رواية روان الشمري وفهد العدلي الفصل التاسع عشر 19 قصة رومانسية عربية
رواية روان الشمري وفهد العدلي الفصل التاسع عشر 19 قصة رومانسية عربية
البارت التاسع عشر
الحديقة القديمة كانت أشبه بمقبرة للذكريات. الأشجار الكبيرة التي كانت تظللها في الطفولة أصبحت الآن متشابكة ومهملة، الأوراق الجافة تغطي الأرض، والنافورة الصغيرة في الوسط توقفت عن العمل منذ سنوات. ضوء القمر ينعكس على المياه الراكدة فيها، يعطي المكان جواً شبحياً.
أحمد الريس وقف تحت شجرة التين الكبيرة، نفس المكان الذي كان يجلس فيه دائماً يراقبها وهي تلعب. ارتدى معطفاً أسود طويلاً، ووجهه شاحب كأنه لم يرَ الشمس منذ فترة طويلة.
روان وقفت على بعد خطوات، قلبها يدق بقوة لكن وجهها لم يظهر أي خوف.
“اتكلم يا أحمد. جيت عشان أسمع السر ده.”
أحمد ابتسم ابتسامة حزينة، ثم بدأ يتكلم بصوت منخفض، كأنه يروي قصة قديمة:
“لما كنتِ صغيرة، كنتِ دايماً تلعبي هنا مع أولاد الحي. في يوم من الأيام، لما كنتِ في التاسعة تقريباً، حصل حادث.
كنا بنلعب ‘الغميضة’ في الظلام، وأنتِ اختبيتي ورا الشجرة دي.
أنا كنت اللي بدور عليكِ… بس ما كنتش لوحدي.”
توقف لحظة، كأنه يجمع شجاعته.
“أبوكِ كان موجود.
كان بيتكلم مع أمك في الشرفة العلوية، مش بعيد عن الحديقة.
سمعت صوتهم يتخانقوا بشدة. أمك كانت بتصرخ: ‘مش هسيبك تاخد بنتي وتخليها تعيش كدة!’
وبعدين… سمعنا صوت سقوط.”
روان شعرت بدوار، لكنها ثبتت نفسها.
“سقوط إيه؟”
“أمك سقطت من الشرفة.
أبوكِ قال إنها انتحرت، إنها كانت مكتئبة.
بس أنا شفت الحقيقة يا روان.
شفت إيده وهو بيدفعها.
شفت النظرة في عينيه لما نزل يشوفها ملقية على الأرض.
ما كانش فيه حزن… كان فيه راحة.”
الكلمات ضربت روان كصفعة. عيناها اتسعتا، وصوتها خرج مرتجف:
“أنت… بتكدب. أبويا قال إنها مرضت فجأة، إنها وقعت وهي بتحاول تاخد دواها.”
أحمد هز رأسه ببطء.
“ده الكذب اللي قاله للكل.
بس أنا شفت، وأنا كنت خايف أتكلم. كنت صغير، وعارف إن لو فتحت بوقي، هيحصلي حاجة.
بعد الحادث بأيام، أبوكِ بعتني بعيد، قال إني هروح أدرس في الخارج.
لكن قبل ما أمشي، سمعته بيتكلم في التليفون مع حد: ‘الموضوع خلّص، محدش هيعرف، والبنت هتبقى تحت عيني دايماً.'”
روان بدأت تتراجع خطوة للخلف، الدموع تتجمع في عينيها لكنها لم تسقط.
“ليه بتقولي الكلام ده دلوقتي؟ بعد كل السنين دي؟”
“عشان لما شفت موقعك ‘سراب الشهوة’، عرفت إنك بتبيعي الجنس والإثارة… وأنا عرفت إن ده جزء من اللي جواكِ.
اللي حصل لأمك خلّاكِ تهربي من البيت، وخلّاكِ تبني حياة فيها سيطرة على الشهوة، عشان تعوضي اللي فقدتيه في الطفولة.
أنا كنت ساكت سنين… بس لما عرفت إنك هتتجوزي حمدي درويش، وهتبني إمبراطورية، قررت إن الوقت جه الحقيقة تطلع.
أبوكِ مش بس قتل أمك… هو اللي دمر حياتك كلها عشان يسيطر عليكِ.”
روان وقفت صامتة، الريح تهب بقوة بين الأشجار.
“أنت عايز إيه مني يا أحمد؟”
“عايزك تواجهي أبوكِ.
عايزك تسأليه عن الحقيقة قدامي.
لو ما عملتيش كده… هبعت اللي عندي من أدلة للنيابة، وللصحافة.
مش هسيب أمك تموت مرتين.”
في تلك اللحظة، سمعا صوت خطوات تقترب من الخلف.
حمدي ظهر من بين الأشجار، مع اثنين من رجال الأمن، وجهه جامد.
“روان… أنتِ كويسة؟”
أحمد نظر إليه ببرود.
“جيت في الوقت المناسب يا درويش.
السؤال دلوقتي: هتروحي تسألي أبوكِ… ولا هتسيبي السر يفضل يأكلك من جوا؟”
روان نظرت إلى حمدي، ثم إلى أحمد، وعيناها مليانة دموع وغضب.
“أنا هروح… بس مش لوحدي.
هنروح كلنا… وهنسمع الحقيقة من بقه.”
نهاية الفصل التاسع عشر
في الصباح التالي، وقفت روان أمام باب منزل والدها محمود الشمري في سرابيوم.
حمدي بجانبها، وأحمد الريس خلفهما بمسافة.
دقت الباب.
محمود فتح الباب، ورأى ابنته… ثم أحمد.
تجمد في مكانه، وجهه شحب فجأة.
“أحمد… إنت لسة عايش؟”
أحمد ابتسم ابتسامة باردة.
“أيوه يا عمي… وعايش عشان أقول الحقيقة اللي خبيتها 20 سنة.”
محمود نظر إلى روان، وعيناه مليانة رعب حقيقي لأول مرة في حياته.
“روان… ما تسمعيش كلامه. ده مجنون.”
لكن روان تقدمت خطوة، وصوتها خرج هادئ لكنه قاطع:
“بابا… قولي الحقيقة.
أمي وقعت من الشرفة… ولا دفعته؟”
السؤال علق في الهواء كسيف.
محمود فتح فمه… لكنه لم يستطع النطق.
انتظر الفصل العشرين… اللي هيكون الاعتراف الكامل، والمواجهة اللي هتغير مصير العائلة كلها، وهتفتح باباً لقصة جديدة تماماً: هل محمود هيعترف؟ وإيه اللي هيحصل لو الحقيقة طلعت للنور؟
الصراع دلوقتي مش بس عن موقع إباحي أو فلوس… ده صراع عن الهوية والماضي والدم.
- لقراءة باقي فصول الرواية أضغط على (رواية روان الشمري وفهد العدلي)