رواية قرية الناجيين الفصل الثاني 2 بقلم مصطفى محسن
لو عاوز تقرأ الفصول الجديدة من الرواية دي بشكل حصري قبل صدورها
أنضم لقناتنا على تليجرام (من هنا)
رواية قرية الناجيين الفصل الثاني 2 بقلم مصطفى محسن
البارت الثاني
بالفعل ركبت العربية ومشيت، لاقيت يفطة خشب قديمة مكتوب عليها: “قرية الناجيين”.
دخلت القرية مع طلوع الشمس… البيوت بسيطة، والناس قاعدة قدام عتبات البيوت، والستات بيخبزوا. منظر عادي جدًا زي أي قرية في الصعيد.
قربت من راجل كبير كان قاعد على حجر قدام بيته وقلتله:
ـ “من فضلك يا حاج… أنا بدور على بيت الحجة رشيدة.”
أول ما سمع الاسم، ملامح وشة كلها اتغيرت، وقف بسرعة من غير ما يرد، ودخل بيته وقفل الباب في وشي.
استغربت، وكملت ماشي. سألت ست واقفة قدام فرن طين:
ـ “لو سمحتي… تعرفي بيت الحجة رشيدة فين؟”
بصّتلي بخوف، ولمّت عيالها بسرعة وقالت بصوت واطي:
ـ “الله يستر طريقك… ابعد عننا.”
وسابتني ومشيت.
قلبي بدأ يدق بسرعة. كل ما أسأل حد على بيت جدتي، يا يسيبني ويمشي… يا يتغير وشه ويبعد.
لحد ما لقيت ولد صغير واقف في نص الطريق. سألته:
ـ “تعرف بيت الحجة رشيدة فين يا ابني؟”
الولد بص حواليه بخوف، وبعدها أشار بإيده بسرعة وقال:
ـ “هو البيت الكبير اللي هناك في نص البلد.”
وقبل ما أكلمه تاني، الطفل جري.
فضلت واقف في نص الشارع، حسيت برعشة في جسمي.
ليه كلهم خايفين من جدتي؟
شدّيت نفسي، وكملت ماشي.
لما وصلت البيت الكبير في نص القرية، قلبي كان بيدق بسرعة. الباب الخشب ضخم ومتهالك، والسور مليان شقوق.
خبطت مرتين… الباب اتفتح ببطء.
طلعت ست عجوزة جدًا، شعرها أبيض، وظهرها محني. أول ما شافتني، دموعها غرقت عينيها وقالت بصوت مبحوح:
ـ “عبد الرحمن… ابن كريمة؟”
قلتلها:
ـ “أيوة يا تيتة… أنا عبد الرحمن.”
قربت مني وحضنتني، ريحتها كانت غريبة… مزيج بين بخور وريحة عطن. همست في ودني:
ـ “أخيرًا جيت.”
دخلتني البيت، لقيت جوه قرايب عمري ما شفتهم.
رجال كبار وستات كبار قاعدين حوالين ترابيزة، وشوشهم مش مريحة، لكن أول ما دخلت وقفوا يرحبوا بيّا.
واحد منهم قام سلّم عليا وقال:
ـ “أنا عمك سالم… أخو أبوك الكبير.”
وست عجوزة رفعت إيدها وقالت:
ـ “أنا عمتك فاطمة.”
ابتسامات باهتة، ترحيب مش مريح، والأكل اتحط قدامي بسرعة كأنهم كانوا عارفين إني جاي.
واحد من الشباب اللي قاعد عرفني بنفسه:
ـ “أنا ابن عمك حسين.”
قعدت معاهم طول النهار. حكوا لي قصص عن أبويا، وعن طفولته في القرية. كانوا بيضحكوا ويبينوا إنهم مبسوطين بوجودي… لكن في نفس الوقت كنت ملاحظ حاجة غريبة: كل ما يذكروا اسم أبويا… يسكتوا مرة واحدة، والجو يتقلب لبرودة.
حاولت ما أركزش.
بعد المغرب، البيت كله اتلم تاني. الضلمة برا كانت تقيلة، والسكون في القرية مخيف… لا صوت كلاب، ولا اطفال ولا اى حاجة.
رشيدة بصتلي وقالت:
ـ “يا ابني، أنا جهزتلك أوضة عشان ترتاح فيها… وبكرة الصبح نتكلم براحتنا.”
دخلوني أوضة قديمة في الدور التاني.
الأوضة واسعة، فيها سرير خشب، حيطة متشققة، وصورة كبيرة معلقة فوق السرير لأبويا وهو شاب.
قعدت على السرير، التعب غلبني ونمت.
… لكن نص الليل، صحيت على صوت خطوات تقيلة في الطرقة بره.
فتحت عيني، قلبي بيدق. الخطوات بطيئة… كأن حد بيجر رجليه.
قمت بسرعة وفتحت الباب… الطرقة فاضية.
رجعت الأوضة وقعدت على السرير، وبحاول أفسر اللي سمعته.
بعد دقيقة، سمعت صوت همس… مش واضح جاي منين. كأنه حد بينادي اسمي بصوت واطي جدًا:
ـ “عبد الرحمن… عبد الرحمن…”
قومت من مكاني، وبصيت حواليا… الأوضة فاضية.
لكن عيني وقعت على صورة أبويا المعلقة على الحيطة…
كنت متأكد إن وشه الصبح كان عادي. دلوقتي؟ … بيبتسم ابتسامة خفيفة ظهرت ومكنتش موجودة قبل كده.
اتجمدت في مكاني… وحسيت إني مش لوحدي في الأوضة.
قلبي كان بيخبط في صدري من الخوف، وحسيت إن ماليش غير إني أقرأ قرآن.
أول ما بدأت اقرا… فجأة سمعت صوت صريخ عالي في البيت كله!
صوت ست كبيرة بتتوجع جامد.
قمت مفزوع، وفتحت باب الأوضة بسرعة. نزلت أجري على الصالة…
لقيت ستّي رشيدة واقفة، وجنبيها عمي سالم. الاتنين واقفين في نص الصالة، وشهم باين عليه الغضب.
وفجأة بصوا لي في نفس الوقت… وقالوا بصوت واحد:
ـ “ليه قريت قرآن دلوقتي؟”
اتجمدت في مكاني. صوتهم كان تقيل، كأنه مش صوتهم.
قولت بصوت مهزوز:
ـ “فيها إيه يعني؟ أنا… أنا متعود أقرأ قرآن قبل ما أنام.”
سالم رفع إيده بابتسامة باهتة وقال:
ـ “عادي… مافيش مشكلة يا عبد الرحمن. روح نام إنت… وأنا هدخل ستك تنام.”
رشيدة فضلت تبصلي بعيونها الغويطة لحد ما طلعت أوضتي.
قفلت الباب وقلبي بيتنطط من الخوف. حاولت أغمض عيني… لحد ما التعب غلبني ونمت.
الصبح… صحيت على صوت خبط خفيف على الباب.
فتحت، لقيت ستّي رشيدة واقفة. وشها هادي، وصوتها عادي جدًا.
قالت:
ـ “عاوزاك في موضوع مهم.”
قلت لها:
ـ “اتفضلي يا تيتة.”
قعدت جنبي على السرير وقالت بصوت واطي:
ـ “يا ابني… لازم تعرف إن ليك حق عندنا. إنت وأختك… ليكوا ورثكم.”
قلت لها باستغراب:
ـ “ورث؟ طب كويس…”
رشيدة بصتلي بثبات وقالت:
ـ “لا أرض ولا دهب ولا فلوس.”
اتسمرت وبصتلها بصدمة:
ـ “أمال إيه؟”
ابتسمت ابتسامة غامضة وقالت:
ـ “هتعرف بعدين… مش دلوقتي.”
كنت لسه عايز أضغط عليها وأسألها، لكنها قامت بسرعة وسابتني.
نزلت تحت، قعدنا نفطر ونتكلم. بس كل مرة أقول:
ـ “أنا هقوم أصلي.”
يقاطعوني:
ـ “تعالى الأول كل اللقمة دي.”
ـ “استنى يا ابني، عايزين نوريك حاجة.”
ـ “طب ما تصلي بعدين.”
كل مرة كانوا بيغيروا الموضوع… لدرجة إني ما صليتش ولا فرض طول اليوم.
وجه الليل.
العتمة غطت القرية بسرعة، والهدوء كان مخيف.
قعدت في أوضتي، حاسس بقلق مالي قلبي. قولت أقرأ قرآن… لكن قبل ما أنطق أي كلمة، باب الأوضة اتفتح واتقفل لوحده.
ريحة البيت اتغيرت… ريحة بخور تقيل نفس الريحة اللى شمتها لما حضنت تيته رشيده.
وبدأت أسمع أصوات غريبة طالعة من الطرقة… زي همسات كتير، وأصوات ناس بتضحك بصوت واطي.
وبعدين…
صوت جدتي رشيدة جالي من ورا الباب بس صوتها مكنش طبيعى،
وقالت
ـ “الليلة… هتعرف ورثك إيه يا عبد الرحمن.”
- لقراءة باقي فصول الرواية أضغط على (رواية قرية الناجيين)
لو عاوز تقرأ الفصول الجديدة من الرواية دي بشكل حصري قبل صدورها
أنضم لقناتنا على تليجرام (من هنا)