رواية قدري الأجمل الفصل الحادي عشر 11 بقلم ندا الهلالي
رواية قدري الأجمل الفصل الحادي عشر 11 بقلم ندا الهلالي
البارت الحادي عشر
كانت ساحة الجامعة تعجّ بالحركة، ضحكات متناثرة، خطوات متلاحقة، وأصوات تختلط بلا معنى…
إلا عند مكّة.
كانت تمشي وكأن العالم كله بعيد، حقيبتها معلّقة على كتفها، ونظرتها ثابتة للأمام، تحاول إقناع نفسها أن هذا اليوم لا يختلف عن سابقه.
لكنها اصطدمت به.
ارتطام خفيف…
كفيل بأن يزلزلها من الداخل.
رفعت عينيها ببطء،
لتقع نظرتها على مالك.
تجمّد الزمن للحظة.
هو واقف أمامها، نفس الملامح، نفس النظرة التي تحفظها عن ظهر قلب، لكن بعينين مشتعلتين لا تعرف الهدوء.
— إزاي؟
قالها بصوت منخفض لكنه كان يضرب بقوة.
— إزاي عرفتي تتجوزي؟
اقترب خطوة، وصوته بدأ يهتز رغم محاولته السيطرة عليه:
— وإزاي تخطّيتي؟ وليه… ليه تعملي فيَّ كده؟
مكّة شدّت كتفيها للخلف، ورفعت ذقنها قليلًا، ملامحها باردة، جامدة… مصطنعة.
— إنت بتتكلم عن إيه؟
قالتها وكأن وجوده لا يعني شيئًا.
— لو سمحت، أنا مستعجلة.
لكن عينيها كانت تفضحها.
ارتباك خفيف، رمشة أسرع من اللازم، وأنفاس لم تنتظم كما تدّعي.
مالك لاحظ.
دائمًا كان يلاحظ.
ابتسم ابتسامة موجوعة، ومد إيده يمسك معصمها:
— بصّي في عيني وقولي إنك نسيتي.
وقبل أن تنطق…
— مكّة.
صوت هادئ، لكنه حاضر بقوة.
ظهر تميم من خلفها، اقترب منها بخطوة واحدة، ثم ضمّها إليه دون تردد، وكأن المشهد لا يحتمل تفسيرًا.
يدُه استقرّت على كتفها بحماية واضحة، وصوته خرج ثابتًا:
— اتأخرتِ عليّا.
عروق رقبة مالك برزت فجأة، فكه اشتدّ، وعينيه اشتعلوا بنار غيرة عمياء.
دفع تميم بكتفه بعنف:
— إبعد عنها!
لم يتراجع تميم.
ردّ اللكمة بواحدة أقسى، لتشتعل الساحة فجأة بمشاجرة لم يتوقّعها أحد.
لكمات… صراخ… تجمّع طلاب.
— بس!
صوت مكّة خرج ضعيفًا، مرتجفًا.
تراجعت خطوة… ثم خطوة…
والدنيا لفت بيها.
لاحظ تميم تغيّر ملامحها في لحظة، ترك مالك فورًا، واندفع ناحيتها قبل أن تسقط.
التقطها بين ذراعيه وهي فاقدة للوعي، صوته خرج مذعورًا:
— مكّة! مكّة فوقي!
مالك وقف مكانه، أنفاسه لاهثة، ينظر للمشهد وكأن حد انتزع قلبه قدّامه.
لم ينتظر تميم.
حملها بسرعة واتجه نحو سيارته، والجامعة كلها تشهد بداية حرب لم تنتهِ بعد…
ـــــــــ&ـــــــــ-ـــــــ&&ــــــــــــ&ـــــ
عاد مالك إلى الفيلا بخطوات ثقيلة،
أغلق الباب خلفه بعنف مكتوم، واستند عليه للحظة، وأنفاسه متلاحقة، وعيناه تلمعان بدموع رفضت السقوط.
مستحيل.
مستحيل يتنازل عنها…
مستحيل تكون مكّة عملت كده بسهولة.
كان عقله يرفض الفكرة كما يرفض جسده الألم.
كلما تذكّر صورة تميم وهو يحملها بين ذراعيه، شعر بأن رأسه سينفجر، أفكاره تهرب، تتبعثر، لا تعرف طريقًا للهدوء.
استقام أخيرًا، واتجه نحو السلم ليصعد إلى غرفته…
فتجمّد مكانه.
مها كانت جالسة على الأريكة.
ظهرها منحنٍ قليلًا، يداها متشابكتان بتوتر، وملامحها مرهقة، شاحبة، كأنها لم تنم منذ أيام.
اقترب منها بخطوات ثابتة، باردة،
رفعت رأسها بصعوبة، وصوتها خرج منهكًا:
— طلقني يا مالك.
ابتسم…
ابتسامة استهزاء موجعة.
— طلاق إيه اللي عايزاني أطلقك منه؟
ضحك ضحكة قصيرة خالية من الفرح:
— إحنا جوازنا باطل أصلًا… حتى المأذون كان باطل.
ثم انفجر ضاحكًا بهستيريا، وهو يضرب كفًا بكف:
— ولا تكوني فاكرة إني مش فاهمك من يوم ما اعترفت بحب مكّة قصّاد الكل؟
شهقت مها من الصدمة، عيناها اتسعتا، وكأن الاتهام سحب الهواء من رئتيها.
— أنا كنت بحمي محمود من أبوكي…
قالها مالك بصوت حاد، ثابت:
— دي الحقيقة الوحيدة. علشان كده عملت كل ده… بس ماكنتش بحمي مكّة منك.
اقترب منها ببطء…
كالثعلب قبل الانقضاض.
— علشان اللي يفكّر… مجرد يفكّر… يمس مكّة،
مال بجذعه قليلًا، وصوته خرج مخيفًا:
— أنا همحيه.
أشارت مها إلى نفسها بارتباك، وشفتيها ترتجفان:
— ق… ق… قصدك إيه؟
ردّ ببرود قاطع، لا يقبل نقاشًا:
— قصدي واضح أوووي… أوووي.
كل اللي حصل ده كان من لعبك إنتِ.
آه، ماكنتيش قاصدة اللي حصل مع محمود،
بس قاصدة اللي حصل معايا.
وإلا كنتِ قلتي: مش عارفة مين اللي عمل كده فيّا وخلاص.
انهارت دموع مها كالشلالات، وصوتها خرج مكسورًا:
— كفاية ظلم بقى… كان هيموتني!
صرخ فيها بغضب أعمى، صوته دوّى في أرجاء الفيلا:
— إنتِ اللي كفاية تضحكي على نفسك!
فوقي بقى!
استدار وتركها غارقة في دوّامة واحدة…
سؤال واحد يطاردها بلا رحمة:
هل كانت فعلًا تقصد كل ما حدث؟
ــــــــــــ&ـــــــــــــــــ&ـــــــــــــــ
كان الليل ساكنًا على غير عادته،
وغرفة النوم يغمرها نور خافت يتسلّل من مصباح صغير جوار السرير.
رحيم كان ممدّدًا فوق الفراش، جسده ساكن، أنفاسه متقطّعة، وملامحه تحمل آثار تعب سنين طويلة.
بجواره جلست فاطمة، ثابتة كالدعاء، تمسك المصحف بين يديها، تقرأ بصوتٍ منخفض لا يكاد يُسمع،
وكأن كل آية تخرج من قلبها قبل لسانها.
وضعت كفّها برفق فوق كفّه،
لم تشدّ… لم تضغط…
فقط لمسة أمان.
كانت تقرأ عن التوبة…
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾
[سورة الشورى: 25]
عن بابٍ لا يُغلق،
وعن ربٍّ يقبل من عباده الرجوع مهما أثقلهم الذنب،
ربٍّ يفرح بعودة عبده أكثر مما يفرح العطشان بقطرة ماء.
تحرّكت أنامل رحيم قليلًا…
ثم فتح عينيه بصعوبة، نظر إليها طويلًا، وكأنها أوّل ما يراه في حياته.
— فاطمة…
صوته خرج مبحوحًا، متكسّرًا.
اقتربت منه فورًا، أغلقت المصحف بهدوء، وعيناها معلّقتان بوجهه.
— شكرًا…
قالها بعد جهد،
— شكرًا إنك استحملتيني… وتقبلتيني…
وغمض عينيه لحظة، كأنه يجمع قوّته:
— وغفرِتِ لي اللي عملته زمان…
أنا من غيرك كنت ضعت من زمان… ضعت بجد.
انسابت دمعة صامتة من عينيه، فتح عينيه مرة أخرى، بنبرة وجع صادق:
— بس…
تنفّس بعمق،
— بس شكلّي لسه ما كفّرتش عن ذنبي يا فاطمة.
في حركة سريعة حنونة، رفعت يدها،
وضعت أناملها على شفتيه،
أوقفته عن الكلام.
— متقولش كده…
قالتها بصوت دافئ مطمئن:
— مافيش إنسان ملاك يا رحيم… كلنا بنغلط.
إنت توبت لربنا، وعملت اللي يرضي الله، وما قصّرتش يوم.
ويشهد ربنا…
سحبت يدها قليلًا، ونظرت في عينيه بثبات:
— إني مسمحاك، ومش شايلة في قلبي ليك غير كل حب… وبس.
تنهد رحيم عالياً ـ يارب مكه تسامحني يافاطمه
نظرت إليه بآلم – مكه بنتك وبتحبك وهي مقدره انت بتحبها قد إيه —–
———&———&&———
فتحت مكّة عينيها فجأة…
وقامت من مكانها دفعة واحدة،
زي حد كان ماشي في طريق هادي وفجأة لقى عربية طالعة عليه من العدم.
لهث صدرها، وعينيها دارت في الأوضة،
ولما استوعبت إنها في القصر، وقعت نظرتها على تميم
قاعد جنبها… قريب زيادة عن اللزوم.
صوتها خرج مرتعشًا، مليان خوف:
— مالك… عملت إيه في مالك يا تميم؟
من غير ما يحس، نار غريبة ولعت جواه.
غيرة مفاجئة، حادة، هو نفسه مش فاهم سببها.
قام واقف مرة واحدة،
ومسك كتفيها بقوة، صوته خرج غاضبًا:
— مالك مين يا روح أمك؟
شدّ قبضته أكتر:
— مالك وماله؟ ومالك خايفة عليه قوي كده ليه؟
رفعت مكّة عينيها فيه، نار الغضب بتلمع فيها:
— إنت نسيت نفسك ولا إيه؟
— إنت بتساعدني أنتقم وبس… ماتنساش ده!
الغضب اشتعل أكتر في عينيه،
وهزّها بعنف من غير ما يحس بنفسه:
— وأنتِ ما تنسيش نفسك!
صوته بقى أعلى:
— أنا جوزك، وإنتِ على عصمتي!
انتقام بقى مش انتقام…
— إنتِ على اسمي، ويا ريت متنسيش ده!
وفي لحظة فقد فيها السيطرة،
دفعها بعيد عنه.
سقطت على الأرض،
وبصّتله بذهول… صدمة خالصة،
وهو واقف لحظة، كأنه مصدوم من نفسه،
وبعدين لفّ وخرج من الأوضة بعنف.
ثواني معدودة…
والباب اتفتح.
— مكّة!
دخلت هالة بفزع،
عينها جابت المشهد كله في ثانية.
جريت عليها، سندتها، وقعدتها على السرير،
وشدّتها في حضنها بحنان أمّ.
— يا حبيبتي… إيه اللي حصل؟
قالتها وهي بتمسح على شعرها:
— خناقة؟
هتلاقيها خناقة وعدّت… ما فيش بيت من غير صوت عالي شوية.
مكّة كانت ساكتة…
عينها ثابتة في الفراغ،
روحها في حتة تانية خالص.
هالة كملت بنبرة هادية دافية:
— اسمعي مني يا بنتي…
الجواز مش دايمًا وردي،
فيه شدّ وجذب، فيه كلمة تطلع زيادة،
وفيه عصبية بتعدّي.
رفعت وشها لمكّة بابتسامة مطمئنة:
— الراجل ساعات يغلط،
والست الشاطرة هي اللي تعرف تحتوي،
وتعدّي المركب من غير ما تكسرها.
لكن مكّة ما ردّتش.
حضن هالة كان دافي…
بس قلبها كان بيرتعش.
تميم؟
عمرها ما شافته كده.
ولا الصوت ده…
ولا الإيد اللي زقّتها.
ــــــــــــ&&ـــــــــــــــــ&&ـــــــ
جلس مالك في شرفة الفيلا،
الليل فرد عباءته بهدوء مهيب،
والسماء صافية كأنها مغسولة للتو،
نجوم متناثرة بخجل،
والقمر في المنتصف… كاملًا، يزيّن العتمة كجوهرة معلّقة في صدر السماء.
كان ينظر إليه بشرود،
وكأن القمر يعرفها…
وكأنه الشاهد الوحيد على وجعه.
همس بصوتٍ واهن،
يستدعي كلماتٍ قالها قيس يومًا لفراق ليلاه:
أمُرُّ على الديارِ ديارِ ليلى
أُقَبِّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حبُّ الديارِ شغفنَ قلبي
ولكن حبُّ من سكنَ الديارا
انسلت دمعة من عينيه دون إذن،
لم يحاول مسحها،
تبعها غيرها…
كأن القمر كشف كل ما كان يخفيه.
داخل صدره اشتبكت مشاعر لا تُحتمل:
خوف… قلق… اشتياق يحرق،
غضب أعمى،
وغيرة تنهش روحه بلا رحمة.
مدّ يده المرتجفة، أمسك هاتفه،
فتح صورها…
مكّة كما كانت،
ضحكتها الهادئة، ملامحها الطاهرة،
كأنها ملاك هبط خطأً إلى أرض لا ترحم.
ابتسم بمرارة، وتمتم بصدقٍ موجوع:
— طلع من إيه داهية الدكتور ده؟
ورايحه تتجوزيه؟
هتجنّنيني يا بنت رحيم.
ثم اشتد صوته، وانعقد فكه، وعينيه لمع فيهما قسم خطير:
— بس لو فاكرة إني مش هدفعِك تمن اللي عملتيه، تبقي غلطانة.
وقف، وأسند يديه على السور، ونظر للقمر مرة أخيرة:
— لما ترجعي لحضني الأول…
سكت لحظة،
— وده وعد.
الليل ظل صامتًا…
لكن القمر شهد على وعد قد يقلب كل شيء.
ــــــــــــ&&ـــــــــــــــــ&&ـــــــ
وقفت مكّة على الشرفة، مستندة على الدرابزين،
عينها شاخصة نحو القمر، شارده لا تفهم شيئًا،
كأن العالم كله توقف عند هذه اللحظة، والنسيم يلمس شعرها بهدوء.
وفجأة، صوت جي من أسفل الشرفة فاجأها، رفعت رأسها، فتحت فمها بصدمه:
في الأسفل كان تميم واقف في منتصف قلب مرسوم على الأرض، مرسوم بالنار،
يحتوي على كل مشاعره، الغيرة، الحب، والغضب… كل شيء بداخله متوهج.
يحمل بين يديه بوكيه ورد، وصوته يعلو بأقصى ما عنده:
— أنا آسف… كان بينقطع لساني قبل ما أزعلك!
مكّة ما زالت مصدومة، همست:
— ده… مجنون رسمي!
كأنه سمع همسها، صرخ فجأة:
— شوية… مش كتير!
وفجأة، السماء فوقهم تحولت إلى لوحة نارية ساحرة،
القمر كامل يسطع، النجوم تومض حولهم، والنسيم يلمس شعرها…
كل شيء حولهم أصبح رومانسية ساحرة وكأنهم في حلم.
تميم مد يده نحوها، ومعه علبة قطيفة حمراء صغيرة،
تلمع فيها سلسلة ألماس رقيقة تتلألأ تحت ضوء القمر، تصميمها ناعم وراقي، وكأنها صنعت خصيصًا لها.
ابتسم وهو ينظر إليها، بنبرة دعابة:
— أنا هفضل على الوضع ده كتير… انزلي بقى، خلي عندك دم!
ضحكت مكّة بصوت عالي، مثل طفلة، وبدون تردد انطلقت نحو الأسفل، فرحة جدًا، كأن والدها حضّر لها لعبة لأول مرة.
وفجأة ظهر سامر، دخل المشهد وضحكته تسبق كلامه:
— إيه ده؟ تميم بيخوني… آه قلبي؟
ثم آكمل بعدم إستيعاب
ده فيلم ولا إيه؟
وابتسم آسر من الخلف، صفّر بمشاكسه، كأنهم كلهم في لعبة، وكل لحظة فيها مفاجأة.
وسط الضحك والمزاح، دخل الجميع القصر
مكّة كانت ، ترتدي حجابها، عينيها لامعة بدهشة وفرحة، ووجهها يعكس كل مشاعر الصدمة والفرحة، جسدها مرتجف قليلًا من مفاجأة اللحظة.
وفجأة، تميم لم يكتفِ بالمشي بجانبها…
رفعها بين ذراعيه، يحملها بكل حنان وثقة، ومشى بها عبر الحديقة، وسط الجميع، كما لو أنها أغلى ما يملك.
الكل تجمد للحظة، صدمة ودهشة على وجوههم.
مكّة شهقت بصوت منخفض، ابتسامة مختلطة بالخوف والدهشة ارتسمت على وجهها، وعيونها تتلألأ في ضوء القمر.
كأن صوته يقول:
— متقلقيش… أنا هاحميكي… ومافيش حد يقرب منك.
في الخلف، سامر استند على آسر بتمثيل للصدمة:
— شيلني يا آسر… ده تميم واخد كل المشهد!
ضحك الجميع، والمزاح والدهشة يملأهم
مكّة ضحكت كطفلة، بعين ستموت من الخجل، ويدها ممسكة بحذر بكتف تميم، وكل شيء حولها أصبح مليئًا بالدفء والسحر.
دلوقت اخيرا ليلتفوا حول السفره
الليلة كلها كانت مليئة بالضحك والمفاجآت والحب…
القصر تحول لعالم صغير خاص بهم، حيث الدفء والسعادة يسيطران على كل لحظة.
همسات هاله -من زمان ماشوفتكش مبسوط كده ياتميم ؟!
في حين كانت فايزه تدعوا الله آن يحفظ لها حفيدها من شر نفسه وعقله
ــــــــــــ&&ـــــــــــــــــ&&ـــــــ
في المساء الساعه واحده في منتصف الليل 🫶
في غرفة تميم
، كان تميم نايم على الكنبة بهدوء، متناغم مع الليل،
ومكّة لا تزال نائمة على السرير، قلبها مضطرب وعينيها نصف مفتوحة.
شعرت بالملل والقلق، قامت تتحرك بخطوات هادئة في الغرفة،
ثم فتحت الباب ونزلت إلى المطبخ، حيث الضوء الخافت يملأ المكان.
تفاجأت بـ الدادة واقفة تنظف الطبخ بهدوء وحب، يديها تتحركان بعناية، وابتسامتها الدافئة تملأ المكان دفئًا.
تقدمت مكّة بخجل، وعيونها الواسعة مليئة بالفضول، وقالت:
— اسمك إيه يا ست الدادة؟
ابتسمت الدادة بحنان، وأجابت:
— صابرين يا حبيبتي.
جلست مكّة بجانبها على الطاولة، وأحضرت لها الدادة كوب شاي دافئ، وجلستا يشربانه معًا، لحظات هدوء وحنان بعد ليلة طويلة مليئة بالتوتر.
ثم بدأت الدادة تتحدث عن أوبسيدين بصوت مليء بالحنان:
— أنتي شبه أوبسيدين جدًا… كانت ملاك، طيبة جدًا وحنينة، كل القصر كان بيحبها… كانت صغيرة وعفوية، قلبها مليان حب لكل حد حواليها…
كانت بتعامل الكل بمحبة واحترام، حتى خدام القصر كانوا بيحبوها…
كانت شخصية نادرة، كأنها الضوء اللي بيدفي كل قلب حوالينها…
مكّة نظرت إليها بدهشة وفضول:
— أوبسيدين؟ ماتت ازاي؟
أجابت الدادة بصوت حزين:
— ماتت بطريقة غريبة جدًا… ماتت هي والدكتور حسام ابو الدكتور تميم … ماتوا في نفس اليوم.
شهقت مكّة، عيونها اتسعت، قلبها كاد يتوقف:
— هما ماتوا مع بعض؟!
هزّت الدادة رأسها بأسف، وأضافت بحب وحنان:
— كانت ست طيبة وحنينة… وماحسستش الدكتور تميم بأي نقص… ولا حسسته بوفاة الست أُولفت، الله يرحمها.
قفزت مكّة من مكانها، الصدمة اجتاحت عقلها بالكامل:
— مين آولفت؟!
ابتسمت الدادة بحزن، وصوتها خافت:
— الست أُولفت… أم الدكتور تميم.
الصدمة اجتاحت مكّة بالكامل:
قلبها دق بسرعة، عقلها يحاول استيعاب كل شيء دفعة واحدة،
عيونها اتسعت، فمها مفتوح قليلًا،
كل المشاعر اختلطت وشلت تماماً
وهي تقول بصوت بالكاد يسمع ـأمه؟؟؟؟!
ويتبع ….
(قدري الآجمل
- لقراءة باقي فصول الرواية أضغط على (رواية قدري الأجمل)