رواية قدري الأجمل الفصل الثالث 3 بقلم ندا الهلالي
رواية قدري الأجمل الفصل الثالث 3 بقلم ندا الهلالي
البارت الثالث
{هل قال: حامل؟!}هل هذا كابوس أم واقع؟
وكيف عليه أن يستيقظ من هذا الكابوس، بعد كل هذا الحب الذي كان يحمله لها في قلبه؟
نظر محمود إلى مالك، الذي لم يكن يهتم سوى لكلمات الطبيب، التي خرجت بأسفٍ شديد.
قال الطبيب بصوتٍ منخفض، حاسم لا يحتمل الجدل:
— فقدان الذاكرة ده نتيجة مباشرة للحادثة. المخ اتعرّض لصدمة عنيفة، ومعاها قرر يحجب جزء من الذكريات كوسيلة حماية… مش كعُطل.
دي حالة اسمها إصابة دماغية رضّية
(Traumatic Brain Injury – TBI)
ابتلع محمود ريقه، بينما تابع الطبيب:
— أي محاولة إنكم تفكّروها بالماضي هتكون أذى ليها، مش مساعدة. الضغط ممكن يسبب انتكاسة عصبية أو يدفن اللي باقي من الذاكرة أكتر.
الذكريات لو ليها طريق ترجع… هترجع لوحدها، وعلى مهل.
ساد الصمت.
أنزل مالك عينيه، وكأن الكلمات سحبت منه آخر خيط أمل كان متشبثًا به.
لم يكن النسيان هو الخطر الحقيقي…
الخطر كان في محاولة إجبارها على التذكّر.
أما محمود، فلم يكن يفقه أي شيء، سوى صدمةٍ تلي الأخرى.
قال محمود بجمود:
— إيه الفترة اللي أختي نسيتها يا دكتور؟
— إجابة السؤال ده هنعرفها لما الآنسة مَكّه تفوق.
قال مالك بلهفة:
— أقدر أدخل يا دكتور؟
— أكيد طبعًا، حالتها مستقرة دلوقتي، بس ياريت ما ننساش اللي اتقال.
تركهم الطبيب في حيرتهم، وخرج.
لم تكد تمر لحظات حتى خرجت مهرولة، واتجهت إلى محمود تسأله بلهفة، ولسانها ينطق وقلبها يخفق برعب:
— محمود… مَكّه كويسة؟!
نظر إليها محمود من أعلى لأسفل باشمئزازٍ شديد، ولم يجب.
ابتلع مالك ريقه، وهو ينظر تارةً إلى محمود، وتارةً أخرى إلى تلك التي كان جسدها يرتعش من التعب والقلق.
تركهم محمود مهرولًا إلى غرفة أخته.
ما إن دخل حتى ابتسمت مَكّه باتساع، كانت تجلس نصف جلسة بصعوبة:
— محمود…
هرول نحوها وضمّها بشدة، وكأنه يكتم بكاءه، لكنه انهار دون قصد، وبكى كالطفل الصغير بين ضلوعها.
ضمّت حاجبيها محاولة تهدئته، وربتت على ظهره:
— اهدي، أنا كويسة. الدكتور قالّي إني عملت حادثة وبقيت تمام الحمد لله… زي القِردة أهو!
لم يعلم محمود، هل يبكي من شدة سعادته بنجاة أخته، أم من ألمه بعد سماع خبر حمل مها.
وقبل أن ينطق بحرف، دلفت مها كالمجنونة.
وجهها شاحب، وعيناها غارقتان من بكاء ليلةٍ كانت ستفقد فيها روحها.
هرولت نحو مَكّه، وبكت بهستيريا وصوتٍ عالٍ:
— آه… كنت هموت يا مَكّه!
أبعدتها قليلًا، وأخذت تتحسسها بقلق:
— إنتِ كويسة؟ مفيش حاجة وجعاكي؟ صح؟
ابتسمت مَكّه بمزاح:
— يا عيني والله… قِردة.
وما إن حاولت التحرك حتى تأوهت:
— أي قِردة مكسّحة بس… قِردة برضه.
ابتسم الجميع…
إلا هي.
اصطدمت عيناها بذلك الذي يقف بعيدًا عند باب الغرفة، دموعه تهبط في صمت.
أراد عناقها، عناقًا يعلم أنه إن ناله، لن يقوى على الإفلات منها أبدًا.
ارتعش جسدها، وانتفض قلبها، لكنها ابتسمت باتساع:
— مالك… أحم… البشمهندس مالك بنفسه عندي؟
ابتسم مالك، وكاد يقترب، لكنها سبقته بصوتٍ مبحوح حاولت السيطرة عليه:
— إيه ده؟ إنت خطبت؟
تجمّد.
قال دون وعي، وبصوتٍ مرتفع:
— نعم يا أختي.
نظرت مها إلى مَكّه بصدمة:
— معقول نسيتي مالك؟
قاطع محمود سريعًا، متذكرًا تحذير الطبيب:
— نبقى نشوف الموضوع ده بعدين يا مَكّه، المهم إنك كويسة.
أغمضت مَكّه عينيها، وشعرت بدوارٍ مفاجئ.
أسرع محمود ومالك حين رأيا وجهها يشحب ويميل للاصفرار.
خرج مالك كالمجنون يبحث عن الطبيب.
جاء الطبيب مهرولًا، ممسكًا معصمها:
— نبضها عالي جدًا!
وأشار للممرضة التي جاءت بجهاز قياس الضغط.
قال الطبيب بصدمة:
— ضغطها عالي جدًا! إنتوا عملتوا إيه؟
أخرجهم سريعًا، وبدأ التعامل مع الحالة.
شردت مها بعيدًا… بعيدًا جدًا.
بينما شعر مالك بالذنب ينهش صدره.
قاطع الصمت صوت هرولة وبكاء هستيري:
— بنتي فين؟ مَكّه حصلها إيه؟!
أمسك محمود معصم أمه التي أوشكت على الانهيار:
— أختك فين يا محمود؟!
صرخت مها بانهيار:
— ده كله بسببي! ياريتها كانت سابتني أموت!
ارتعش جسد مالك، وخاف أن تدفعها حالتها للكلام بلا وعي، فشدّها إليه بقوة:
— بس يا مها، اهدي!
لكن محمود قال دون وعي:
— فعلًا… ياريتها.
أبعد مالك مها بعيدًا.
جلس محمود مع والديه، وقصّ عليهما ما حدث.
انهارت الأم، وجلست تبكي بحرقة:
— يا حبيبتي يا بنتي…
قال محمود بلطف:
— هروح أجيب عصير لماما يا بابا.
في الأسفل، داخل حديقة الجنينية، جلس مالك، وجلست مها بجواره تبكي بهستيريا.
لم يتكرر في عقل مالك سوى سؤالها:
إنت خطبت؟
هل هذا جزاء ما فعلاه بها؟
أن تنساه… وتنسى اعتراف حبه الذي ظل سنوات يحملُه بين ضلوع قلبه؟
فاق على صوتها:
— هنعمل إيه؟
رفع حاجبه ببرود:
— عايزة إيه؟
— ما تتجاهلنيش… أنا مراتك ومن حقي أفهم!
وقف بغضب:
— مش ده اللي إنتِ عاوزاه؟
أشارت إلى نفسها بصدمة:
— أنا؟ هو أنا اللي عملت كده؟
قاطعها بغضبٍ أعمى:
— إنتِ اللي وافقتي تخوني صاحبة عمرك!
نظرت للأرض بألمٍ يعصر قلبها.
قال بسخرية:
— مبروك يا مدام الهلالي على الحمل…
ولا هو من وقتها برضه؟
ابتلعت ريقها، وقبل أن تتكلم، سمعت صوتًا خلفها:
— مها.
وقفت كمن لُدغت بعقرب.
كانت والدة مَكّه، فتحت ذراعيها لها.
نظرت مها إلى مالك، ثم ألقت بنفسها بين ضلوعها.
— إنتِ مالكيش ذنب يا بنتي… مَكّه لو ماكنتش انقذت كانت هتبقى عايشة ميتة ومش هتسامح نفسها دي روحها فيكي
هبطت دموع مها، لا تعلم:
هل تعتذر عن خيانتها؟
أم عن شرودها الذي لم يترك لها فرصة لرؤية السيارة؟
بعد مرور أسبوع…
خرجت مَكّه أخيرًا من المستشفى، متعافية جسديًا…
لكن قلبها لم يشفَ.
كانت تشعر أن شيئًا كبيرًا انتُزع منها،
وأن أكثر شخص أحبّته… تركها وذهب لغيرها.
ما إن دخلت غرفتها حتى دارت فيها بسعادة:
— بيتنا وحشني قوي يا ماما.
قال أخوها بغمزة:
— نوّرتي بيتك يا ست الكل.
قال والدها مبتسمًا:
— البيت كان مضلم من غيرك.
دلفت مها، وتعانقتا:
— وحشتيني يا بت!
ساد الصمت عند صوت مالك من باب الغرفة:
— حمد الله على السلامة يا وتيني.
ابتسمت مَكّه ابتسامة متكلفة، وضمت كتف مها:
— أكيد تقصد مها يا باشا… إحنا أخوات بس ركّز بعد كده.
تجمّد الجميع.
ثم جاء صوت من الخلف:
— مَكّه نسيتي فرح مها؟ اللي كنتِ بترقصي فيه زي المجنونة؟
التفتت الأنظار بصدمة…
ويُتبع
- لقراءة باقي فصول الرواية أضغط على (رواية قدري الأجمل)