روايات

رواية قدري الأجمل الفصل السابع عشر 17 بقلم ندا الهلالي

رواية قدري الأجمل الفصل السابع عشر 17 بقلم ندا الهلالي

 

البارت السابع عشر

 

{17}
مكّة كانت باصّة لمها، بس المرّة دي النظرة كانت تقيلة…
مش عتاب، ندم.
قالت بصوت مكسور: — أنا أسفة… علشان ظلمتك.
مها شهقت: — مكّة أرجوكي…
مكّة كملت، دمعتها خانتها: — استعجلت الحكم، وصدّقت عقلي قبل قلبي.
والحكم لما يستعجل… بيوصل الواحد لأبشع طريق.
سكتت، صوتها اتهز: — عارفه وصلني لآيه؟!…وصلني للي أنا فيه دلوقتي.
مها دموعها نزلت: — والله أنا كنت خايفة.
مسكت وشّها بإيديها: — كنت أنانية، آه. فكرت في نفسي، وفي خوفي، وفي الشخص اللي بحبه…
ونسيتك. نسيت أحب الأشخاص لقلبي
هزّت راسها: — بس أقسم بالله، عمري ما حبيت مالك، ولا كان قصدي أوجعك.
أنا كنت بحاول أحمي نفسي، ومش كل حماية صح.
مكّة شدت على إيدها: — الخوف مش عيب…
العيب إننا نسيب بعض وإحنا محتاجين بعض.
مها انهارت، حضنتها: — سامحيني.
مكّة حضنتها أقوى: — أنا مسامحاكي من قبل ماتطلبي…
علشان لو خسرتك، مكنتش هسامح نفسي أبدًا.
الاتنين كانوا بيعيطوا…
عياط خفيف، بس صادق، ينضف القلب.
وبعد شوية، مكّة مسحت دموعها وضحكت: — بس بقى…
إحنا أقوى من إننا نسيب سوء فهم يكسّرنا.
مها ضحكت وسط دموعها: — ده إحنا لو سيبنا بعض، الدنيا نفسها هتزعل.

 

الضحك دخل بينهم بهدوء…
ضحك دافي، يلمّ القلب.
مالك وقف عند باب الغرفة، قلبه بيخفق بقوة، وكل خطوة نحو مكة كانت كأنها ثقل وحب وحنين مجتمعين في نفس اللحظة. عيناه وقعت على وجهها أول ما دخل، ما صدّقش جمالها البسيط، الضعف اللي بيخلي قلبه يذوب، والحنان اللي بينبع من كل حركة صغيرة فيها.
مكة شعرت بنظرة مالك، شعور غريب… بين الخوف والرغبة في الاقتراب، كأنهم اتقاطعوا في لحظة ما كانوش مستعدين ليها. مها اللي كانت موجودة لحظة قبل كده، حست إنهم عايزين يكونوا لحظة وحدهم، ابتسمت بخجل وقالت:
– “أنا هسيبكم شوية…”
وتركتهم، عشان اللحظة دي تكون ملكهم فقط.
مالك اتقدّم بخطوات بطيئة، لكن كل خطوة كانت مليانة مشاعر. قعد جنب سريرها، عينيه ما شالتش عن وجهها ثانية واحدة، وبدأت دموعه تنزل… زي طفل صغير، بلا أي كلام، بس الألم والحب في قلبه كان واضح.
مكة حاوطت وجهه بكفها برقة، وهي تحس بألم داخلي:
– “أنا آسفة…”
مالك شال وشه بسرعة، صوته متهدج بالدموع:
– “سبيني… أنا اعتذرتلك عن كل حاجة حصلتلك… بس سامحيني.”
مكة حاولت تقول أكتر، بس الكلمات اتحبست حواليها، اكتفت بجملة واحدة، بسيطة لكنها محملة بكل وجع قلبها:
– “أنا بابا وماما وحشوني أوي… وعاوزه أشوفهم.”
الكلمة دي وقعّت على مالك زي صاعقة. قلبه انفجر… بس الحقيقة المؤلمة إنه يعرف إن رحيم أبو مكة مات… ومكة لسه مش عارفة.
مكة بصت حواليها بارتباك، وسألت بصوت منخفض:
– “أنا… جت هنا إزاي؟”
ابتلعت ريقها برعب وهمست:
– “تميم…”
نظرة مالك اتغيرت فجأة… اتحولت لغضب قاتل، عيناه ولّت نار:
– “نخليه يتمنى الموت… ومش هيلاقيه.”
مكة بسرعة حاولت توضح، بنبرة مختلطة بين الخوف والعناد:
– “في حاجة حصلت بين بابا وتميم… تميم طلع بيعرف بابا… صدقني يا مالك… لازم أشوف بابا وأفهم منه كل حاجة.”
مالك تذكّر حديثه مع فايزة بعد ما عرف من حمزة إن اللي جاب مكة السجن كان تميم. قلبه اتقلب من الغضب والعذاب، لكنه عرف الحقيقة الكاملة عن أوبسيدين وأم مكة. قرر يخفي الحقيقة عنها، ويبعدها عن أي صدمة أو ألم تاني، وعاهد نفسه إنه هينسيها كل الألم اللي حصل.
فجأة، سمع صوتها الغاضب يصرخ:
– “مالك… انت رحت فين؟! أنا بكلمك!”
مالك رفع عينيه ليقابلها، بعينين مليانين بالحنية، وكل غضبه اتحول لدفء. بحركة مفاجئة، رفع كف إيدها وقبلها برقة، همس في أذنها:
– “بحبك.”
مكة شعرت بالقلب بتاعها بيقف للحظة، كل جسدها ارتجف، فراشاتها طارت في قلبها، ودقات قلبها زادت بسرعة. الشفاه اللي لمست كفها خلتها تحس بدفء وغرق في إحساس الحب اللي ما عرفتش تقاومه. عينيها اتلمعوا والابتسامة ظهرت على شفايفها من غير ما تاخد بالها.
مالك فضل يبص في عينيها، كأنها كل الكون كله بالنسبة له:
– “يا أحلى قرار أنا أخدته.”
مكة ارتجفت من الكلمات، قلبها بيطن، جسدها كله اتملأ بالدفء، وكل مشاعرها اتقلبت من خوف وحزن لحب وسعادة.
مالك أخذ نفس عميق، وقال لها بيت شعر كله عشق وغرام:
– “لو عيونك بحر… أنا غريق فيك… وكل موجة بتمطر حب.”
وبغمزة خفيفة لها، أكمل مبتسم:
– “لأنك وتيني.”
فضلت مكة تحدق في مالك، قلبها خائف ومتردد، وعيناها تجمع بين الخوف والأمان، الحب والحزن… ورجفة خفيفة في صدرها تُذكّرها بكل ما مرّت به من ألم وتجارب صعبة، تجعلها عاجزة عن الانسلاخ بسرعة. كانت تريد الهروب، لكن لم تكن تعرف إلى أين، وكأنها تائهة بين خوفها وحبها، بين رغبتها في الاقتراب والبعد في نفس الوقت.
مالك لاحظ كل ذلك، كل نظرة وكل حركة في جسدها، فهم كل مشاعرها، خوفها، ارتباكها، وحتى ذلك الشك الذي يلوح في عينيها. كان يعرف أنها تحتاج أن يداويها جسديًا ويطبطب على قلبها، لكن كان يعلم أن دواوها النفسي يحتاج صبرًا وحنانًا لا يُقاس.
وفجأة، قُطع كل هذا الصمت والتوتر بدخول حمزة، اندفاعه قطع اللحظة، ومالِك اندفع بسرعة ليقف أمام سرير مكة، مختبئًا خلفه، ليخفيها تمامًا عن الأنظار.
وقف تميم مستغربًا، لا يفهم سبب هذه الحركة.
مكة شعرت بالخجل، وخاطفت أنفاسها عندما لاحظت أن حجابها لم يكن على شعرها، شهقت بخضة، وحاولت أن تخفي وجهها وراء يديها بكل حياء.
حمزة، الذي دخل من دون ترتيب، حاول أن يزيد الغضب والإثارة:
– “ما أنا شوفته على فكرة…”
وغمز لمالك وكأنه يتحداه.
نظر له مالك بهدوء قاتل، صوته منخفض لكنه مليء بالتهديد:
– “اطلع برا يا حمزة… لو لسه باقي على روحك.”
تمتم حمزة وهو يضع يده على وجهه مكان اللكمة التي كان مالك قام بتوجيهها له:
– “أنا كنت جي أعتذر يا خويا…”
ضحكت إيمان ضحكة عالية على حال أخوها وزوجها، وهرولت إلى مكة، تضمها بقوة وحب:
– “حمدالله على سلامتك يا كوكي!”
بادلتها مكة الحضن بكل دفء، شعور بالأمان والطمأنينة يملأ قلبها، وابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهها وهي تقول:
– “الله يسلمك يا إيمي.”
صرخت إيمان بغضب لطيف في مالك:
– “أومال أنت اللي حلال يا خويا يعني؟ يلا اطلع برا يلا!”
مالك ابتسم لها وغمز لمكة بعينين مليئتين بالحب:
– “لا… دي بتاعتي أنا.”
دفعت إيمان مالك للخارج بغضب، وهي تصرخ:
– “اطلعوا برا يلا!”
وقف حمزة يشاهد، وابتسم وهو يرى مالك وهو يطري زنقة إيمان، ضحك ضحكة ما قدر يسيطر عليها:
– “ياااه… ده أخوها وده زوجها… تحفة بجد!”
ومكة وقفت، قلبها مليء بالفرح والحب، شعرت بالأمان والدفء وسط عائلتها، لم تكن تستطيع التعبير بالكلمات عن كل ما يجتاح قلبها من مشاعر.
مرت دقائق سريعة، وخرجت مكة من المستشفى، جسدها مرتخي، عيناها شاردتان، وكأنها موجودة بجسدها فقط، لكن روحها في مكان بعيد تمامًا، خالية من أي شعور أو كلام. ركبت سيارة مالك، لكن لم تكن تتفاعل مع ما حولها، مجرد جسد بلا حياة، ونظراتها معلّقة في شيء لا يراه أحد.
مالك جلس خلف المقود، يشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي فيها، قلبه يشتعل قلقًا، كل حركة في عينيها، كل صمتها، أثارت فيه شعورًا غريبًا، وكأنه يعرف أن هناك ألمًا دفينًا لا تُظهره. نظر إلى أخته أكثر من مرة، كأن عينيه تسألها: “إيه اللي قلتي لها؟”، لكن أخته تجنبت النظر إليه، تحاول أن تخفي أي رد فعل.
استقر أخيرًا الوضع في السيارة، مالك يقود من الأمام، حمزة بجانبه، ومكة نائمة في حضن إيمان في الخلف، هدوء قاتل يملأ السيارة، كل شيء صامت، خالي من أي كلام أو صوت، خالي من أي مشاعر.
كل مرة يمرّ مالك على مطب، يخفّض السرعة بعناية شديدة، وكأن حياته ومشاعره كلها مرتبطة بحالة مكة. تمر الدقائق ببطء، ومالك يحدق فيهم من المرايا، يراقب مكة، كيف جسمها مسترخٍ بهدوء، لكن قلبها بعيد، لا يدركه أحد.
مكة كانت ترتدي فستانًا ناعمًا، قماش خفيف يلتف حول جسدها برقة، وخمار أبيض ينسدل على شعرها، لكنه الآن مخفي وراء رأسها المائل، عيناها نصف مغمضتين، وجسدها يبدو كأنه قطعة من صمت مطلق، رقة وصفاء في المشهد كله.
وأخيرًا، وصلوا أمام العمارة، ومكة شعرت بثقل في رجلها، لم تستطع أن تتحرك، كأن الأرض تمسكها بأذرعها. مالك نظر إليها بهدوء، صوته خافت لكنه دافئ:
– “مكة… إنتي كويسة؟”
كف إيمان كان مشدود في كفها، بثّ لها شعورًا بالقوة والأمان، دفأ جعل قلبها يرتجف من قليل من الاطمئنان وسط كل الصمت. مالك شعر في تلك اللحظة، أن إيمان نقلت لها حقيقة موت رحيم بطريقة غير مباشرة، شعر بالغضب والحزن والحنان كلهم مجتمعين، بدأ يحاول بث القوة والأمان إليها بالكلمات، لكن مكة لم تعد معه… كانت مع ذكرياتها، مع أبيها، مع كل لحظة لم تُستعاد:
تذكرت مكة أبيها، رحيم، يبتسم لها وهو يمسك يدها، كلمات كان يحب أن يسمعها، ضحكاته، صوته الحنون، وكيف كان يشعر بها دائمًا، وكيف لم يكن لديها فرصة لتودعه قبل موته… وكل هذا الألم عاد يغمرها، تجعلها تتحدث مع نفسها بصوت منخفض:
– “أنا اتسرّعت… خسرت حتى اللحظة اللي كنت هشوف فيها بابا قبل ما يموت…”
تقدمت خطواتها إلى الشقة، كل خطوة ثقيلة، مكسورة، خالية من أي حيوية، وكأنها تحمل كل العالم على كتفيها. وعندما وصلت، تفاجأت برؤية محمود يصلي، صوته هادئ، يرتل آيات قرآنية عن الصبر:
– “وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”
صوت محمود كان كمسكن لكل ألمها، شعرت بالطمأنينة تتسلل إليها ببطء. ذهبت نحو غرفة والدها بصمت، فتحت الباب، نظرت إلى فراشه، وذهبت نحو ملابسه القديمة، احتضنتها، شمّت رائحته، كل شيء حولها عاد بها إلى الذكريات، إلى الأيام التي فقدت فيها حضن أبيها وحنانه…
وقضت ساعات طويلة مع نفسها، الباب مغلق خلفها، عالمها كله هنا، بين الأصوات والذكريات والروائح التي أحبّت.
في الخارج، مالك يقف، قلبه مليء بالحنان، يريد أن يطمئن عليها، كل خفقة من قلبه تدعوه لأن يقترب، لكنه يحترم صمتها، يعرف أن الوقت لها ضروري.
محمود يقف أيضًا، ملامحه باهتة، يحاول أن يكون قويًا، يجمع نفسه، لكنه يعرف أن روحه مكسورة، الصبر وحده لا يكفي. بصوت منخفض لنفسه:
– “خليها تاخد وقتها…”
وإيمان، بجد، همست لمالك:
– “اللي مكة فيه مش سهل يا مالك… سيبها تلاقي نفسها…”

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية قلبي ومفتاحه الفصل السادس والعشرون 26 بقلم روز أمين

 

 

مرَّ شهرٌ كامل…
شهرٌ انسحبت فيه مكّة من العالم، كما تنسحب وردةٌ من الضوء فتذبل ببطء.
أغلقت على نفسها غرفتها، لا تفتح نافذة، لا تستقبل شمسًا، كأنها ترفض فكرة النور من الأساس.
لم تخرج إلا إلى المستشفى، تطمئن على والدتها، ثم تعود منكّسة الرأس، مكسورة الروح، كما اعتادت.
أما محمود، فكان حبيس غرفته هو الآخر…
لا يفعل شيئًا سوى الصلاة، وترتيل القرآن، كأنما يحاول أن يغسل روحه مما مضى، أو يتمسّك بحبلٍ وحيد يربطه بالحياة.
مالك…
كان يحيطها بعيونه حتى وهو بعيد.
في العمل، ترك من يراقب خطواتها، أنفاسها، صمتها.
وبقية اليوم… كان يجلس أسفل شرفتها.
حتى حفظت الجدران موضعه، وألفه الرصيف، وصارت الأرض تعرف وقع قدميه.
أما مكّة…
فلم تفتح شرفتها يومًا، ولا حتى بالخطأ.
كأنها ترفض فكرة وجود النور… أو ربما ترفض فكرة أن تنكسر مرة آخرى.
كان يراسلها كل لحظة:
«أنا معاكي»
«مش هسيبك على فكرة»
«إنتِ قوية وأنا عارف ده»
«مكّة… وحشتيني»
«مكّة بصّي من الشباك، لو لمرة واحدة بس… نفسي أشوفك»
«يا بنت الناس ارحمي بهدلتي دي، ده عمي كريم اللي بيسئل لله بقىت بقعد على الرصيف أكتر منه»
«بس ليه لأ؟ وأنا مستني نظرة منك بالغلط»
كانت الرسائل تصل…
ومكّة تفتحها، تقرأها، ثم تغلق الهاتف دون رد.
لم تكن قاسية…
كانت فقط تحتاج وقتًا.
وقتًا لتجد نفسها.
لتبحث عن عالمٍ تاه منها، وسقطت فجأة في عالمٍ لا تعرف عنه شيئًا سوى الألم.
دقّ الباب…
كانت تمسك صورة والدها، تحدّق في ملامحه، والدموع تنساب في صمتٍ موجع.
دخلت مها بهدوء، جلست على طرف الفراش، تفرك يديها بتوتر، لا تدري من أين تبدأ.
همست برفق:
— مكّة…
قاطعتها مكّة بصوتٍ مكسور:
— بابا مات بسببي… بابا مات علشان خاف عليّا.
أسرعت مها:
— دي أعمار يا مكّة… كل واحد عمره بينتهي في الوقت اللي ربنا كاتبه. إنتِ مؤمنة بربنا، واللي بتعمليه ده غلط.
هزّت مكّة رأسها بنعم، تمسح دموعها بألم.
وفجأة…
دقّ باب الغرفة مرة أخرى.
لم تتحرّك.
جاء صوت محمود، منكسرًا، مطأطئ الرأس:
— أنا نازل شوية… لو احتاجتوا حاجة كلموني.
نظرت إليه مها بوجع.
متى يعود؟
متى يعترف بابنه؟
وكيف لا وهو لم ينهض من نكسته إلا بتعلّقه بتلك الروح التي تولد من جديد؟
أما مكّة…
فلم تنظر إليه حتى.
مرّت دقائق.
اقتربت مها من مكّة بحماسٍ مصطنع:
— هوت شوكليت؟
ابتسمت مكّة بصعوبة، وأومأت ببطء.
هرولت مها نحو المطبخ، تصفّق بيديها.
وما إن وصلت…
حتى انقطع التيار الكهربائي.
عمّ الظلام.
قالت مها بضيق:
— يا رب… ده وقته؟
تحسّست هاتفها لتشغّل الكشاف.
أما مكّة…
فكانت في عالمٍ آخر.
ذاكرةٌ خاطفة ضربتها بقسوة…
غرفة مظلمة…
تميم…
والأسد.
ارتجف جسدها، تصبّب العرق منها، اهتزّت قدمها بعنف، ضمّت جسدها بذراعيها، الرعب يخنق أنفاسها.
كادت تصرخ…
في الأسفل، كان مالك يقف أسفل البناية.
تيشيرت أسود يلتصق بجسده، وبنطال قماش أسود يزيده وقارًا.
مظهره حادّ، رجولي، ورائحة عطره الداكنة تسبق حضوره، مزيج من خشبٍ وعنبرٍ ونارٍ هادئة.
وفجأة…
سكن الجو.
وانقطع النور.
لم يفكّر.
اندفع كالصاروخ، خطواته تبتلع السلالم.
ثوانٍ… فقط ثوانٍ…
وكان أمام باب شقتها.
فتحت مها الباب، رفعت الكشاف في وجهه:
— مالك!
لم يسمع.
اندفع إلى الداخل، إلى غرفتها.
كان الظلام دامسًا…
بحث عنها بقلبه، لا بعينيه.
شعرت مكّة بفتح الباب، فنهضت بفزع، الدموع تنهمر.
وقف مالك أمامها مباشرة، وهمس بصوتٍ ثابت، دافئ:
— متخافيش… أنا هنا.
همست بصوتٍ مرتجف:
— مالك…
— أنا هنا.
أضاء شاشة هاتفه.
ما إن رأته…
حتى ألقت بنفسها بين ضلوعه.
أغمض عينيه.
في تلك اللحظة، اختلط الشوق بالخوف، والرغبة بالمسؤولية، والحنين بالذنب.
ضمّها قلبه ولم يضمها ذراعيه.
كانت تتشبّث به برعب:
— أ… أ… أسد…
كور مالك كفيه، عضّ على شفتيه.
أقسم ثاني أكسيد الكربون الخارج منه وقتها
لو كان تميم أمامه لفتك به.
همس بلطف:
— مكّة، اهدي… مفيش حاجة.
لم يبادلها العناق رغم اشتياقه…
كان يعلم أنها احتمت به خوفًا، لا فكرا.
ولا يحق له أن يستغل ذلك.
— أنا جنبك… متقلقيش.
وسكنت…
ليس من كلماته فقط…
بل من دفء الأمان الذي وجدت نفسها فيه.
ابتعدت فجأة، محمحمِةً بخجل:
— أنا… أنا آسفة أوي… مكنتش أقصد.
ضحك مالك ضحكة رجولية طاغية، غمز لها:
— مالك يتحكّم في ملكه… فليفعل ما يشاء.
ابتسمت بخجل.
جاء صوت صادم:
— أخويا ومكّة في أوضتها لوحدهم؟! يا الفضايح!
إيمان، تضرب صدرها بتمثيل.
رفع مالك حاجبه:
— إنتِ شفتينا إزاي في الضلمة؟
— بحسّة الشم.
انفجرت مها ضاحكة، واكتفت مكّة بابتسامة خجولة.
دفعت إيمان مالك للخارج:
— يلا يا حبيبي، يلا ورينا عرض كتافك، أنا جيت خلاص.
أغلقت الباب في وجهه وسط ضحكهم.
ما إن هبط…
حتى وجد حمزه متكئًا على سيارته:
— أخدت اللقطة يا روميو؟
رمقه مالك بقرف، وجلس.
جلس حمزة بجواره متوترًا:
— والله يا مالك مكنتش في وعي… اعتبرني عيل وغلط.
— أقسم بالله، لولا إن مكّة طلبت أسيبك… كنت محيتك.
— هي سامحت… إنت مش هتسامح؟
نظر مالك إلى شرفتها:
— أي حاجة تخصّها… لأ.
— هييييح… يا بختها.
— قوم من جنبي لو عايز تبقى فيها ياحيلتها
وقف حمزه سريعاً وهو يرفع يديها لآعلى بستسلام
— مش عايز أموت صغير.
ضحك قاسم وهو يقترب منهم :
— قلتلك… هي لأ.
تمتم حمزه
— انت قولت هي لأ ماقولتش خط أحمر يازفت
.كان قاسم، يضحك بثقة، يقف خلفهما.
اقترب وجلس على كرسي القهوة المجاور لمالك، قال بجديةٍ ممزوجة بمزاح:
— قولت أجيلك نخلص شغلنا هنا… مادام إنت مش فاضي تتحرك من تحت الشباك.
ضحك حمزة وهو يغمز لقاسم:
— بذمتك مش تتمنى تبقى مكانها؟
شارك قاسم الضحك، ثم قال بصراحة:
—بصراحة لأ… الواحد يتمنى يبقى مكانه.
لم يُكمل جملته…
إذ دفع مالك الكرسي بقدمه بقوة، فانقلب قاسم على ظهره وسط ضحك حمزة العالي.
وفي تلك اللحظة…
كان محمود يتقدم منهم، شاهد المشهد، ولم يتمالك نفسه من الضحك.
ضحكته خرجت عفوية، صافية، كأنها انتزعت من صدره ثِقلًا كان جاثمًا عليه.
رفع حمزة حاجبه بدهشة:
— إيه ده؟ الضحك ده منور يا حوده.
ابتسم محمود بهدوء، وقال:
— وحشني الهبل ده.
وفي اللحظة نفسها…
عاد التيار الكهربائي، أضاء المكان من حولهم.
تنهد مالك بعمق، ثم قال:
— يلا… نقعد جوه بدل ما الحارة كلها تتفرج علينا.
داخل القهوة…
جلسوا الأربعة حول طاولة واحدة.
قاسم وحمزة انشغلا بالحديث في العمل، أوراق، أرقام، ومواعيد.
أما محمود…
فكان شاردًا بعض الشيء، عيناه تهربان من الضحك، وكأنه يخشى أن يسمح لنفسه بالفرح.
مالك كان يشاركهم الحديث، يجيب، يعلّق…
لكن عينيه لم تبتعدا لحظة عن تلك الشرفة.
قاطعه حمزة فجأة، موجّهًا كلامه لمحمود:
— صحيح يا حوده، أنا خلّصتلك موضوع الأرض اللي جنب البيت.
انتبه مالك فورًا، ضيّق عينيه:
— أرض إيه؟
ابتسم محمود ابتسامة هادئة، وقال:
— طلبت من حمزة يخلص ورقها… ناوي أبني عليها مسجد.
وأشار إلى قطعة أرضٍ خالية في طرف الحارة.
— صدقة جارية على روح بابا… وجزء اعتذار ليه.
ابتسم مالك بتقدير، قال بهدوء:
— حابب أشاركك لو معندكش مانع… صدقة عن عمي رحيم برضه.
غمز حمزة لقاسم كأن قاسم مالك
يوجه له الكلام :
— وطبعًا إنت يا قاسم، صدقة شكر إنه جبها على الحياة.
ضحك قاسم عاليًا، ثواني…
ثم سكت حين رمقه مالك بنظرةٍ قاتلة.
قال لحمزة بإرتباك:
— دمك سم.
رد قاسم وهو يضحك بسذاجه لمالك :
— بقوله كده دايمًا… مش راضي يقتنع.
ضحك محمود مرة أخرى، ضحكة خفيفة، صادقة…
وفي تلك اللحظة، شعر
{ أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تمنحه فرصة.}
صباحُ يومٍ جديد…
أشرقت الشمس بخجل،
كأنها لا تريد أن توقظ الوجع دفعةً واحدة.
استفاقت مكّة ببطء، توضّأت، صلّت، ثم وقفت أمام المرآة.
بدت أنحف قليلًا…
لكن في عينيها صمودٌ عنيد.
ارتدت فستانًا واسعًا بلونٍ عاجيّ هادئ، ينساب حولها بنعومة، لا يلفت الانتباه بقدر ما يمنح الطمأنينة.
لفّت خمارها الأخضر الزيتوني بإتقان، تركته ينسدل على كتفيها، يحيط وجهها برفقٍ يُشبه احتياجها.
لم تضع إلا كحلًا خفيفًا، ومرطّب شفاهٍ شفاف.
كانت جميلة… جمالًا صامتًا، يشبه الدعاء.
خرجت من البيت.
كان مالك ينتظر في الأسفل، مستندًا إلى سيارته، يرتدي بدلته الرسميه ورائحه عطره يحملها الهواء حوله يرسلها لكل الماره،
يحمل كوب قهوته ،
عيونه ما إن وقعت عليها حتى ابتسم.
اقترب منها بهدوء:
— صباح الخير.
— صباح النور.
فتح باب السيارة وهو يشير لها:

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية مصطفى وسما - عشق المصطفى الفصل الاول 1 بقلم منمن

 

— اركبي… أوصّلك.
توقّفت مكّة مكانها، هزّت رأسها بقوة:
— لأ… مش هركب.
نظر لها بدهشة خفيفة:
— ليه؟
— كده… أنا مش محتاجة.
اقترب خطوة، صوته هادئ:
— مكّة، أنا بس هوصّلك، من غير أي حاجة.
تراجعت خطوة، نبرتها حاسمة:
— قولت لأ يا مالك… متضغطش عليا.
توقف.
لم يُجادل.
لم يُلح.
اكتفى بهزة رأس خفيفة:
— تمام.
تحركت مبتعدة.
ثوانٍ…
وانقلب الهدوء.
كلمة وقحة خرجت من فم أحد الواقفين في الشارع، نظرة ثقيلة سقطت عليها بلا رحمة.
تجمّد جسدها.تجمّد قلب مكّة.
لم تتكلم…
لكن كتفيها انكمشا لا إراديًا.
في أقل من ثانية…
كان مالك قد تحرك
وقف بينها وبينهم.
ظهره لها، وجهه للعالم.
لم يرفع صوته، لم يلمسه؛ لم يصنع مشهدًا فجًّا.
اكتفى بأن نظر للرجل نظرة واحدة…
نظرة رجل يعرف قدر نفسه وقدر من يقف لأجلها.
قال بصوتٍ ثابت، منخفض، لكنه قاطع:
— عينك قبل لسانك… وإلا الاتنين هيتكسّروا.
صوته خرج منخفضًا، ثابتًا:
تراجع الشاب سريعاً هرول بالفعل قد هرول لم يبقى ل فنتوثانيه،
لم ينظر مالك لمكّة مباشرة.
لم يُشعرها بأنها ضعيفة.
انتظر حتى استقامت أنفاسها.
ثم اقترب منها بهدوء، نبرته دافئة:
— إنتِ كويسة؟
هزّت رأسها دون كلام.
أشار بيده نحو سيارته، ابتسامة جانبية وغمزة خفيفة بعينه، وقال بنبرة رومانسية ممزوجة بمزاحٍ حنون حتي لا يشعرها بأي حزن أو يظهر غضبه أمامها:
— اركبي بقى… بدل ما الحارة تتقلب قاعة مصارعة بسببك دلوقت.
ابتسمت رغماً عنها.
وللمرة الأولى…
مدّت يدها نحو الأمان دون خوف.
داخل السيارة…
ساد صمتٌ خفيف، لا يزعج، لكنه مُحمَّل بما لا يُقال.
كانت مكّة تجلس جواره، تنظر إلى الفراغ أمامها، تفرك يديها بقلقٍ واضح، أصابعها تتشابك ثم تنفصل بلا وعي.
تنفّست بعمق، ثم همست بصوتٍ خجول:
— شكرًا.
التقط مالك صوتها من المرآة الأمامية، لم يلتفت، اكتفى بنظرة جانبية انعكست في الزجاج.
ابتسم، وقال بلطفٍ ممزوج بمزاحٍ خفيف:
— وعلى رأي عمرو جابر…
ثم أشار بيده أمامه وهو يقود:
— وشاور بس على اللي يضايقك،
ده أنا أخرّب بيت اللي يخليك تتنرفز.
ثم فجأة، رفع صوته قليلًا، بنبرة تمثيلية مبالغ فيها:
— الله! الراجل ده عليه حُكم… عليه حُكم!
لم تقصد…
لكن ضحكة صغيرة انفلتت منها، ضحكة دافئة، مختلطة بدهشة، وبقلبٍ يفرّ بلا مقاومة أمام حبّه الطاغي.
التفت مالك هذه المرة، لمح ابتسامتها، ولم يقل شيئًا…
اكتفى بأن ابتسم هو الآخر، وعاد للطريق،
وقد شعر أن الرحلة صارت أخف…
لمجرّد أنه سمع ضحكتها.
أمام المستشفى…
توقّفت السيارة أمام المبنى الضخم، واجهته الزجاجية تعكس ضوء الصباح، وحركة لا تهدأ؛ سيارات إسعاف، ممرضون يهرولون، أطباء بملامح متعبة لكن ثابتة.
وضعت مكّة يدها على مقبض الباب، لكنها توقّفت قبل أن تفتحه.
التفت إليها مالك.
كانت ملامحه هادئة، صلبة، صوته خرج منخفضًا، عميقًا، كأنه وعد:
— خُدي نفس …..مش هسيبك
مكه بالم
—كل الحصل كان قدرنا والقدر فرقنا يامالك
غمز لها …..متلاشي كلامها
— فعلاً قدر ..بس ده كان قدري الأجمل
.التقت عيناها بعينيه.
شعرت بشيءٍ يستقيم داخلها، شيءٍ يشبه الثبات.
في لحظةٍ واحدة، نزل مالك بسرعة، دار حول السيارة، فتح لها الباب بنفسه، ومدّ يده دون أن يلمسها،
نزلت.
وفي تلك الثانية…
شعرت مكّة بأنها ليست وحدها.
أن هناك من يقف بينها وبين أي سقوط.
داخل المستشفى…
ابتلعها المكان بحركته الدائمة.
أرضيات لامعة، رائحة مطهّرات حادّة، أصوات أجهزة، نداءات متلاحقة، أسرّة تُدفع، وأقدام لا تتوقّف عن الركض.
كان كل شيء حيًّا…
إلا قلبها الذي يخفق بعنف.
خطت ، تشعر بثقل الخطوه
وصلت إلى المصعد.
ضغطت الزر بيدٍ مرتجفة.
وحين فُتح الباب…
اندفعت إلى الطابق المنشود.
في الممر…
وقبل أن تصلا…
جرت نحوهما ممرضة، وجهها يشرق بابتسامة عريضة، نبرة صوتها مفعمة بالفرح:
— امّك فاقت يا دكتورة!
توقّف الزمن.
— كانت محتاجة دم، ولقينا متبرّع ليها.
— والدكتور سهر الليل كله على حالتها، ما سبهاش لحظة لحد ما فاقت.
انفجرت الدموع من عيني مكه، ضحكت وبكت في آنٍ واحد، كأن الطبول تُقرع في قلبها من شدة الفرح:
— الحمدلله… الحمدلله… ربنا يباركلك، ربنا يفرّحك زي ما فرّحتيني.
لم تنتظر أكثر.

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية أسيرة ظنونه - عاصم وفجر الفصل الحادي عشر 11 بقلم إيمي نور

 

هرولت مسرعة نحو الغرفة.
أما مكّة…
فكانت قد بدأت تتحرّك خلفها.
أمام باب الغرفة…
مدّت يدها.
فتحت الباب.
وتجمّدت.
تسمّرت في مكانها.
تلاشى اللون من وجهها.
وهرب الدم من عروقها دفعةً واحدة.
الرعب…
اجتاحها كاملًا.

 

لو عاوز تقرأ الفصول الجديدة من الرواية دي بشكل حصري قبل صدورها وتشوف الروايات الجديدة وتطلبها

انضم لينا على الفيس بوك (من هنا)

و

أنضم لقناتنا على تليجرام (من هنا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *