رواية قدري الأجمل الفصل السادس عشر 16 بقلم ندا الهلالي
رواية قدري الأجمل الفصل السادس عشر 16 بقلم ندا الهلالي
البارت السادس عشر
{16}
كان مالك يدلف إلى المستشفى بخطواتٍ متسارعة، يوقف أحد الأطباء فجأة، صوته خرج مبحوحًا من فرط اللهاث:
— «لو سمحت… أوضة ٣٠٢ فين؟»
تطلع إليه الطبيب باهتمامٍ واحترام، ثم أشار بيده إلى نهاية الممر:
— «هناك، آخر الطرقة.»
تحرك مالك، جسده مثقل، كأن الأرض تسحبه لا هو يسير عليها.
وما إن وصل أمام الغرفة حتى تسمّر مكانه.
مشهدٌ واحد… كان كافيًا ليسرق منه القدرة على التنفس.
رحيم…
ممدد على السرير، جسده ساكن بشكلٍ مخيف، وأحدهم يجرّ الغطاء الأبيض فوقه… حتى غطّى وجهه.
علامة واحدة فقط…
أنه فارق الحياة.
صرخة اخترقت المكان، لم تكن سوى صوتٍ واحدٍ ممزق:
— «عمي رحيييييييم!»
مها.
وفي اللحظة ذاتها، تعالى صوت الطبيب بجدية صارمة وهو يجر فاطمة على التريلا:
— «دخلت في غيبوبة! اتحركوا بسرعة!»
تحرك الفريق الطبي مهرولين، أصوات العجلات، أوامر متداخلة، فوضى…
بينما وقف مالك مكانه، لا يستوعب شيئًا.
عائلةٌ كاملة…
تنهار أمام عينيه.
وأخيرًا…
بعد مرور ساعاتٍ طويلة، ثقيلة كالعمر كله.
كان مالك يقف بجوار سامر، كلاهما يرتدي بدلة سوداء رسمية.
مكان العزاء مزدحم، لكن الجو خانق، كأن الهواء نفسه يشاركهم الحداد.
مالك…
كان حاضرًا بجسده فقط.
عيناه زائغتان، روحه غائبة، يشعر وكأنه في غيبوبة مفتوحة.
أما سامر، فكان يتعامل مع الأمر بقوه غريب، كأن من فقده شخص قريب… من أطراف العائلة، يمس القلب مباشرة.
مرّت ساعات العزاء على الجميع بصعوبةٍ بالغة.
وما إن تحرك مالك بخطوةٍ متجهًا إلى الخارج…
حتى تجمّد مكانه.
ذلك الوجه.
محمود.
كان واقفًا، يتطلع حوله بدهشة، قلبه بدأ يدق بعنف.
توتر تسلل إلى أوصاله…
عزاء؟ طب مين؟
لسانه ثقل، لا يريد أن يسأل.
يريد أن يهرب.
لا يحتمل خبرًا يعيده إلى النكسة مرة أخرى.
لكن مالك لم يترك له فرصة.
اندفع نحوه فجأة، شده بقوة واحتضنه، يضرب على ظهره بعنف:
— «حمدالله على السلامة يا بطل.»
محمود لم يبادله العناق.
ظل يبلع ريقه مرةً تلو الأخرى، توتره واضح، صدره يعلو ويهبط بسرعة.
وفي تلك اللحظة، جاء أحد الجيران مهرولًا نحوه:
— «البقاء لله يا دكتور محمود… ربنا يجعلها آخر الأحزان.»
وأضاف آخر بصوتٍ حزين:
— «الله يرحمه… عم رحيم كان أطيب خلق الله.»
ثانية…
اثنتان…
استوعب محمود الكلمات.
لينفجر صوته مرة واحدة، صرخة واحدة شقت القلوب:
— «بااااابااااااااااااااااا!»
شده مالك بقوة، لكن محمود انهار، سقط على الأرض.
الناس التفوا حوله، أصوات تهدئة، أيدٍ تحاول رفعه.
جلس مالك بجواره، يربت على صدره:
— «كلنا لله… وكلنا إليه راجعون يا محمود.»
خرج صوت محمود من بين شهقاته، طفلًا مكسورًا لا رجلًا ناضجًا:
— «مات… قبل ما يسامحني يا مالك…»
— «أبويا مات قبل ما أقوله يسامحني… يا ماااالك.»
ظل مالك بجواره، يحاول تهدئته…
لكنه فشل.
هو نفسه فشل من قبل في تهدئة قلبه.
قلبه ما زال مشتعلاً نارًا على طفلته…
وحبيبته الوحيدة في الدنيا.
جلس بجواره في الحالة ذاتها.
ينظر في الفراغ…
بخيبة أملٍ ثقيلة،
وفقدان روحٍ لا يُقال.
كانت مكّة جالسةً مكورة على نفسها، ذراعاها يحيطان بجسدها كدرعٍ هشّ، وساقها تهتز بعنفٍ لا إرادي.
الرعب كان يسكنها، يتنفس داخل صدرها.
أنا فين؟
وجيت هنا إزاي؟
أسئلة تتكرر…
ولا إجابة.
كلما حاولت الفهم، هبطت الدموع من عينيها، فمسحتها بعنفٍ شديد، كأنها تعاقب نفسها على ضعفها.
جسدها ارتعش بقوة، وأنفاسها خرجت متقطعة.
الأشكال من حولها…
وجوه غريبة، ظلال تتحرك، عيون تراقب.
الخوف كان كثيفًا لدرجة أنه خنق أنفاسها.
نظرت في الفراغ طويلًا…
وفجأة، ظهرت أمامها.
هي.
نسختها.
شبيهتها.
النسخة التي سلبت منها الوجع كله، والألم كله، وتركته عاريًا داخل صدرها.
اقتربت منها بهدوء مخيف، ورفعت يدها تمسح على وجهها برفقٍ يناقض كل ما حولهما.
ارتعش جسد مكّة بعنف، وهربت الكلمات من فمها، صوتها خرج مكسورًا:
— «إنتِ… إنتِ مين؟»
لكن الأخرى ابتسمت ابتسامة واهنة، ونطقت بصوتٍ ناعم:
— «ماتزعليش مني… أنا آسفة.»
— «خليكي قوية.»
تحركت أناملها فوق وجنتيها بحنانٍ موجع…
ثم، فجأة… اختفت.
نهضت مكّة فزعة، تنظر حولها بجنون:
— «استني! ماتمشيش!»
لا شيء.
كأنها كانت هواءً مرّ… واختفى.
اندفعت مكّة ناحية باب الزنزانة الحديدي، ضربته بكل ما تبقى فيها من قوة، تصرخ بصوتٍ ممزق:
— «حد يطلعني من هنا!»
— «حد يطلعني من هنا!»
كررت الصراخ…
ولا جدوى.
أسندت ظهرها إلى الباب، جسدها يهبط ببطءٍ مؤلم إلى الأرض، وصوتها يخفت حتى كاد يختفي:
— «أرجوكم… حد يطلعني من هنا.»
اختفى الصوت…
وحلّت مكانه دموع تنهمر بغزارة.
في الخارج…
داخل أحد المكاتب، يتصدر بابه اسمٌ محفورٌ بوضوح:
الرائد حمزة الهلالي
كان حمزة يجلس خلف مكتبه، منكفئًا على ملفٍ مفتوح أمامه.
ملامحه حادة، جامدة، عيناه تتحركان بتركيزٍ محسوب بين السطور.
كمّ قميصه مرفوع، ساعة معدنية تلمع على معصمه، وسيجارة مشتعلة تستقر بين أصابعه بثباتٍ يوحي ببرودٍ اعتاده.
فجأة…
انفتح الباب بعنف.
دلف شاب في أوائل الثلاثينات، طويل القامة، عريض الكتفين، ملامحه مشدودة، وعيناه تقدحان شررًا.
زيه الرسمي بدا مشدودًا على جسده المتوتر.
صرخ بغضبٍ أعمى:
— «اللي في زنزانة ١٠١ واحد دي مش اللي مالك الهلالي قدّم بيها بلاغ اختفاء!»
رفع حمزة عينيه ببطءٍ من فوق الورق، صوته خرج هادئًا على عكس العاصفة أمامه:
— «اهدى يا قاسم.»
قاسم انفجر أكثر:
— «ماترد عليّا!»
— «البنت دي بتعمل إيه هنا؟ مالك قالب الدنيا عليها!»
مال حمزة بظهره إلى الكرسي، ينفث دخان سيجارته ببرودٍ مستفز:
— «جت بتهمة سرقة خمسة مليون دولار من خزنة تميم العاصي.»
فتح قاسم فمه بصدمة:
— «نعم؟!»
— «دي مش خطيبة مالك؟!»
هز حمزة رأسه بلا مبالاة، وأخرج سيجارة أخرى:
قاسم ضيّق عينيه، صوته صار جادًا خطيرًا:
— «حاسس إنك عامل عامله وابن عمك مش هيرحمك يا حمزة.»
استدار قاسم وخرج غاضبًا.
ابتلع حمزة ريقه، ومد يده سريعًا إلى هاتفه.
الاسم على الشاشة:
تميم العاصي
لا رد.
ضرب المكتب بقدمه بعصبية، صرخ:
— «إنت فين يا تميم يا زفت!»
— «هنروح في داهية… الله يخربيت معرفتك!»
سجل رسالة صوتية على الواتس:
— «رد يا أخويا…»
— «قاسم عرف إن الست هانم بتاعتك مشرفة عندي.»
— «والله هحبسها علشان نبتز مالك بيها.»
— «الأرض ياهي… مش هنلحق، ده ابن عمي وأنا حافظه.»
لكن الرسالة لم تصل…
علامة واحدة فقط.
قطع إنترنت.عند تميم
اندفع حمزة واقفًا بعصبية، وجه عينه إلى الباب، عندما طُرق بعنف.
فتح الباب، فدخل رجل خمسيني، وجهه شاحب، صوته مرتعش:
— «يا باشا… البنت اللي جبتها امبارح أُغمي عليها… قاطعه النفس.»
لم يسمع حمزة بقية الكلام.
هرول خارجًا.
وصل إلى الزنزانة، صرخ في العسكري:
— «افتح!»
دلف سريعًا…
ليجدها مسطحة على الأرض، ساكنة تمامًا. وحولها الكل يلتم
صرخ بغضبٍ أعمى:
— «وسعي إنت وهي!»
انحنى وحملها بين ذراعيه، يهرول بها وسط الهمسات والضحكات الخافتة، إلى مكتبه.
وضعها برفق على الكنبة، أخذ يربت على وجهها:
— «فوقي… فوقي!»
لا رد.
أمسك بزجاجة ماء، رشّ وجهها بعصبية، صوته خرج مذعورًا:
— «فوقي… أبوس إيدك.»
— «إنتِ عايزة مالك ينسفني؟!»
لا شيء.
مسح وجهه بكفّه بعجز:
— «يلعن معرفتك يا تميم.»
انحنى، أسند رأسه قرب صدرها، يحاول سماع نبض قلبها.
وضع أذنه…
وفي اللحظة ذاتها…
انفتح باب المكتب.
صرخة شهقة اخترقت المكان:
— «يالهوي!»
انتفض حمزة للخلف برعب، عيناه اتسعتا حدّ الخروج من مكانهما:
— «إيماااان؟!!!!»
كان تميم يقف أمام القصر، يخفي وجهه بين كفيه بألمٍ لا يُحتمل.
كأن يديه تحاولان حجب الحقيقة… لا ستر ملامحه فقط.
كلمات رحيم قبل موته كانت ترتطم بأذنيه بلا توقف:
— «أبوك كان شكاك.»
— «أنا ماخنتش حد.»
— «كانت بتترجّاني تشوف مكّة.»
الكلمات تتكرر…
تنهش رأسه مرةً بعد مرة، لا تترك له مهربًا.
دلف إلى القصر أخيرًا.
خطواته مترنحة، جسده مرهق، وعقله في صدمةٍ لا يستوعب شيئًا.
هل ظلمها؟
هل ظل يعاقب كل شيء… بينما من كان أحق بالعقاب هو أبوه؟
هل خسر أكثر شخص أحبّه قلبه… من أجل انتقامٍ مزيف؟
أول من رأت حالته كانت فايزة.
كانت جالسة على الأريكة، المصحف بين يديها، ترتّل بهدوءٍ مطمئن.
ما إن وقعت عيناها عليه حتى قالت بصوتٍ خفيض:
— «صدق الله العظيم.»
قبّلت المصحف، ووضعته إلى جوارها، وظلت تنظر إليه في صمتٍ موجع.
تميم كان يمشي بترنح، أصواتٌ داخل رأسه تتكرر بإلحاحٍ قاسٍ…
صوتٌ واحد يصرخ:
غبي يا تميم… غبي.
توقف فجأة…
حين وجدها تقف أمامه مباشرة، فاتحةً ذراعيها على وسعهما.
نظر إليها بعينين مكسورتين، نظرة طفلٍ ضائع…
ثانية واحدة فقط، ثم اندفع بكل قوته داخل ذراعيها.
شدّ قبضته حولها، وبكى…
بكاءً حارقًا، بلا خجل.
ربّتت على ظهره برفق، تهمس بلطفٍ أمومي:
— «اهدى يا بني… اهدى.»
خرج صوته من بين شهقاته متكسّرًا:
— «أنا دمرت واحدة مالهاش ذنب…»
— «يا تيته أنا دمرت نفسي… دمرت حياتي.»
— «عشت عمري كله بخطط وانتقام وكُره…»
— «وفي الآخر طلعت أنا اللي كنت بعذب نفسي… وبنتقم من نفسي.»
— «اتسرّعت في الحكم عليهم… يا تيته.»
— «دمرتهم… ودمرت نفسي.»
وانفجر في البكاء مرةً أخرى.
شدّت عليه أكثر، تشاركه دموعها، يوجعها منظره…
فهو، مهما فعل، كان وما زال حفيدها المدلل… طفلها.
أبعدته قليلًا، وأحاطت وجهه بين كفيها:
— «هتتعالج يا تميم.»
— «وهتبقى أحسن واحد في الدنيا.»
— «وهتصلّح كل حاجة.»
هزّ رأسه بنعم، لكن صوته خرج مهزومًا:
— «أنا بوّظت كل حاجة بتسرّعي.»
— «مش هينفع أصلّح حاجة… كل حاجة باظت.»
قالت بألمٍ صادق:
— «كتير قلتلك إنك هتندم يا تميم.»
— «وإنك فاهم أبوك غلط.»
— «بس ماكنتش بتسمعني يا ابني.»
ألقى بنفسه بين ضلوعها مرةً أخرى، وبكى بحرقةٍ أشد، يتمتم من بين شهقاته:
— «أنا آسف…»
كطفلٍ صغير…
كسر شيئًا غاليًا…
ثم عاد معتذرًا بعد فوات الأوان.
وشرد تميم…
وسحبته الذاكرة إلى ذلك اليوم.
غرفة هادئة، إضاءة خافتة، صوت الطبيب ثابت… بلا انفعال.
— «بص يا تميم…»
— «إنت مش شرير، ومش سادي.»
— «إنت مريض… بس مش زي ما إنت فاكر.»
كان تميم جالسًا، عينيه مثبتتين في الأرض.
الطبيب أكمل:
— «إنت عندك اضطراب ما بعد الصدمة المُعقّد.»
— «حرمان الطفولة… وحبك في أبوك…»
— «وفقده… سيبوا جواك غضب ما اتعالجش.»
رفع تميم رأسه وقتها، صوته كان حادًا:
— «يعني إيه؟!»
رد الطبيب بهدوءٍ موجع:
— «يعني إنت ماانتقمتش من اللي أذا ابوك »
— «إنت بتنتقم من كل حاجة بتفكر أنها كانت السبب في فقدان ابوك »
— «أشخاص… أماكن… وحتى جمادات.»
— «بتعاقبهم… علشان ماقدرتش تحافظ علي أبوك.»
صمت قليلًا، ثم قال الجملة اللي حفرت جواه:
— «أكتر واحد إنت قاسي عليه… هو نفسك.»
رجع تميم للحظة الحاضرة…
وعرف.
إنه لم يكن ينتقم…كان ينهار….كان سريع الحكم …..
: «سوء الحكم على الآخرين غالبًا انعكاس لصراعات لم نحلّها داخلنا.»🌚🌎
كان مالك واقفًا في شرفة غرفة مكّة، عينيه معلّقة بالسماء، كأنها وحدها تعرف مكانها.
محمود كان قد غرق في نومٍ ثقيل، نوم البكاء المنهك، فبقي مالك وحده… مع الاشتياق.
خرج صوته مبحوحًا، يتمتم بستة أبياتٍ يعرفها قلب كل مشتاق:
«أشتاقُكِ اشتياقَ الغريبِ لوطنه،
والظمآنِ لقطرةِ ماءٍ في التيهِ الطويل.
أشتاقُكِ شوقًا يكسِرُ الصدرَ إذا مرّ،
ويُربكُ القلبَ إذا حاول النسيان.
كأنكِ الغيابُ كلّه…
وكأن حضوركِ هو الحياة.»
ابتلع ألمه، وقال بصوتٍ مرتعش:
— «ما عجزتش عن حاجة…»
— «وعجزت إني ألاقيكي.»
— «عمري ما هسامح نفسي… لأني كنت السبب في كل اللي إنتِ بتعاني منه.»
قاطعه رنين هاتفه.
— «مالك بيه… تميم العاصي اتحرك من المستشفى للقصر، وما تحركش من وقتها.»
مسح وجهه بغضب، وأغلق الخط في وجه المتحدث.
قال بجديةٍ قاتلة:
— «أتمنى ما تبقاش معاك يا ابن العاصي…»
— «أتمنى ربنا يرحمك مني.»
تحرك مغادرًا البيت، وما إن فتح باب السيارة حتى رنّ الهاتف مرة أخرى.
هوية المتصل: (قاسم الهلالي)
رفع السماعة، وقبل أن ينطق…
— «مالك… مكّة رحيم محبوسة عندنا.»
توسعت عينا مالك بصدمةٍ أفقدته القدرة على التنفس:
— «لقيتها؟!»
ابتلع قاسم ريقه، صوته خرج هادئًا حذرًا:
— «مش بظب—»
لم يسمع مالك باقي الكلمات.
أغلق الهاتف…
وانطلق.
السيارة اندفعت كالرصاصة في قلب الطريق.
يده كانت تضغط على المقود بقوةٍ كأنها تحاول تثبيت قلبه الهارب.
أنفاسه متلاحقة، صدره يعلو ويهبط بعنف.
لم يكن يقود…
كان يهرب نحوها.
الإشارات تمر بلا معنى، الشوارع تتلاشى، والعالم كله اختزل في اسمٍ واحد:
مكّة.
صوتها يرن في أذنيه، ضحكتها، دموعها، خوفها.
كل لحظة قسوة قضاها معها كانت تنهشه الآن كوحشٍ جائع.
ضغط على البنزين أكثر، كأن السرعة ستقصر المسافة بين قلبه وقلبها.
لم يكن يخاف من الموت…
كان يخاف أن يصل…
ولا يجدها.
حب مالك لمكّة لم يكن كلامًا،
كان فعلًا…
اندفاعًا أعمى،
وجنون رجلٍ عرف متأخرًا
أنها وطنه الوحيد.
كانت إيمان جالسة بجوار مكّة، جسدها قريب جدًا من جسدها المرهق، أناملها تتحرك فوق شعرها برفق، وكأنها تحاول أن تسرق الألم منها.
المحلول يتدلّى ببطء من يد مكّة، وجهاز التنفس يصدر صوتًا منتظمًا… كأن كل نفس لهما هو وعد بالحياة وسط الظلام الذي أحاط بهن.
وراءهما، كان حمزة يقف متكئًا على الحائط، يعض أظافره، يهز قدمه بعصبية، عينه لا تفارق المشهد. توتره كان يخرج من كل خلية في جسده، كأن قلبه يسبق عقله بخطواتٍ مضطربة.
نطق بصوتٍ بالكاد يسمع:
— «إيمان…»
رمقته بغضب، عيونها كأنها تحرقه من الداخل، نار اشتياق وغضب مختلطين في نفس الوقت.
ابتلع ريقه، صوته مجهد:
— «إنت مش هتقولي لمالك حاجة، صح؟»
انفجرت إيمان بغضبٍ مسموع:
— «مكّة؟! يتعمل إيه عندك؟!»
— «ومالك قالب عليها الدنيا!»
ابتلع حمزة ريقه، وصرح بتوتر:
— «والله… ده لسه جايه امبارح بالليل بس…»
ضيّقت إيمان عينيها:
— «جت لوحدها… حبت تسجن نفسها؟»
مرّر كفه على قفاه بتوتر:
— «هفهمك كل حاجة… بس ارحميني من أخوكي.»
غضبت أكثر:
— «أنت… هتطلقني!»
اتسعت عينا حمزة فجأة، صوته صار متحشرج وهو يقف بجانبها:
— «ده… ده عندها!»
عادت إيمان بنظرها إلى مكّة، قلبها موجوع:
— «أنا مستحيل أكمّل مع واحد خاين وكذاب زيك!»
أسرع نحوها، يضع يديه على كتفيها:
— «سامحيني… والله كل ده من طمعي وجشعي… أنا آسف…»
دفعته للخلف بغضب:
— «ابعد عني! أنا مش طايقاك… أنا بكرهك!»
أوقفها فجأة، وضع كفه على فمها، صوته صار شبه همس:
— «أرجوكي… ماتتسرّعيش في الحكم عليّا.»
— «والله ما كان قصدي… أنا مش عارف إزاي مشيت ورا كلام تميم الكلب.»
نظرت إليه بعينين جامدتين، صوتها مرتعش:
— «ابعد! بس ييجي مالك… وأنا هقوله كل حاجة!»
قال بجدية ممزوجة بالذنب:
— «قولي اللي إنتِ عايزاه… وأي حاجة يعملها، أنا متقبل… بس تبعدي عني… ده اللي مش مسموح.»
— «وبعدين… مكّة خلاص… ما بقتش تخص مالك.»
اقترب منها، حرّك يديها برفق فوق شعرها:
— «أنتِ عاوزة تقول إنك ما تعرفيش مكّة تبقى بالنسبة لمالك إيه؟»
لوى شفتيه، وهمس برعبٍ داخلي:
— «عارف يا أختي… أمال أنا كنت هعملها على نفسي من شويه ليه
وفجأة…
توقفت عروقه.
تصلّبت أطرافه.
توقفت أنفاسه… وربما قلبه أيضًا.
الباب انفتح بعنف.
وظهر…
ذلك الثور الهائج.
كاد حمزة يُغشى عليه، دوارٌ عنيف اجتاحه، جسده ترنّح.
أما مالك…
فقد توقف الزمن عنده.
توقف العالم كله.
لا أصوات…
لا أنفاس…
لا شيء.
ظهر مالك، عينيه ثابتتان على مكّة.
كل شيء حوله اختفى، لم يكن يسمع شيئًا، لم يكن يرى شيئًا
مستلقية على الفراش، ملامحها شاحبة، لكنها ما زالت جميلة.
أنبوب التنفس قرب شفتيها، والمحلول يقطر ببطء،
كل التفاصيل الصغيرة، كانت الآن كأنها من نور… كأن الكون كله تجمّد ليجعل هذه اللحظة خالدّة.
خطا خطوة، ثم أخرى، حتى اقترب منها، جسده كله يرتجف من الاشتياق والخوف، قلبه يدق بعنف حتى شعر أن أذنيه تتورمان من شدة النبضات.
عينيه تلمعان، وابتسامة موجوعة ترتجف على شفتيه.
— «وتيني…»
همس بها بلا صوت.
يخفض رأسه، يتنفس ببطء، يلمس طرف شعرها برفق، كأنه يخاف أن تتحرك فتختفي من أمامه.
إيمان… حتى وهي مستلقية، جسدها ضعيف، قلبها مسكون بالألم، شعرت بقربه.
نبض قلبها بدأ يعلو، خفقات سريعة، متسارعة، وكأن قلبها صار يعرف أنه ليس وحيدًا بعد الآن.
نبضه ووجوده قربها كان وعدًا، لمسة أمان، بداية لكل شيء لم تُستكمل بعد.
كان تميم واقفًا أمام العمارة، عينيه ثابتتان على الشرفة التي خرجت منها.
في يده هاتفه، قلبه يرفرف كطائر محاصر، والألم يضغط على صدره بلا رحمة.
في داخل الشرفه، كان الدكتور نور الدين سليم، رجل السلطة النفسيّة الذي عرفه من قبل، يقف مكتوف الأيدي أمام الحالة، عيناه تحملان كل مزيج من القلق والمسؤولية. لا حاجة للوحة مكتوب عليها شيء، كل شيء مكتوب في صمت المكان وفي عينيه: «احترس من قلب هذا الشاب… إنه محطم وحائر.»
نظر تميم إليه للحظة، ثم انطلقت منه الذكرى فجأة… فلاش.
صوت، ضحكة، ودموع… كل شيء بدا وكأنه يعود في ثانية واحدة.
اقترب مهرولًا نحو مكّة، كانت ملقاة على الفراش، جسدها مستسلمًا، كأنها طفلة ضائعة في عالمها.
أسد تميم، كان جانبه، كأنه أعز أصدقائه، وفهم كل شيء بعينيه السوداوين.
همس تميم وهو يربت على شعره برفق، قلبه يوجع:
— «شاطر… ماجتش جنبها زي ما اتفقنا…»
حرك الأسد رأسه برفق، كما لو يفهم كل كلمة، كل شعور، ثم اقترب تميم ليحملها بين ذراعيه.
وضَعها على الفراش، وشعر بقلبه يتمزق حين همس بجوار أذنها:
— «أنا مش هقدر أشوفك بتتعذبي قصادي تاني… قلبي مش قادر… عملتي في إيه يا بنت رحيم؟… أنا مش قادر…»
تنفس عميقًا، يحاول السيطرة على الألم الذي يجتاحه، يمرر كفّه على وجهه، ثم رفع هاتفه مترددًا:
— «هاجبلك مكّه…»
— «تجبها عندي؟ هتفسحها في الزنزانة؟ معقوله…»
توقف، كلماته تتسارع بغضب، قلبه يعلو:
— «حمزه…»
— «ما أنت غريب، يا تميم… ماتقول كلام يعقل.»
— «هنبتذ بيها مالك… يا أما يتنازل عن الأرض، يا أما يسيبها مرمية بين المسجونين…»
تميم سحب نفسه قليلًا، كلماته خرجت غاضبة، مرتجفة:
— «انت عاوزني أروح زيارة للآخرة، يا تميم… انت اتجننت!»
ثم همس بحزم، رغم ارتعاش قلبه:
— «لو حد سأل، قول لهم تهمة سرقة… وأنا مظبط الموضوع.»
— «مش عارف ليه… بسمع كلامك… هروح في داهية.»
أغلق الهاتف في وجهه، أعاد النظر إليها، قلبه ينهش نفسه:
— «مالك العاشق… مخلي واحد يراقبني…»
— ضحك مرير: «هههه… ما يعرفش إن تميم العاصي… اللعبة هي اللي معاه.»
تنفس عميقًا، ألم في قلبه، وحب يصرخ بداخله:
— «بس ليه… الحق يحبك… وانت مين يعرفك وما يحبكيش؟»
مرّر كفّه على وجهها برقة، حملها بحذر، وكأنها الزجاج، وخرج بها من باب خلفي، يخرج بها مباشرة إلى الشارع، بعيدًا عن أعين القصر.
وقف تميم للحظة، شعوره بالشرود يملؤه، ضربات قلبه تتسارع: اشتياق… خوف… ندم… قلق… كل مشاعر مختلطة تدفعه للأمام.
ثم رفع هاتفه، أرسل رسالة قصيرة:
— «سيب مكّه، … يا حمزه… وقولها أني طلقتها و خليها تسامحني.»
أغلق الهاتف تمامًا، قلبه ينزف، وخطواته باتت مكسورة، حزينه، وهو يقترب من العياده بخطوات ثقيلة، كل خطوة تُشعره بأن العالم أصبح أصغر من أن يحتمل فوضى قلبه.
نُقل مالك مكّة إلى مستشفى كبير… ضخم بكل معنى الكلمة، مبنى أبيض لامع، زجاجه يلمع تحت أشعة الشمس، وصالاته العالية مليانة ضوء، كل شيء فيه يوحي بالقوة والأمان، وكأن كل زاوية فيه مصممة لتحتوي البشر، وتهدئ القلوب الجريحة.
غرف واسعة، أجهزة طبية حديثة، وكل أصغر التفاصيل مريحة للنفس… كأن المكان نفسه يحضن المرضى ويعيد لهم القوة.
دخل مالك الغرفة، حاملاً مكّة في ذراعيه بعناية، خطواته ثابتة رغم الخوف والقلق الذي يملأ قلبه. ومئات الأطباء حولها …وكأن جهزت الغرفه بعناية لإستقبال أهم الأشخاص لمديرهم
ساعات قليله من الاهتمام والعمل الجاد وذلك المتمسك بكفها يرفض تماماً تركها والكل يعمل علي إفاقها ومداوه اي إصتبه بها
بعد دقائق🌎🌚
… فتحت مكّة عينيها ببطء، أول ما افتحت، رأت شيئًا مألوفًا…
كانت جالسة بجانبها، ممسكة كفها، عينان مليئتان بالدموع، وصوتها يهتز بالحزن والفرح في نفس الوقت.
نطقت بصعوبه بعض الشئ تحاول تدرك هل هذا حلم أم واقع:مها ….!!!!!!!!!
- لقراءة باقي فصول الرواية أضغط على (رواية قدري الأجمل)