رواية نوارة الجواد الفصل الاول 1 بقلم حبيبة خالد
رواية نوارة الجواد الفصل الاول 1 بقلم حبيبة خالد
البارت الاول
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
رواية نوارة الجواد الحلقة الأولى
الساعة الرابعة فجرا الصمت يلف حارة الرزق إلا من صوت موتور مياه قديم يصدر أنيناً متواصلاً في الطابق الثالث كانت آيات تقف في المطبخ الضيق الضوء الخافت ينعكس على وجهها المرهق
لم تنم سوى ساعتين بعد عودتها من المستشفى لكنها الآن تقف أمام البوتاجاز تحضر لانش بوكس لخمسة أطفال عمر الأكبر والتوأم أحمد وياسين والجميلتان الصغيرتان فرح وليلى
تسللت إلى غرفتهم قبلت رؤوسهم واحداً تلو الآخر كانت رائحتهم هي المسكن الوحيد لآلام ظهرها فجأة سمعت صوت تحرك في الغرفة المجاورة انقبض قلبها لقد استيقظ نادر
خرج نادر من الغرفة يفرك عينيه بضيق نظر إلى المطبخ ثم إليها وقال بنبرة خالية من أي مودة :انتي لسه واقفة بتعملي سندوتشات الشاي فين
ردت آيات بهدوء وهي تحاول أن تبتسم : ثواني ويكون عندك يا نادر كنت بجهز لبس الولاد عشان الباص
سحب نادر كرسي السفرة بضجيج أيقظ الصغيرة ليلى التي بدأت بالبكاء بدلاً من أن يذهب لتهدئتها ضرب بيده على الطاولة وصاح :
شوفي الهانم لا عارفة تظبط البيت ولا عارفة تسكت العيال يومنا باين من أوله
هرعت آيات للداخل حملت ليلى وحاولت إسكاتها وهي تهمس لها : هشش يا حبيبتي بابا هيتعصب
لكن نادر كان قد وقف على باب الغرفة ينظر لآيات بحمود :
عارفة كل ما أبصلك بستغرب إزاي الناس بتقول عليكي دكتورة شاطرة وإنتي في بيتك مش عارفة تعملي لقمة ولا تهدي طفلة إنتي خسارة فيكي اللقب ده يا آيات
لم تجب كالعادة وضعت ابنتها في السرير وذهبت لتحضر له الشاي وضعت الكوب أمامه فنظر هو إلى يدها كانت يد طبيبة جراحة لكنها متأثرة بمواد التنظيف وجفاف العمل
ولكن جميله كالعادة أمسك يدها بقسوة ونظر إليها بسخرية : بذمتك دي إيد ست دي إيد خشنة زي إيد العمال اللي في الحارة إنتي نسيتي إنك ست يا دكتورة وبقيتي شبه جعفر اللي بيشيل حديد مفيش فيكي ريحة الأنوثة
نزلت دمعة حارة من عين آيات سقطت في كوب الشاي لم تمسحها بل تركتها لتشهد على انكسارها سحبت يدها ببطئ وقالت بكسرة
: أنا إيدي كدة عشان بشتغل في البيت وبره البيت يا نادر عشان مريحاك ومريحة ولادك
قام نادر ولبس جاكيت بذلته الأنيق استعداد للذهاب للجامعة يتحول لرجل آخر منمق وهادئ أمام طلابه نظر إليها نظرة أخيرة قبل الخروج وقال : أهو النكد ده هو اللي بيخلي الواحد يكره يدخل البيت حضري الغدا وما تفتحيش العيادة النهاردة مش عاوز أشوف وشك بره البيت
خرج وأغلق الباب بعنف تاركاً إياها وسط خمسة أطفال استيقظوا على صوت صراخه وعيونهم تملؤها نظرات الخوف والتساؤل
مرت الساعات في شقة آيات وكأنها سنوات بعد خروج نادر تحولت الدكتورة إلى آلة لا تهدأ غسيل وتنظيف وتحضير طعام ومذاكرة للصغار كانت تتحرك في البيت وهي تشعر بثقل في صدرها كأن الجدران تضيق عليها
عمر ابنهما الأكبر كان يجلس في زاوية الصالة يمسك بكتابه لكن عيناه كانت تلاحق أمه سألها فجأة بصوت خفيض : ماما هو ليه بابا بيزعقلك دايماً هو إنتي فعلاً بتعملي حاجة غلط
توقفت آيات عن مسح الطاولة نظرت لابنها وقلبها يعتصر لم ترد أن تهز صورة الأب في عين ابنه رغم أنها مهتزة بالفعل فقالت بابتسامة باهتة
: لا يا حبيبي بابا بس تعبان من الشغل ومضغوط كمل مذاكرتك عشان تطلع دكتور شاطر
رد عمر بنبرة أكبر من سنه :
أنا مش عاوز أطلع دكتور أنا عاوز أطلع قوي عشان
محدش يقدر يزعقلي ولا يزعق اللي بحبهم
نزلت الكلمات كالصاعقة على آيات أدركت أن ابنها بدأ
يفقد براءته وبدأ يرى في القوة وسيلة للحماية لا الرحمة
******************
في المساء ورغم تحذير نادر لم تستطع آيات إغلاق العيادة فهناك نساء ينتظرنها وحالات حرجة لا تحتمل التأجيل نزلت بعباءتها السوداء البسيطة ووقارها الذي
يجبر الجميع في الحارة على إفساح الطريق لها
دخلت العيادة استقبلتها الممرضة صباح : يا دكتورة فيه حالات كتير النهاردة وشك ماله مخطوف كدة ليه
آيات وهي تلبس البالطو الأبيض : مفيش يا صباح شوية إرهاق خلينا نبدأ مين أول حالة
طوال الأربع ساعات كانت آيات تنسى آلامها وهي تسمع شكوى النساء كانت تداوي جروحهم وتطبطب على قلوبهم وهي أحوج ما تكون لمن يطبطب عليها كانت
توزع الأمل بينما بيتها يفتقر إليه
******************
على قهوة المعلم صابر في مدخل الحارة كان جواد يجلس مع نادر جواد كان مشغولاً ببعض الأوراق بينما نادر يتصفح هاتفه بملل
جواد رفع عيناه من الورق وقال بتلقائية : صحيح يا نادر كنت عاوز أبارك للدكتورة آيات شفت بوست النهاردة على صفحة الحارة بيشكروا فيها جداً وفي وقفتها مع الحالات الصعبة
نادر هز رجله بعصبية مكتومة لكنه رسم ابتسامة باردة ورد : آه كتر خيرهم آيات بتعمل اللي عليها بس الشغل واخدها من البيت شوية وأنا اللي شايل الليلة
جواد استغرب الجملة بس عداها وقال بمزاح : يا راجل دي شايلة خمسة وبيت وعيادة دي بطلة ربنا يعينها ويعينك
نادر قام فجأة وهو بيلبس ساعته وقال بضيق : طيب يا جواد هقوم أنا عشان الولاد والبيت نتقابل بكرة
***************
فتحت آيات باب الشقة بهدوء كانت تحاول التسلل لغرفتها لتغير ثياب العيادة قبل أن يراها نادر لكنها تجمدت مكانها حين وجدت الصالة غارقة في ظلام دامس وصوت أنفاسه المكتومة تأتي من الركن البعيد
أضاء نادر المصباح فجأة فارتجفت آيات مكانها كان ينظر إليها بنظرة لم ترها من قبل نظرة خالية من العقل مملوءة بغل دفين
” قلت العيادة ما تفتحش صح ” قالها بصوت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة
آيات بصوت يرتجف : يا نادر كان فيه حالات حرجة والله ما قدرت أمشي وأسيبهم دول أمانة
قطع كلامها بضحكة ساخرة مريرة وهو يقترب منها ببطء
أمانة والبيت مش أمانة والراجل اللي كلمته اتكسرت مش أمانة أنتي صدقتي نفسك يا دكتورة صدقتي البوستات والكلام اللي بيتكتب عنك
سندت آيات يدها على حافة النيش الخشبي وهي تشعر بوهن في ركبتيها
لم يمهلها ثانية واحدة اقترب أكثر حتى شعرت بلفح أنفاسه الغاضبة وقال من بين أسنان المطبوقة
: الصبح الصبح لما الكل يعرف إن الدكتورة العظيمة بتمشي كلامها على جوزها إنتي فاكرة إن الشهادة اللي معلقة على الحيطة دي هتخليكي تتحكمي فيا
آيات وهي تحاول كتم دموعها التي بدأت بالانهيار : أنا عمري ما فكرت كدة يا نادر أنا بس بمارس مهنتي اللي تعبت فيها دي رسالة
في لحظة خاطفة لم تدرك آيات ما حدث إلا وهي تشعر بحرارة صفعة قوية دوت في أرجاء الصالة الصامتة سقطت على إثرها أرضاً وارتطم رأسها بحافة الطاولة.
نزلت قطرات من الدماء من جبينها لكن الألم الأكبر لم يكن في رأسها بل
في صوت شهقة مكتومة جاءت من خلف باب الغرفة كان عمر يراقب من شق الباب وعيناه تحملان انكساراً لا يداويه طب ولا جراحة
وقف نادر ينظر إليها بجمود لم يندم ولم يمد يده ليساعدها بل انحنى نحوها وهمس ببرود مرعب : ده عشان تفتكري إنك قبل ما تكوني دكتورة أنتي ملكي وكلمتي هي اللي تمشي ولو فتحتي العيادة تاني هكسر رجلك قبل ما تخرج من الباب
تركها غارقة في صمتها ودمائها ودخل غرفته وأغلقها خلفه بينما زحفت آيات نحو الحائط ضمت قدميها لصدرها وأجهشت بكاء مرير بينما كان طفلها خلف الباب يقبض يده بقوة والشرر يتطاير من عيناه الصغيرتين.
مرت دقائق طويلة وآيات ما زالت قابعة في مكانها تلمس جرح جبينها بأصابع ترتجف حتى شعرت بظل صغير يقترب منها كان عمر
انحنى الطفل وجلس على ركبتيه أمامها لم يتكلم بل أخرج من جيب بيجامته منديل ورقياً صغيراً وبدأ يمسح الدم عن وجه أمه بحذر شديد وكأنه يداوي عصفوراً جريحاً
نظرت آيات إلى عينيه رأت فيهما نظرة غريبة لم تكن نظرة طفل خائف بل نظرة رجل يحترق من الداخل
همست بصوت مبحوح : روح نام يا عمر مفيش حاجة يا حبيبي بابا بس كان متضايق
لم يتحرك عمر بل استمر في مسح وجهها وقال بصوت جاف خالٍ من المشاعر
: أنا شفت كل حاجة يا ماما وشفت إيده وهي بتضربك هو مش تعبان هو قاصد يوجعك عشان هو ضعيف
صُدمت آيات من كلمات ابنها حاولت أن تأخذه في حضنها لتخفف من حدة الموقف لكنه تراجع خطوة للخلف
وقبض على المنديل الملوث بالدم وقال بوعد صادق : أوعدك يا ماما بكرة هكبر والدم ده هو اللي هيدفع تمنه غالي أوي مش هسمح لحد يلمسك تاني
في تلك اللحظة شعرت آيات بخوف حقيقي ليس من نادر بل على روح ابنها التي بدأت تتشوه بالكراهية سحبته إليها بقوة هذه المرة وخبأت وجهه في صدرها وهي تبكي بصمت بينما كان الصغير يراقب باب غرفة والده بنظرات تقطر غضباً.
****************
في الصباح الباكر خرج نادر من غرفته وكأن شيئاً لم يكن وجد آيات في المطبخ تضع لازقة طبية على جبينها وتحضر الإفطار بآلية صامتة
نظر إليها ببرود وهو يعدل ربطة عنقه وقال وهو يتناول قطعة خبز : اعملي حسابك النهاردة فيه عزومة لزمايلي في الجامعة عاوز أصناف تشرف والبيت يكون ريحته بخور مش عاوز نكد قدام الناس مفهوم
لم ترفع آيات عينها إليه اكتفت بهزة رأس خفيفة وقبل أن يخرج التفت إليها وأضاف بسخرية : صحيح الجرح اللي في وشك ده لو حد سألك قولي اتخبطت في ضلفة المطبخ مش عاوزين فضايح إحنا ناس متعلمة
وخرج نادر وترك خلفه بركاناً يغلي
بينما كان نادر يغلق الباب خلفه بغرور كانت آيات تنظر إلى أثره بفراغ وكأنها ترى رجلاً غريباً لا يمت لمن تزوجته بصلة تحركت في المنزل كآلة محطمة تعد الطعام الذي طلبه ببرود لكن داخلها كان هناك شيء ما قد انطفأ للأبد
***************
بدأت الحارة تستيقظ ومعها بدأت الأخبار تتسلل خلف الأبواب
صباح الممرضة في العيادة كانت تقف أمام مدخل العمارة تنتظر الدكتورة وحين لم تظهر آيات صعدت إليها
طرقت صباح الباب ففتحت لها آيات وهي تحاول مداراة وجهها لكن عين صباح الخبيرة لم تخطئ الجرح ولا تورم وجنتها شهقت صباح بصدمة
: يا مري إيه اللي عمل فيكي كدة يا دكتورة دي خبطة ضلفة برضو يا ست الستات
آيات بصوت واهن : ادخلي يا صباح ادخلي والولاد لسه نايمين
في هذه الأثناء كان جواد يسير في الحارة متجهاً إلى مكتبه لفت نظره نادر وهو يقف عند بائع الفاكهة يشتري أفخر الأنواع بابتسامة عريضة
يمازح هذا ويحيي ذاك بوقار الأستاذ الجامعي اقترب منه جواد
: صباح الخير يا دكتور إيه النشاط ده العزومة باين عليها كبيرة
نادر بضحكة مجلجلة
: أهلاً يا سيادة المستشار عزومة لعميد الكلية وبعض الزملاء وآيات بقى قايمة بالواجب وزيادة أنت عارفها بتحب تبيض وشي دايماً
نظر جواد إلى نادر سأله بهدوء
: والدكتورة أخبارها إيه مش باينة النهاردة يعني والعيادة لسه مقفولة
ارتبك نادر لثانية واحدة لكنه استعاد قناعه بسرعة وقال وهو ينصرف
: تعبانة شوية من ضغط الشغل وطلبت ترتاح والبيت أولى بيها اليومين دول عن إذنك يا جواد ورانا تحضيرات كتير
ترك نادر جواد واقفاً في مكانه وذهب
بينما كانت صباح في الداخل تمسك يد آيات وتقول بإصرار
: دي مش خبطة مطبخ يا دكتورة ده حد مد إيده عليكي ونادر بيه هو اللي عمل كدة مش كدة انطقي يا دكتورة السكوت ده هو اللي بيخليهم يتمادوا
غمضت آيات عينيها بقهر وقالت : اعملي المعروف يا صباح وساعديني في المواعين نادر جايب ضيوف مهمين النهاردة ومش عاوزه مشاكل كفاية اللي حصل
ردت صباح وهي تشمر عن ساعديها وعيناها تلمعان بغضب : هساعدك عشان خاطر عيونك وعيون الولاد لكن والله يا دكتورة اللي بيسكت على الظلم بيشربه كله
ببببب…..
يتبع….
- لقراءة باقي فصول الرواية اضغط على (رواية نوارة الجواد)