صالح” تنهيدة عميقة ثم قال:
-عارف يا حبيبتي وفاكر كل ده بس أنا مش عايزك تزعليه ولا تظهري ليه أي حاجة مهما كانت دي والدته، وإياكِ يا “أنس” تتكلمي معاها بأسلوب حاد، أنتِ متربية ومينفعش مهما حصل نتكلم بأسلوب وحش يا حبيبتي.
نظرت إلى الفراغ من حولها ثم قالت:
-ومن امتى وأنا برد يا جدي، بس حاضر هسمع الكلام، أنا مش عارفه من غيرك كنت هعمل إيه بجد، أنت ضهري وسندي وحياتي كلها، أنت ضلي اللي بيحميني من أي حاجة وحشة تقرب مني.
شرد “صالح” في اللا شيء وتذكر يوم وفاة ابنته وقرة عينه “منيرة” وزوجها ليتركوا له فلذة كبده “أنس الوجود” وهي في الصف السادس الابتدائي ليأخذ وقتها عهدًا على نفسه بألا يتركها وحدها وأن يهتم بها ويساندها في كل صغيرة وكبيرة تخصها، تذكر ذلك الحادث المؤلم الذي مرت به وهي صغيرة عندما هم أحد الشبان بالاقتراب منها وملامسة جسدها بعد خروجها من المدرسة في وضح النهار ليقترب منه وقام بضربة وتحرير محضر بقسم الشرطة ضده، لم يدعه يلمس أي جزء منها، لكن تلك الذكرى تركت أثرًا سلبيًا داخلها ومن يومها وهي تكره الرجال أو لنقل بصدق أشباه الرجال، ومن يومها وهو يعلمها كيف تحمي نفسها من أي أحد، علمها أن الحياة ليست وردية، بل فيها قسوة لن تنتهي إلا بقيام الساعة، علمها أن البشر يمثلون الحب أيضًا وهم يحملون لك الحقد والبغض داخل أفئدتهم، تذكر أيضًا ذلك اليوم الذي دخل فيه عليها غرفتها ليراها تبكي دون توقف، اقترب منها وقام بعناقها وقال:
-مالك بس يا حبيبتي؟! فيكِ إيه؟!
نظرت إليه بحزن والدموع تنهمر من عينيها وقالت بصوتٍ مبحوح:
-أنا مش قادرة أتجاوز وفاة بابا وماما يا جدو، مش قادرة أنسى اليوم ده نهائي، أنا مش متخيلة إني كنت هموت معاهم لولا تعبك وإني فضلت معاك عشان أخلي بالي منك، الموت قريب أوي مننا يا جدو، في لحظة ممكن ياخد أي حد بنحبه.
ربت على كتفها ببطء ثم قال:
-الدنيا اختبار يا “أنس” والشاطر اللي يعدي منه بعد توفيق ربنا، احنا هنا في الدنيا يا حبيبتي ومسيرنا هنقابل ابتلاءات كثيرة، لازم نصبر ونحاول نكون أقوى مرة واتنين وتلاتة، وافتكري ربنا مش بيكلف حد فوق طاقته.
نظرت إليه بشرود وقالت بحزن:
-بس البلاء صعب أوي أوي يا جدي، وكمان الناس وحشة خالص، أنا أهو بقيت كبيرة بس لسه بخاف منهم خصوصًا الولاد وتفكيرهم الشيطاني تجاه أي بنت، ربنا يسترها.
أمسك “صالح” يد حفيدته بقوة وقال:
-أنا واثق فيكِ، واثق أكتر إنك هتقدري تعدي كل ده، اللي مع ربنا عمره ما بيضيع.
فاق “صالح” على صوت “أنس الوجود” وهي تنادي عليه بصوتٍ عالٍ:
-جدو أنت رحت فين؟! بقالي ساعة بكلمك وأنت ولا هنا!
- لقراءة باقي فصول الرواية أضغط على (رواية انس الوجود وزياد)