روايات

رواية بين الحب والإنتقام الفصل الثامن عشر 18 بقلم نور الهادي

رواية بين الحب والإنتقام الفصل الثامن عشر 18 بقلم نور الهادي

 

 

البارت الثامن عشر

 

رجوووع للمــــاضي
كان علي سايق بجنون، وفجأة…ظهر كمين قدامه، والضابط بيرفع إيده يشاورله يوقف.
لكن علي ما شافش…دخل في الحواجز بعنف، صوت التصادم دوّى والناس اتجمدت مكانها.
الكل اتصدم، عيونهم بتلاحق العربية اللي طارت من الكمين كأنها هاربة من الموت.
بس الحقيقة… الموت كان هو اللي بيطارد علي.
وصل علي قدّام الفيلا…
لسه نازل من عربيته، بيجري للداخل، أنفاسه ملخبطة وتعبان من السواقة المجنونة.
لكن فجأة—
صوت ارتطام مرعِب هزّ المكان كله.
حاجة تقيلة وقعت من فوق…
الأرض نفسها ارتجّت تحت رجليه كإن زلزال ضرب الفيلا.
اتجمّد.
رجليه اترسّمت في الأرض، ومقدرش يحرّكهم.
نَفَسه اتقطع، وصدره وقف للحظة.
التفت ببطء…
بعنيه الواسعة اللي الخوف ماليها لحد آخرها.
وشه اتسحب منه الدم، بقى رمادي.
ولما شافها—
الجثة اللي وقعت فوق عربيته…
السيارة متهشّمة من تحتها…
والجسد مرمي فوق السقف، شعره منساب، والدم نازل على الزجاج المكسر.
كانت وَعْد.
قلبه وقف.
روحه خرجت.
الدنيا اتصفت حوالينه، مابقاش سامع غير صوت دقّات قلبه—
اللي حتى هي توقّفت.
رهبة… ذعر… صدمة… كلهم مرة واحدة.
صرخ:
“وَعْــــد!!”
اندفع ناحيتها فجأة بعد ما الجسمه فكّ،
مسكها بإيده المرتعشة وسحبها من فوق العربية بالراحة…
وضمّها لحضنه كإنه بيحاول يرجّع الروح لجسدها.
ركع على الأرض بيها،
وقع معاها…
رجله مخانته،
وقوته اللي الكل بيشهد بيها…
اختفت،
اتبخّرت في ثانية،
لحظة شافها قدّامه بالشكل ده.
حط راسها على صدره وصوته بيتهز:
“وعد… قومي… بالله عليكي قومي…”
ابتعد علي عنها خطوة…
بصّ لها بعيون مصدومة، فاجعة بتاكل ملامحه، والدموع محبوسة بين جفونه وكإنها مش مصدّقة اللي شايفاه.
وشها بين إيده…
بارد… ميت…
ملامحها مطفية كإن الروح سابت الجسد قبل ثواني.
هزّها وهو بيترجف:
“وعد؟! وعد قومي… اسمعيني!”
ربّت على خدّها بقوة الخوف مش الحنان، صوته اتشرخ:
“افتحي عينِك… بالله عليكي افتحي عيننننك يا ووووعد!!”
كان بيصرخ…
بيصرخ من جوّه قبل ما يكون من برّه.
وفجأة…
جفنها اتحرك.
نفس علي اتقطع للحظة، وبصّ لها بعيون مجنونة، قلبه بيخبط وكأنه بيكسر ضلوعه.
فتحت عينيها…
نظرة أخيرة…
نظرة حد بيودّع…
حد بيحارب الموت بس بيخسر.
كان نفسها بطيء، متقطّع…
وشفايفها رسمت ابتسامة ضعيفة… ابتسامة انتصار قاسي.
قالت بصوت ضعيف… مكسور…
“قولتلك… هخليك تندم… وتجيلي… والدموع… في عينك.”
اتسّعت عيون علي.
نظرتها كانت مزيج من انتقام… وموت… ونهاية.
وفجأة…
اتقفلت عينيها.
استسلمت.
صرخ علي:
“لـــا…! وعد لا! افتحي عينِك يا وعععد!!”
كان بيربت على وشها، إيده مليانة دم…
دمها.
والدم بيلطّخ كفه ووشها… والدنيا بتسيح قدّامه.
وفجأة…
وش وعد اتشوّش…
ملامحها اتهزّت…
وتحوّلت—
اتحوّلت لوش منى.
منى…
وهي ميتة بين إيده.
نفس المشهد.
نفس الوجع.
نفس اللحظة اللي قتلت روحه من سنين.
رجع…
رجع لعلي ابن الـ٢٠ سنة، الواقف شايل موته بإيده…
شايل أخته…
شايل روحه وهي بتتسحب من بين صوابعه.
رجع ببصّ لوعد تاني، وهي «الوصمة» اللي بتطرده، والدموع بتحرق خده.
مد إيده المرتجفة لوجهها:
“لا… لا بالله عليكي يا وعد…”
لكن الدم كان بينزل…
بينهدر منها كإنه نهر.
ضمّها لصدره جامد…
جرح… صرخة… روح بتتقطع.
“لاااااااااا!!! يا رب… يا رب لا…”
سقطت دموع علي أخيرًا…
مش دموع عادية—كانت شلال، كأن سدّ اتفتح فجأة بعد سنين صامد.
هزّها وهو بيختنق:
“افتحي عينِك… ليه عملتي كده؟ لييييييه يا وعد؟!”
ضمّها لصدره فجأة…
حضن مش حضن راجل—حضن حد مكسور، قاهر، صرخته بتشق السما:
“لاااااااا! لا ياااارب… إلا دي…
متخدهاش منّي… أرجوووووك!”
كان بيطوّقها بذراعيه وكأنه طفل خايف،
وبيطبقها على صدره كأنه عايز يشق ضلوعه ويخبيها جواه…
مكان ما الموت ما يعرفش يوصل له.
استند على قدمه وهو شايلها على إيديه…
رجله مهزوزة، مش شايلاه،
قرب من العربية وهو يكاد يقع…
كل لحظة عاشها قبل كده—كل كابوس، كل موت، كل فقد—بيرجع يتكرر قدّامه تاني…
نفس الرعب، نفس التفاصيل، نفس الجحيم.
أبعد الزجاج المتكسر بإيده المرتعشة…
وهو يدخلها العربية براحه…
كأنه بيحط آخر حاجة بيحبها في الدنيا في حضن الموت…
وقعد مكان السواق بسرعة،
يده التانية لسه ماسكاها،
وانطلق.
كان سايق والليل بيبلع الطريق…
دموعه بتسيل بانهيار لدرجة إنه مش شايف قدامه…
بيبص ليده اللي ماسكه الدريكسيون—
ملطّخة…
ملطّخة بدم وعد.
دم حبيبته…
اللي مرمية على ذراعه التاني،
راسها مستقرة على كتفه،
وهو ماسكها بجنون…
كأنه لو سابها لحظة واحدة هتغادر الحياة…
مع إنها—
يمكن كانت غادرتها فعلاً.
وهو سايق…
كان بينهار،
بينهار بكل وجعه اللي خاف منه طول حياته…
كان بيقول في نفسه:
“مقدرش… مقدرش أخسرها… مش تاني… مش بعد منى…”
وعينه تدمع أكتر،
وإيده تتمسّك بيها أقوى،
كأنه بيحارب الموت بإيده…
لكن الموت ما بيتحاربش.
كان علي يترجّى ربّه وهو بيرتعش…
صوته مكسور، ضعيف، متقطع:
“افتحي عينِك يا وعد… مش هتسيبيني… انتي كمان؟”
الكلمات خرجت منه وكأنها طلعت من جرح مش من فم.
أحداث اليوم المشؤوم القديم رجعت…
اليوم اللي مات فيه علي القديم، وطلع علي تاني مكانه.
لكن انتحار وعد…
خلاه يشوف الانتحار القديم بعينه،
رجّع له كل خوفه، كل وجعه،
وخلاه زي الفأر المذعور اللي اتفتح عليه سقف قفصه مرة واحدة.
الطريق كان واقف.
عربيات مرصوصة…
ناس بتصرخ… محدش بيتحرك.
علي وقف عربيته بعصبية…
عينه ماسكة الطريق كأنه بيحاول يشقه بإيده.
حتى ظابط المرور كان واقف عاجز قدّام الفوضى.
علي فتح الباب…
لكن الباب كان معلق من الخبطة والتهشم.
زقّه برجله بكل قوته…
اتكسر.
مد إيده… سحب وعد من العربية
وحضنها على زراعيه—
جسمها يتقطر دم.
دم ساقع… لكنه كان مولّع قلبه.
ركض.
ركض بجنون.
عدّى بين العربيات،
والسائقين اتنحوا…
والمزامير اتسكتت فجأة.
الجميع اتجمدوا وهما شايفين الراجل اللي شايل جثة غرقانة دم وبيجري بيها كأنها آخر نفس بيملكه.
علي يلهث…
نَفَسه بيقطع صدره.
وعينه كل شوية تبص لوعد…
لكن عقله يشوف منى.
نفس اللحظة.
نفس المشهد.
نفس الوزن اللي بيكسر ضهره.
نفس الخوف.
نفس البكاء اللي اتعاهده إنه مش هيعيّطه تاني.
كل خطوة…
كانت بتعيدله صرخة قديمة،
لحظة قديمة،
موت قديم.
دلوقتي…
كل ده بيرجع تاني.
كان بيجري كفهد،
شايل وعد كأنها طفلته…
مش حبيبته بس—
دي كانت روحه التانية.
ظابط المرور شافه…
اتصدم من المشهد.
وقفه بقوة:
“إنت! اقف عندك!”
لكن علي ما وقفش…
عينه كانت مجنونة…
مليانة دموع…
ومليانة نفس واحد:
“الحقّوني… هتموت!”
قال علي وهو لاهث، صوته متقطع:
“المستشفى فين؟”
الظابط اتجمد…
شاف الرعب اللي في عين علي—
الرعب اللي يخوّف راجل متعوّد يشوف الدم كل يوم.
قال بسرعة:
“الشارع اليمين… آخره.”
وكأنه فتحله الطريق بجملة واحدة.
علي جرى.
كأنه بيجري بروحه مش برجليه.
كان كل شوية يتكعبل…
رجله بتخونه…
لكن كل مرة كان بيرفع وعد بسرعة، يضمّها لصدره كأنه بيخبّيها من الدنيا،
وبعدين يرجع يقف ويجري تاني.
كان قوي…
بس دلوقتي؟
اللي يشيله هو اللي وقع.
واللي كان يشيل الدنيا…
ركبته بتترعش.
وصل المستشفى أخيرًا…
فدخل وهو يصرخ صرخة راجل بيغرق:
“دكتووووور!!!”
كل اللي في الاستقبال اتفزعوا.
مرضى… ممرضات…
اتجمدوا كلهم لما شافوا وعد مغطّية دم،
وهو شايلها كأنها آخر نفس في صدره.
صرخ تاني، أعلى:
“دكتووووور بقولللكم!”
خرج دكتور بملامح منزعجة:
“إيه الصوت ده؟! إزاي تعمل دوشة بالشكل ده في—”
لكن ما كملش.
علي خطفه من قميصه…
رفع الدكتور بإيده كأنه ورقة.
عنيته كانت مش إنسان…
عنيته كانت حرب.
قال بصوت متقاطع بين التهديد والبكاء:
“أنقذها.”
الدكتور اتصدم…
اتوتر…
بَص لعلي بترقّب،
والخوف مسيطر على وشه.
علي شدّه أكتر:
“خَلّيها تعيش…
تتخرّج وإنت اللي أنقذتها…
ما تتخرجش خالص لو ماتت بين إيدك.”
الكلام كان تهديد…
بس كان خوف قبل أي حاجة.
الدكتور بصّ لوعد…
وبعدين بصّ لعلي وقال بخضة:
“إنت… متأكد إنها مش ميّتة؟
إنت مقتنع بكلامك دا؟”بصّ علي لوعد اللي على دراعه، تملّكه الرعب… معقول تكون ودّعته بين إيده؟
جه المسعفين، حطّوها على السرير، والدكتور بيشوف نبضها.
بصّ لعلى، وكانت النظرة كفيلة تقتل علي ١٠٠ مرّة.
قال: “عايشة.”
سحب علي الدكتور بقوّة وقال: “انطقققق!”
قال الدكتور:
“هعمل اللي في إيدي… حضّروا أوضة الإنعاش فوراً!”
الممرضين جِروا، وعلي قال: “أنقذها.”
قال الدكتور جملة واحدة:
“المنقذ هو ربك، أنا عبد زيّك… صدّقني مفيش في إيدي حاجة. أنا هعمل اللي في إيدي. صدّقني نبضها ضعيف قوي… إنت بتأخّرني.”علي تركه، والفجعة في عينه.
الدكتور عدّل جاكته ومِشي فوراً وهو خايف من علي.
مسك علي سرير وعد وهما بياخدوها من قدّامه، ومِشي معاها وهو ماسك إيدها، ودمائها بتمتزج بين إيديهم وهو بيقبض عليها.
قال بصوت شجن باكي مرعوب:
“وعد…”
ولما اتفتح باب الأوضة وخدوها، علي كان هيدخل، لكن الممرضة منعته.
قالت:
“خليك هنا لو سمحت.”
قال علي:
“ابعدي… هدخل معاها! مينفعش تسيبني!”
قالت الممرضة:
“لو سمحت… ده قانون.”
قال علي بغضب وقوّة:
“ابعدي!”
ودخل، وكانت فيه جلجلة في الأوضة بسبب علي.
وهنا… لقى إيد بتتحط على كتفه.
لما بص… لقى شخص واحد.
مالك.
حارسه الشخصي وصاحبه اللي رماه الزمن قدّامه في وقت غير مناسب.
قال مالك:
“اخرج يا علي… إنت بتعطلهم.”زقه علي، لكن مالك سحبه بقوة لبرا وقفّلوا الباب أخيراً.
بصّ علي، لقى عبير واقفة، مصدومة، الدموع مالية عينيها وهي باصة على وعد من ورا الإزاز.
علي ماكنش فاهم مالك جه إزاي… ولا عبير.
لكن لفّ على الإزاز يشوف حبيبته، وكأن روحه هي اللي جوّه.
جواه كان بيرتجّف وهو شايف الطبيب بيعمل لها إنعاش بكلتا إيديه، بيضغط بقوة…
لكن علي ماكنش شايف غير حاجة واحدة:
خط الحياة على الشاشة… متوقّف.
ما بيتحرّكش.
قال علي بصوت مكسور:
“لا…”
الدكتور بيضغط أقصى ما يمكن، لكن مفيش أي استجابة تقول إنها لسه عايشة.
ولما شاف طقم التمريض بيتبادلوا النظرات…
صرخ علي:
“لااااا… وعااااد!”
اندفع ناحية الباب، مسكه مالك وزقه بقوة وقال:
“ابعد!”
علي بيصرخ:
“افتحي عينِك يا وعد… لااااا بقووولك!”
مالك ماسك علي بكل قوته…
لكن ماكانش قادر عليه من شدّة هياجه.
وقال مالك بصوت محاول يهدّيه:
“اهدّا يا علي…”الدكتور عمل جهاز الصدمات بسرعة وقسوة، وشقّوا ملابس وعد لينتفض جسدها مع الصاعقة.
علي توقّف، حاسس إن روحه بتتسحب منه، ودمعة أخيرة نزلت وهو شايف اللي وصلت له… جسدها بيتنفض من أثر الصدمات القوية.
وهنا… عاد النبض يشتغل.
والدكتور ماوقفش، استمر لحد ما النبض ثبت أكتر، وقال بسرعة:
“عمليّة… بسرعة!”
علي نظر لوعد وهما بيقفّلوا الإزاز، يمنعوه يشوفها… آخر لمحة اختفت قدّامه.
علي بعد عن مالك، ماقدرش يعقل… راح وقف عند الباب.
مالك بصّ له… في عيونه فاجعة ورعب ماكانش متخيل يشوفهم في علي.
اللي قدّامه مش علي اللي يعرفه…
ده علي الحقيقي… علي اللي اتدفن لما أخته ماتت، واللي فاق تاني لما حب وعد صحّى المقتول جواه.
كأنه أخيراً اتشبّث بحاجة غير الانتقام.
خرجت الدكتورة بعد الانتهاء…
بصّت لعلي، وقالت من غير مقدمات:
“عدّت مرحلة الخطر…
بس حالتها مش مستقرة.”قال علي:
“هي كويسة؟”
ردّ الدكتور ببرود واقعي:
“معتقدش… حالتها كانت بين إيد ربنا. بس السؤال هنا… اللي حصلها ده من إيه؟”
ما ردّش علي.
لكن مالك قال بسرعة:
“حادثة يا دكتور.”
الدكتور بصّ لعلي… الدم مغرق هدومه وإيده.
وسأل بنبرة شك واضحة:
“مين الفاعل؟ هو؟”
قال مالك:
“لا يا دكتور… ده يكون—”
قاطعهم علي، صوته اتكسر:
“الطفل.”
الدكتور رفع عينه باستغراب:
“طفل؟”
علي كرر:
“هو كويس… صح؟”
الدكتور اتوتر:
“طفل إيه؟”
بصّ له علي باستغراب كأنه بيسمع حاجة غريبة:
“و… وعد حامل. عايز أطمن على ابني… هو لِسّه عايش ولا؟”
الدكتورة اللي كانت واقفة جنبه قالت فجأة:
“بس… المريضة مش حامل أصلاً.”
الدنيا وقفت.
تسمّر علي مكانه… ومالك وعبير اتصدموا.
قالت عبير بصوت مبحوح:
“إزاي يا دكتور؟!”
ردّ الدكتور:
“زي ما سمعتوا. مفيش أي جنين في رحم المريضة.”
مَلامح علي اتقلبت، وشه كله صدمة…
الدكتور كمل:
“بس… في أثر جراحة أسفل البطن. يدل إن المريضة دخلت عملية فعلاً. فممكن”
علي قال بصوت مهزوز:
“ممكن… ممكن إيه؟”
الدكتور نطق الكلمة اللي قصفت قلبه:
“إجهضت.”

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية بطلة الخديعة - نهى ورؤوف الفصل السادس عشر 16 بقلم يسرا

 

 

لو عاوز تقرأ الفصول الجديدة من الرواية دي بشكل حصري قبل صدورها وتشوف الروايات الجديدة وتطلبها

انضم لينا على الفيس بوك (من هنا)

و

أنضم لقناتنا على تليجرام (من هنا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *