روايات

رواية جلال وشهد – جمر الهيام الفصل الرابع 4 بقلم نورهان محسن

رواية جلال وشهد – جمر الهيام الفصل الرابع 4 بقلم نورهان محسن

 

البارت الرابع

 

لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)

رواية جمر الهيام الحلقة الرابعة
لم يمضِ سوى أيام قليلة على الحادثة، حتى تحوّل الحي الشعبي إلى خلية نحلٍ تلوك الألسنة سيرة شهد ووالدتها وخالتها، الناس في الحارة لا ترحم، وكل همسٍ على الأبواب كان كالسكاكين يُغرس في ظهور النساء الثلاث، كلمة هنا، نظرة هناك، صارت الحكاية كأنها فضيحة تلوكها الألسن بشراهة.
في المقابل، جلس جلال في شقته بالطابق الثالث، وقد أثقل صدره حملٌ لا يُحتمل، والده يضغط عليه، ووالدته تلحّ بدموعها: يا ابني فيها ايه لما تريح قلب امك وتتجوّز هدى… دي بنت عمك وفلوس أبوها ماينفعش تطلع بره، البت زي فلقة القمر وبتحبك وبتتمنلك الرضا ومتربية في بيتنا وع ايدينا
كان جلال يجلس على الكرسي، ملامحه متصلبة كجدار، وعينيه معلّقتان في فراغٍ غامض، قبل أن يردّ بصوتٍ قاطع: أنا هتجوز شهد
ارتفع صوت والده بانفعال: ازاي الكلام ده! بعد اللي اتقال عليها؟! يا بني الناس مش هتسيبها في حالها واللي حصل ده كفاية يلطخ سمعتها طول العمر
ضرب جلال بكفه على الطاولة، وارتجّ اركان المنزل حينما تحدث غاضبًا: مالهاش ذنب! هي معملتش حاجة تتحاسب عليها… ودي هتبقى مراتي للي يرفع عينه فيها بنظرة ماتعجبيش هخزقهالو
هدأ الأب قليلًا أمام حدّة ابنه، لكن الأم لم تستسلم، تمتمت بحزنٍ وقلق: يعني عايز تضيع نفسك… بترفض هدى اللي من لحمك ودمك عشان البت دي؟
أجاب جلال بنبرةٍ حاسمة: هدى مابشوفهاش غير اختي الصغيرة يا امي، والحوار ده شيلوه من دماغكو، هروح افاتح ام شهد في الحكاية، عشان احدد معاهم معاد نروح لهم واتقدملها مش طالب منكو غير انكو تباركو جوازة ابنكو الوحيد
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
فى اليوم التالي
أشرقت الشمس فوق الحي الشعبي، لكن بيت سندس كان يعجّ بضوضاء غير مألوفة، أبواب الدواليب تُصفَق، والكراتين تتراكم واحدة فوق الأخرى، وروائح الغبار الممزوجة بعطر قديم يملأ المكان،
على العتبة الشقة، وقف جلال للحظة يلتقط أنفاسه، يحدّق في المشهد أمامه بعينين متسعتين، كأنّ الأرض انسحبت من تحت قدميه.
كان في صدره ثقل غريب، خليط من القلق والرجاء، فما وجده بعثر ترتيب قلبه، كل شيء يشير إلى الرحيل.
خطا بخطوات ثابتة إلى الداخل، رغم أنفاسه المتسارعة، وفي عينيه لمعان صلب يخفي وراءه ارتباكًا دفينًا.
رفعت سندس رأسها نحوه، وقد غطى العرق جبينها من شدة الانشغال، وصوتها جاء مترددًا:
إزيك يا جلال يا بني…؟
اقترب منها قليلًا، ملامحه حادة لكن عينيه تنطقان بالقلق، ثم قال بنبرة منخفضة، كأنها مشوبة بغضب مكتوم: هو إيه اللي بيحصل هنا يا ست الكل؟… إيه الكراتين دي كلها علي فين العزم؟
ارتبكت سندس، تبادلت نظرة سريعة مع ابنتها شهد التي كانت تقف بجوارها تحمل غطاءً قديمًا، عيناها واسعتان تلمعان بالدمع، وشفتيها ترتجفان كأنها تحاول أن تنطق ولا تستطيع.
رفعت سندس يدها تمسح العرق عن جبينها قبل أن تقول بهدوء: خشي يا شهد اعملي شاي للمعلم، اتفضل استريح يا بني…
جلست سندس امامه مسترسلة بغصة، بعدما تأكدت من مغادرة شهد إلى المطبخ: احنا هنسيب البيت يا بني، الظروف ما بقتش سامحة نفضل في الحته بعد اللي حصل…
رفع حاجبيه بتعجب ممزوج بالغضب، وصوته الخشن انفلت ساخطًا: حتة ايه اللي عاوزين تسيبوها يا ست سندس!! مين قالك اني هسمحلكو تعملو كده؟
تنهدت سندس وكأن صدرها أثقل من الجبال، وردت وهي تجاهد كي لا تدمع عيناها: إحنا ماعادش ينفع نقعد هنا يا جلال… الناس مش سايبانا ف حالنا، وسمعة البنت بقت على كل لسان
جلال عضّ على أسنانه بشدة، وهتف بحدة عارمة: قطع لسان اللي يجيب سيرة حد فيكو بسوء طول ما انا عايش ماتقلقوش من حاجة يا ست سندس، انا جيت النهارده مخصوص… عشان أطلب شهد في الحلال على سنة الله ورسوله
شهقت سندس من المفاجأة: إيه اللي بتقوله ده يا جلال؟ انت بتكلم جد يا بني؟!
أدار وجهه جانبًا، كأن كبرياءه يمنعه من كشف ما في صدره، ثم عاد يحدّق بعينيها بثبات، قائلا ببرود: وهي الامور دي فيها هزار يا ست سندس، انا اكتر من يعلم باللي حصل، وشهد ست العرايس وزينة بنات الحي كله ومفيش منها، الذنب مش ذنبها ولا ذنبكو، ومن الليلة هتبقي فيها مراتي وتشيل اسمي عهد عليا قدام ربنا هتكون في حمايتي لاخر يوم في عمري
في تلك اللحظة، كانت شهد خلف الباب نصف المفتوح، قدماها متصلبتان على الأرض، وعيناها دامعتان تتابعان كل كلمة خرجت من فمه، ظنّت لوهلة أن قلبها سيطير فرحًا، لكن كلماته كانت بمثابة خنجرًا اخترق أعماقها، فانسابت الدموع على وجنتيها بلا رحمة، لم تسمع في كلماته اعترافًا بحبٍ تترجاه منذ زمن، بل فقط شهامة جافة ورجولة عنيدة، زواج بلا عشق، مجرد عقد ليحميها من كلام الناس.
أرادت أن تخرج وتصرخ في وجهه: لأ… مش عاوزة جوازك ليا يبقي شفقة منك!
لكن قدماها ارتجفتا، وصوتها انحبس في حلقها، حتى إذا تشجعت لتواجهه كان هو قد أنهى حديثه مع سندس، ثم دار بظهره وغادر الدرج بخطواتٍ حاسمة.
دخلت إليها أمها بعد لحظات، وعيناها لا تخفيان الدهشة والسعادة: سمعتي اللي قاله يا شهد؟ الراجل جه يطلبك، إيه رأيك؟
رفعت شهد يديها لتمسح دموعها بعصبية، وقالت بنبرة مفعمة الحزن: رأيي في إيه يا ماما؟! هو عاوز يتجوزني عشان يسكت السنة الناس عني! شايفني مسكينة محتاجة راجل ينقذها… مش شايفني ست تستاهل يحبها
اقتربت سندس منها، أمسكت بيديها وأجبرتها أن تنظر في عينيها قائلة بصدق: بصي يا بنتي… جلال راجل جدع وابن حلال مصفي، وهيحطك ف عنيه، حتي لو مش بيحبك زي مابتقولي أنتي بشطارتك وبطيبتك تقدري تخليه يحبك…
انكمشت شهد بين ذراعي أمها، وبداخلها صراع مرير بين كرامتها الجريحة وقلبها العاشق الذي لا يعرف إلا جلال، دموعها لم تجف، لكن حين أغمضت عينيها، ارتسم وجهه في مخيلتها بصلابته وخطوط الغضب في ملامحه.
نظرت إلى أمها بعينين مغسولتين بالدمع، وأومأت باستسلامٍ: ماشي يا ماما… اللي تشوفيه
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
امتلأت القاعة بألوان الزينة، وضجّ المكان بضحكات المهنئين وزغاريد النساء، كان الفرح كبيرًا، أكبر مما توقعت شهد.
بدت أمها وخالتها غارقتين في سعادة غامرة، وولدا خالتها الصغيران يركضان بين الطاولات، يلوحان لها ببالونات، ويهتفان باسم جلال بمرح طفولي، كانت تعلم كم يحبانه، وكم يفرحهما أن يصبح جزءًا رسميًا من حياتهما، ولم تشأ أن تُفسد تلك الفرحة على أحد، رغم أن قلبها كان يبكي في صمتٍ لا يسمعه أحد.
وحين انتهت الاحتفالات، وعاد الجميع إلى بيوتهم، وجدت نفسها أخيرًا وحيدة مع جلال في شقتهما الجديدة، الذى أغلق باب الغرفة وراءهما ببطء، ثم استدار إليها، عيناه تلتهمان ملامحها في صمت مهيب، فيه وله لا تخفى.
ارتجفت

أصابعها بارتباك وهي تخلع حجابها، بينما تقدّم عدة خطوات منها، فهو لم يعد يقوى على الصبر، كان قلبه يثور بين ضلوعه كلما نظر إليها، شهد الصغيرة التي كبرت أمامه، ها هي الليلة عروس، أنثى مكتملة، والقدر أخيرًا وهبه إياها.
اقترب منها ببطء، ويده امتدت في حذر إلى شعرها المنسدل على كتفيها، وأصابعه مرت بخفة فيه كأنها تكتب سطور شوقٍ قديم على حريرٍ رقيق، ثم رفع ذقنها بأطراف أصابعه، وعيناه تحاصرها كأنهما جدار لا فكاك منه، قبل أن يخرج صوته خرج عميقًا وهو يمد يده ليلمس خدها: مبروك يا عروسة…
ارتجف بدنها بقشعريرة حالما انحنى ليطبع على جبينها قبلةً تحمل كل الشوق المكتوم: الفستان الابيض عليكي، تمام البدر في ليلة اكتماله القمر
لم يمهلها ردًّا، بل مال نحوها وقبّلها قبلة وُلِه محمومة، تشبه العاصفة التي ظلت حبيسة سنوات طويلة، وشفتاه التصقتا بشفتيها في شغفٍ جعل أطرافها تنصهر، بينما يده تطبّق على خصرها ليشدها إليه كأنّه يخشى أن تتبخر من بين يديه.
شهقت شهد بتقطع، حينما ابتعد قليلاً عنها حتى يلتقط كلاهما أنفاسه، ليهمس جلال بصوت أجش: تحبي أساعدك…
وأشارت يده إلى سحاب فستانها، كأنّه يعرض عليها أن يحررها منه بنفسه، تسارعت أنفاسها خجلاً وارتباكًا، بينما قلبها يطرق صدرها بقوة، وارتجفت أصابعها وهي تمسك يده وتمنعها، ثم تمتمت برفض خجول: لا… شكرا… ممكن معلش تديني شوية وقت اغير فيهم هدومي
رفع ذقنها برفقٍ نحوه، لتلتقي عيناهما، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامةٌ مرحة: ايه الرقة والنعومة دي كلها! اومال راحت فين شهد ابو لسانين؟! ماشي يا ستي… هستنى زي ما انتي عايزه، بس ماتسيبنيش استني كتير وتطولي عليا…
تدفقت كلماته بصوتٍ مبحوح، يشعّ منه لهيب عطشٍ دفين، واحتياج متقد يفيض عن قدرته على الكتمان.
ابتعدت شهد بخطوةٍ للوراء، عيناها اللامعتان تتجنبان النظر إليه، فقطب حاجبيه بدهشة، وقال بحنو خبيث: بتبعدي اوي كده ليه؟ مكسوفة مني اوي كده!
أجابت بصوت مختنق ممزوج بكبرياءٍ مكسور: أنا عارفة يا جلال انت اتجوزتني ليه…

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية ستبقى حبيبي الفصل العشرون 20 بقلم راجية الجنة

يتبع…

 

لو عاوز تقرأ الفصول الجديدة من الرواية دي بشكل حصري قبل صدورها وتشوف الروايات الجديدة وتطلبها

انضم لينا على الفيس بوك (من هنا)

و

أنضم لقناتنا على تليجرام (من هنا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *