رواية عشق يحيى الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم سلمى جاد
رواية عشق يحيى الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم سلمى جاد
البارت الثاني والعشرون
ليلى فضلت تضحك من قلبها على رد فعله المبالغ فيه وقالت:
“يا حبيبي اهدا بس، الحمل مش مرض والله، وبعدين لسه بدري على الكلام ده.”
يحيى قاطعها وهو بيحضنها بقوة وعشق، كأنه بيحاول يدخلها جوه ضلوعه:
“مفيش حاجة اسمها بدري.. أنتي مش متخيلة أنا بحبك قد إيه، ولا الخبر ده عمل فيا إيه. أنا بموت فيكي يا ليلى، والبيبي ده هيكون أغلى حاجة في حياتي لأنه منك أنتي.”
ليلى اتشبثت فيه أكتر ودفنت وشها في كتفه وهي بتهمس بامتنان:
“ربنا يخليك ليا يا يحيى، وميحرمنيش منك أبداً.”
يحيى بعد عنها شوية وباس راسها بحنان وقال بخبث: “بس برضه مفيش حركة، أنا هقوم دلوقت حالاً أكلم عمر وأقوله يبعت لينا خدامة مخصوصة للجناح هنا، وممنوع تعملي حتى كوباية شاي!”
ضحكت ليلى واستسلمت لحضنه وهي حاسة إنها أسعد واحدة في الدنيا، وإن الدنيا بدأت تضحك لها من جديد في حضن الراجل اللي عشقته.
__________________________
الليل عدّى على ليلى ويحيى في دنيا تانية خالص، كأنهم طايرين فوق السحاب من الفرحة. ومع شقشقة نهار يوم جديد، الخبر انتشر في القصر زي النار في الهشيم، وابتدت الزغاريط تدوي من منال اللي كانت وشها منور بالفرحة، وقربت من ليلى وحضنتها بقوة وهي بتقول: “ألف مبروك يا حبيبتي، يا ألف نهار أبيض، أخيراً هشوف عيال يحيى!”
ليلى كانت بتبادلها الحضن بكسوف ووشها بقى زي الطماطم، والكل اتجمع حواليهم يبارك. عمر قرب من يحيى بابتسامة عريضة وحضنه وهو بيربت على كتفه بقوة :
“مبروك يا يحيى.. فرحتلك من قلبي يا صاحبي.”
يحيى رد عليه وهو بيضحك وعينه بتلمع:
“الله يبارك فيك يا عمر، عقبالك يا رب أنت وعائشة قريب ونفرح بيكم .”
عمر في اللحظة دي خطف نظرة لعائشة اللي كانت واقفة، وغمزلها بجرأة خلتها تفتح عينيها بذهول وكسوف، ووشها يحمرّ أكتر وهي بتبتسم ابتسامه خجولة من حركاته .
الجد كان قاعد والبهجة مش سايعاه، صوت ضحكته كان مالي الصالون وقال بهيبة:
“ألف مبروك يا ولاد.. كل اللي ربنا يجيبه كويس وراضييين بيه، وبما إن الفرحة النهاردة فرحتين، اسمعوا بقى القرار ده: المولود اللي في بطنك يا ليلى، سواء ولد ولا بنت، هكتبله نص ثروتي من دلوقتي.. ده ابن الغالي والغالية، وأول حفيد هيشيل اسم العيلة من الجيل الجديد.”
يحيى قام بسرعة وباس إيد جده بامتنان:
“ربنا يخليك لينا يا جدي ويطولنا في عمرك، أنت بركة البيت ده.”
الكل كان بيضحك ويهني، والجو كان كله حب.. إلا شخص واحد بس. ميادة كانت قاعدة بعيد، ونظرات الحقد والغل طالعة من عينيها زي الرصاص اللي بيصيب ليلى ويحيى في مقتل. كانت بتغلي من جواها وهي بتسمع كلام الجد عن الثروة، وقالت في سرها بصوت كله سم:
“نص ثروتك يا بابا؟ عشان إيه كل ده؟ معقولة يحيى وليلى ياخدوا كل حاجة بالسهولة دي؟”
رسمت على وشها ابتسامة صفراء مرعبة، وعينها لمعت بذكاء شرير وهي بتكمل كلامها لنفسها:
“بكرة يا بابا هتشوف.. أنا مستحيل أقبل إن ده يحصل إلا على جثتي.. ومين قال أصلاً إن في جنين هيكمل؟ لو مفيش جنين، يبقى مفيش ثروة!”
_____________________________
بعد مرور شهر، كانت السعادة مالية قصر الصياد. لينا وريان بيجهزوا لحفلة خطوبتهم، ويحيى وليلى عايشين في ترقب وفرحة بخبر الحمل، وعمر وعائشة عشقهم بقى هو النفس اللي بيتنفسوه، ونظراتهم لبعض بقت مفضوحة قدام الكل.. بس وسط كل ده، كان في عاصفة بتتحضر في صمت.
اشتغلت الأغنية الشهيرة “يا دبلة الخطوبة عقبالنا كلنا”، ولينا كانت زي القمر بفستانها الفضي اللي كان بيلمع تحت الإضاءة، وشعرها الأشقر المفرود برقة، كانت بجد “برتقالة” ريان اللي عينيه منزلتش من عليها. لبسوا الدبل، والزغاريط ملت القصر، والفرحة كانت حقيقية في عيون الكل.
منال فجأة حست ببرد وقالت: “أنا هطلع أجيب الشال بتاعي من فوق، الجو بدأ يبرد.”
ليلى بسرعة قالت لها بابتسامة: “خليكي يا ماما مرتاحة، أنا أصلاً كنت طالعة أجيب حاجة من فوق، هجيبهولك معايا وأنا نازلة.”
منال ضحكت وقالت لها: “تسلمي يا حبيبتي، بس خدي بالك من نفسك .”
يحيى لاحظ ليلى وهي بتتحرك، سألها بلهفة المحب: “رايحة فين يا ليلى؟”
ردت بدلع: “هجيب الشال لماما وجاية يا حبيبي، مش هتأخر.”
يحيى بصلها بقلب مقبوض وقال: “تمام، بس خدي بالك.. الكعب اللي أنتي لابساه ده أنا مكنتش موافق عليه من الأول، اطلعي عالسلالم براحة.”
ليلى غمزتله وقالت: “متخافش يا يحيى، هاخد بالي على نفسي وعلى ابننا.”
طلعت ليلى السلم، وفي اللحظة دي، كانت في عيون شيطانة بتراقبها. ميادة سحبت نفسها من وسط المعازيم من غير ما حد يحس، وطلعت ورا ليلى بخطوات زي القطة.
ليلى دخلت أوضة منال، وميادة استغلت الفرصة؛ طلعت إزازة زيت من شنطتها، وبدأت بكل غل توزع الزيت على السلالم الأولى من فوق.. المكان اللي لو حد رجله اتزحلقت فيه، هيقع من ارتفاع يكسر الظهر. وقفت ميادة ثواني تتأمل بشرّ، ورجعت الإزازة مكانها ونزلت بسرعة البرق وهي بترسم على وشها ابتسامة هادية عشان محدش يشك فيها.
ليلى خرجت من الأوضة، ماسكة الشال في إيدها، وبتقفل الباب وهي بتدندن مع صوت الأغاني اللي جاي من تحت.. بدأت تقرب من السلم، ومش واخدة بالها إن الموت مستنيها في أول خطوة.
يحيى وقف مكانه، العالم كله اسودّ في عينيه،سمع صوت حبيبته ،لكن المره دي مش صوتها اللي بيعشقه، ده صوت صرختها ،الصرخة كانت كأنها خنجر انغرس في قلبه. جري زي المجنون، وكل خطوة كانت كأنها سنين..
لما وصل، المنظر كان كابوس.. ليلى، اللي كانت من دقايق بتضحك ومبسوطه، مرمية في آخر السلم جثة هامدة، الفستان بقى لونه أحمر قاني، وراسها غرقانة في دمها اللي سال على الرخام البارد. هدومها كانت مبهدلة، وجسمها ساكن تماماً.
همس يحيى بصوت مكسور، صوت طالع من حتة ميتة جواه:
“ليلى..”
نزل على ركبه جنبها وهو بيترعش، إيده مش قادرة تلمسها من كتر الخوف. صرخ بكل قوته صرخة هزت أركان القصر، صرخة خلت المعازيم والكل يجري عليهم بذهول:
“ليلى! ردّي عليا يا ليلى! حد يطلب الإسعاف.. ليلى متسيبنيش!”
عمر وعائشة وصلوا وشافوا المنظر، عائشة صرخت وحطت إيدها على بقه بصدمة، وعمر اتسمر مكانه مش مصدق اللي شايفه. أما ميادة، فكانت واقفة بعيد، ملامحها مرسوم عليها الصدمة المصطنعة، لكن من جواها كانت بتقول: “كدة الثروة في الحفظ والصون.”
يحيى شال ليلى بين إيديه، ودموع عينه نزلت على وشها الشاحب، كان بيضمها بقوة كأنه بيحاول يديها من روحه عشان ترجع تعيش، وصوته بيتحشرج:
“قومي يا ليلى.. عشان خاطر ابننا يا حبيبتي، متكسريش قلبي كدة.”
________________________________
في طرقة المستشفى، كان الوقت بيمر كأنه سنين. ريحة المعقمات مختلطة بريحة الخوف اللي مالية المكان. العيلة كلها واقفة، عيونهم على باب العمليات، إلا يحيى.. يحيى كان في عالم تاني خالص، قاعد على الأرض، ساند ضهره على الحيطة بجمود يخوف. كان بيبص لإيديه اللي لسه لونها أحمر من دم ليلى، وكل ما يغمض عينه يشوف منظرها وهي واقعة، هامدة، مفيش فيها نفس.. ده كان أسوأ شعور داقُه في حياته، شعور العجز القاتل.
فجأة، انقطع السكون بصوت فتح باب غرفة العمليات. الكل اتنفض، وريان سند يحيى اللي كان حاسس إن رجله مش شايلة جسمه، وجريوا كلهم على الدكتور. يحيى سأله بصوت طالع بالعافية:
“ليلى يا دكتور.. هي كويسة صح؟ طمني أرجوك.”
الدكتور هز راسه، بس ملامحه كانت جامدة لدرجة قلقت الكل، وقال:
“الحالة شبه مستقرة، بس…”
قاطعه الجد بلهفة وخوف:
“والجنين يا دكتور؟ حصله حاجة؟”
يحيى غمض عينه بوجع، كان مستني يسمع أسوأ خبر عن ابنه،وانه فارق الحياة، بس فتح عينه بذهول لما الدكتور قال:
“الجنين بخير، دي معجزة بجد. الوقعة كانت شديدة وحصل نزيف فعلاً، بس الحمد لله قدرنا نسيطر عليه والجنين لسه متمسك بالحياة.”
نفس طويل خرج من صدر يحيى، بس لسه قلبه مقبوض من نظرات الدكتور:
“أمال في إيه يا دكتور؟ مراتي مالها؟ طالما الجنين بخير هي مالها؟”
سكت الدكتور ثواني، وبص في الأرض بأسى قبل ما يبص ليحيى ويقوله الحقيقة المُره:
“الوقعة زي ما قولت كانت قوية جداً، ولحسن الحظ إنها منزلتش بضهرها وإلا كان اتكسر، بس للأسف هي خدت معظم ضربات السلم بدماغها.. وده عمل ضغط شديد وأثر على جزء في المخ مسؤول عن حاسة الإبصار.”
يحيى هز راسه بعدم استيعاب، وكأنه مش فاهم اللغة اللي الدكتور بيتكلم بيها:
“يعني إيه؟؟”
الدكتور اتنهد تنهيدة تقيلة وقال بوضوح:
“للأسف.. مدام ليلى فقدت بصرها ……….
- لقراءة باقي فصول الرواية أضغط على (رواية عشق يحيى)