رواية عشق يحيى الفصل الحادي والعشرون 21 بقلم سلمى جاد
رواية عشق يحيى الفصل الحادي والعشرون 21 بقلم سلمى جاد
البارت الحادي والعشرون
لينا كانت قاعده على مكتبها، السكون بيحاوطها وتفكيرها كله مشتت. كانت بتبص للتصاميم اللي قدامها بملل، مش قادرة تركز في أي حاجة، وبالها كله مع ريان اللي مسافر ومش بيرد على رسايلها.
قطع حبل أفكارها دخول السكرتيرة وهي شايلة ملفات وحطتها قدامها: “شوفي التصاميم دي يا بشمهندسة لينا، محتاجة مراجعة سريعة.”
لينا ردت بفتور وهي لسه سرحانة: “حاضر.. هشوفها.”
السكرتيرة كملت كلامها وهي بتظبط ورقها: “تمام، وما تنسيش الميتنج اللي كمان ساعة.”
لينا استغربت وبصتلها بتساؤل: “ميتنج إيه؟ مش قالوا هيأجلوه لحد ما بشمهندس ريان يرجع من السفر؟”
السكرتيرة ابتسمت وقالت ببديهية: “ما هو بشمهندس ريان رجع فعلاً، ولسه واصل مكتبه من شوية.”
لينا عيونها اتفتحت بصدمة، وقلبها دق بسرعة لدرجة خلتها تحس إن الدنيا بتلف بيها. ريان رجع؟!، الجملة رنت في ودنها زي الجرس. من غير ما تفكر ولا ترد على السكرتيرة، قامت وقفت فجأة وخرجت من المكتب بلهفة، وسابت السكرتيرة واقفة مستغربة من رد فعلها المندفع.
مشيت في الطرقة وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها، وصلت قدام مكتبه ووقفت ثواني تاخد نفسها وبدأت تخبط دقات خفيفة ومرتعشة.
أول ما سمعت صوته اللي واحشها وهو بيقول “ادخل”، فتحت الباب ودخلت ببطء.
لقيته قاعد ورا مكتبه بكامل هيبته وكاريزمته اللي دايماً بتأسرها، كان لابس نضارة النظر اللي بيلبسها وقت الشغل، والي كانت بتزيده وسامة وجاذبية فوق وسامته.
لينا بصتله بشوق وقالت بصوت مهزوز: “ريان.. إزيك؟ أنت.. أنت رجعت إمتى؟”
ريان قلع النضارة ببطء، وبصلها بنظرة غامضة مفيهاش أي تعبير، ورد ببرود جمد الدم في عروقها: “أهلاً يا لينا.. لسه واصل من شوية.”
لينا بلعت غصة حزن من نبرة صوته الجافة، بس حاولت تتماسك وسألته تاني وهي بتقرب خطوة: “رجعت إمتى بالظبط؟ وليه مكلمتنيش؟”
ريان اتنهد وسند ضهره لورا وقال بجمود: “مش مهم رجعت إمتى يا لينا، المهم إن ورايا شغل كتير والميتنج قرب، ياريت تروحي تجهزي نفسك.”
لينا دموعها بدأت تلمع في عينيها وقالت بعتاب مكتوم: “شغل؟ ريان انت عارف أنا كلمتك كام مره ! على العموم أنا كنت عايزه أبلغك إن جدي وافق ومستني يقابلك عشان نكون مع بعض رسمي.. وكملت بانكسار :بس يعني لو غيرت رأيك ف أنا ..
أول ما نطقت ملامح ريان “اتبدلت 180 درجة. البرود والجمود اللي كان راسمهم اتمسحوا، وعيونه لمعت بذهول وفرحة مكنش قادر يداريها. قام وقف ببطء وخرج من ورا مكتبه وقرب منها وهو مش مصدق:
“إنتِ قلتي إيه؟ جدك وافق فعلاً يا لينا؟ يعني كلمتيه ووافق يقابلني؟”
لينا هزت راسها وهي بتمسح دمعة نزلت غصب عنها: “أيوه يا ريان، ووافق وقالي إنه هو اللي هيقف في وش الكل.. بس أنت رجعت ببرود وكسرت فرحتي.”
في ثانية كان ريان قدامها، مسك إيديها الاثنين بلهفة وبص في عيونها بحب واعتذار يدوّب: “حقك عليا يا قلب ريان! أنا كنت بمثل البرود عشان كنت موجوع من غيابي لوحدي، بس الخبر ده خلاني أطير من الفرحة!”
لينا ابتسمت من وسط دموعها، وريان ضغط على إيديها بحنان وكمل: “أنا أسف إني ضايقتك، بس أنتِ مش متخيلة الكلمة دي عملت فيا إيه.. يعني خلاص مفيش خوف تاني؟”
لينا ردت بثقة: “مفيش خوف طول ما جدي معايا وأنت جنبي.”
ريان ضحك بفرحة وهو بيقول: “ده أنا هروح أقابل جدك النهاردة لو تحبي! مكنتش مستني غير الإشارة دي يا لينا عشان أثبتلك إني عمري ما هكون غير السند ليكي.”
________________________________
كانت ضحى ماشية في المول بتنقي حاجات مع مامتها، وفجأة، الدنيا لفت بيها.. شافت زين.
لكن مكانش لوحده، كانت جنبه بنت، والمنظر مكنش محتاج تفسير؛ الانسجام اللي بينهم، وإيدها اللي ماسكة إيده بحميمية، كان بيقول “قصة تانية خالص”. زين أول ما شاف ضحى اتصدم، ملامحه اتخطفت والدم هرب من وشه، بس الغريبة إنه متحركش. لا سحب إيده، ولا حاول حتى يبرر بنظرة، وقف مكانه زي التمثال، ببرود كأنه بيغرز سكينة في قلبها بجحود .
الأم شافت المشهد وعرفت زين و بصت لضحى وقالت لها بصوت واطي بس يرن في الودن:
“شوفي يا بنتي اللي كنتي هتموتي نفسك عشانه.. أهو بان على أصله، وطلع ميستهلش ضفرك. الحمد لله إن عينينا اتفتحت، طلع عندي حق.. يلا بينا يا ضحى، مش هنقف نتفرج أكتر من كده يا بنتي ”
الأم سحبت ضحى من إيدها، وضحى مشيت معاها وهي مغيبة. مكنتش شايفة، عينيها كانت متعلقة بزين لآخر ثانية.. نظرة كلها حزن، ووجع، وكسرة نفس، كأنها بتودع آخر حتة كانت فاضلة له في قلبها، وهو واقف هناك زي ما هو، بيتفرج على انكسارها من غير ما ينطق حرف.
____________________________
في أوضتها في القصر، كانت عائشة قاعدة وسط كتبها، بس ذهنها كان في عالم تاني خالص. بصت لبعيد وسرحت، والدموع نزلت من عينيها غصب عنها وهي بتفتكر عمر.. بتفتكر قد إيه قلبها بيتعصر وهي بتعامله ببرود، وبتهرب من نظراته اللي بتخترقها، خايفة عينها تخونها وتكشف المستور.
هي اختارت الوجع ده بإيدها؛ قررت تبعده عنها وتكرهه فيها عشان تحميه من شر ميادة. كانت بتقول لنفسها: “لو بعد وهو كارهني أحسن ما يفضل جنبي ويتأذى بسببي”، وقررت إنها هتعيش اللي باقيلها على ذكريات الكام شهر الحلوين اللي عاشوهم سوا.
فجأة، قطع حبل أفكارها رنة موبايلها. شافت الاسم “عمر” منور الشاشة، قلبها دق بعنف كأنه هيطلع من ضلوعها. أخدت نفس عميق، وحاولت تصبغ صوتها ببرود ولا مبالاة مبالغ فيهم زي ما اتعودت الفترة اللي فاتت وقالت:
“أيوه يا عمر..”
رد عمر بنبرة جادة وقاطعة:
“عائشه جهزي نفسك، أنا قدامي عشر دقايق وأكون عندك بالعربية تحت القصر، تنزلي فوراً.”
عائشة اتوترت وردت بسرعة:
“ليه يا عمر؟ مش هينفع، إحنا رايحين فين أصلاً؟ أنا مش عايزة أخرج.”
هنا نبرة عمر اتغيرت وبقت فيها حدة مفرطة خلت جسمها يتنفض:
“عائشة، أنا مش هعيد كلامي تاني. عشر دقايق وأوصل، لو ملقيتكيش جاهزة، هطلع أخدك من جوه القصر وأخدك معايا أياً كان حالك إيه.. فاهمة؟”
وقفل السكة في وشها قبل ما تنطق. عائشة قامت مخضوضة، نبرته كانت غريبة وجادة بزيادة، وده خلاها تتحرك بسرعة البرق وهي محتارة يا ترى هو ناوي على إيه؟
بعد ربع ساعة، خرجت عائشة من بوابة القصر الكبيرة. كانت لابسة هودي لونه وردي رقيق، وسكيرت جينز فاتح، مع حجاب أبيض بين صفاء بشرتها، وشايلة شنطة بيضاء ولابسة كوتشي أبيض.. كانت زي الملاك الحزين.
شافت عمر واقف ساند ضهره على العربية، لابس جاكت جلد أسود وتحته تيشيرت أسود، وبنطلون جينز أسود. شعره الكثيف وملامحه الرجولية القوية خطفوا قلبها زي أول مرة شافته فيها. فتح لها باب العربية من غير ولا كلمة، ومردش عليها لما سألته بضعف: “في إيه يا عمر؟”.
اتحرك بالعربية وخرج من حدود القصر للطريق الرئيسي. الصمت كان هو سيد الموقف، وعائشة كانت بتبص من الشباك للسما المغيمة، والشوارع اللي بدأت تتزين بديكورات راس السنة والأنوار الصفراء الهادية. كانت بتحس بنسمات الهوا بتداعب وشها، بينما عمر كان بيخطف نظرات ليها من وقت للتاني، وعينيه مليانة كلام مبيخلصش.
بعد ساعة من السواقة، وصلوا لعمارة فخمة في حي راقي جداً. عمر ركن العربية ونزل فتح لها الباب ولسه ملتزم بالصمت القاتل ده. عائشة وقفت مكانها وقالت بعناد:
“عمر، أنا مش هتحرك من هنا ولا هطلع معاك في حتة غير لما تقولي إحنا فين.”
عمر بصلها ببرود وثبات وقال:
“إنتي كده كده طالعة يا عائشة.. فـ تطلعي على رجلك أحسن، ولا تحبي أشيلك بين إيدّيا والناس اللي طالعة ونازلة تتفرج علينا؟”
وكمل بجدية:
“على فكرة أنا جوزك، يعني مش واخدك شقة مفروشة عشان أستفرد بيكي … دي شقتي.. اخلصي.”
بصت له بزهق ونفخت، ومشيت وراه وهي مش فاهمة حاجة. ركبوا الأسانسير للدور التاسع، وعمر طلع مفاتيحه وفتح باب شقة واسعة ودخل وقالها بكلمة واحدة:
“ادخلي.”
دخلت عائشة الشقة وخطواتها كانت بتترعش، وصوت قفلة الباب وراها خلى قلبها ينقبض. التفتت لقت عمر بكل ثبات بيفتح سوسة الجاكت الجلد ويقلعه، فظهر من تحته تيشيرت أسود ضيق أبرز عرض أكتافه وجسمه الرياضي.
سألته بصوت مهزوز وهي بترجع لورا:
“إنت بتعمل إيه يا عمر؟”
عمر مردش، فضل يقرب منها بخطوات واثقة وهادية لغاية ما حاصرها في ركن بين الحيطة وجسمه. عائشة بقت تتنفس بصعوبة، وصدرها بيعلو ويهبط بتوتر، وبقت تحاول تهرب بعينيها من نظراته اللي كانت محوطاها زي القيد. قالت بصوت واطي ومخنوق:
“عمر.. أنا عايزة أمشي، لو سمحت سيبني أخرج.”
عمر ببرود تام وتصميم، طلع موبايله من جيبه وبلمسة واحدة شغّل أغنية كانت هي لسان حاله في اللحظة دي.. صوت بهاء سلطان ملأ المكان بهدوء قاتل:
“أنا زعلتك في حاجة، طب إيه يا حبيبي هي؟
بتداري عينك ليه، لما بتيجي في عينيّ؟
وحكايتك بس إيه، فيك حاجة مش عادية..
قولي يا حبيبي حاجة، متصعبهاش عليا.”
عائشة حاولت تتخلص من حصاره وتتحرك، بس هو كان أسرع؛ مسكها من كتافها بضغط فيه وجع وحب وقهر، وضغط بوجع عاشق كأنه بيستمد منها القوة، وكملت الأغنية وهو عينه في عينها:
“أنا مصمم مش ماشي قبل ما تتكلم..
مقدرش أسيبك تتألم، ساكت يا حبيبي ليه؟
أنا ضايقتك طب قلت حاجة ما تتقالش؟
مش ماشي ولا سايبك تمشي قبل أما أفهم في إيه.”
عائشة بصت له، والدموع اتحبست في عينيها زي فصوص الكريستال، لمعتها كانت توجع القلب. كانت عايزة تصرخ وتقوله إنها بتموت من غيره، بس صورة تهديدات ميادة وقفت زي السد قدام لسانها.
عمر قرب راسه منها أكتر، وصوته بقى همس بس مليان عتاب، مع كلمات الأغنية اللي كانت بتوصف المسافة اللي خلقتها بينهم وتو بيمسح دموعهابرقة :
“قولي حبيبي بصراحة، ومشاعرك ليّ سيبها..
الدمعة اللي في عيونك، عرفني إيه سببها..
عينك في عينيّ لكن، حاسس بمسافة بينا..
في حاجات غالية علينا، بتضيع يا حبيبي منا.”
عائشة غَمضت عينيها بقهر، ونزلت أول دمعة على خدها، وعمر لسه محاصرها، مستني منها كلمة واحدة تبرد النار اللي في قلبه، وهو بيقولها بكل انكسار:
“يا حبيبي سايبني ليه،
عايش في الحيرة ديّ؟ وإن كانت غلطة مني.. يبقى حقك عليّ.”
عائشة ماقدرتش تقاوم أكتر من كدة، كل حصون البرود اللي بنتها في شهور انهارت في ثانية قدام حنيته ووجعه. رميت نفسها في حضنه بكل قوتها، ودفنت وشها في صدره وهي بتتشبث بتيشرته الأسود كأنها خايفة يهرب منها، أو كأنها كانت غرقانة وأخيراً لقت مرسى. عمر غمض عينيه بتلذذ وهو بيستنشق ريحتها اللي وحشته، وضمها بدراعاته الاتنين بعشق خلاه يغيب عن الدنيا، وكأنه بيطمن قلبه إنها لسه ملكه.
بعد دقايق من لغة العناق الصامتة، عائشة اتفاجئت بعمر وهو بيرفعها بين إيديه بهدوء وشالها وقعدها على كنبة مريحة في الليفينج، وفضل قريب منها جداً، إيده لسه محاوطاها وكأنه بيحميها من العالم. بصلها بعمق وقال بهدوء:
“احكيلي يا عائشة.. قولي كل حاجة وما تخبيش عني حرف واحد.”
سكتت عائشة ثواني، بتجمع شتات نفسها، وبعدين بدأت تحكي.. حكت عن قسوة ميادة طول فترة سفره، عن الظلم والكلمات اللي زي السم، وعن اللحظة اللي هددتها فيها إنها تطلقها منه وتديها مبلغ مالي كبير مقابل إنها تختفي من حياته.
عمر كان بيسمع وهو في حالة صدمة ذهول.. معقولة أمه تكون بالقسوة دي؟ معقولة تساوم مراته عليه وكأنه سلعة بتتباع وتتشرى؟ بصلها بعتاب ممزوج بالألم وسألها:
“يعني كنتي فعلاً ناوية تبعدي وتطلقي وتاخدي الفلوس يا عائشة؟”
هزت راسها بسرعة بنفي وهي بتبكي:
“لا والله، أنا عمري ما فكرت في الفلوس … أنا بس قولت أحاول أكرهك فيا ببرودي، لحد ما أنت اللي تمل وتطلقني، ووقتها هبعد عنك بهدوء وأنا مطمنة إنك مش مجروح بسببي.”.
عمر مد إيده ولمس خدها الناعم بحنان، ومسح دموعها بصوابعه وهو بيقول بابتسامة دافئة:
“يا غبية.. أنا مقدرش أبعد عنك أصلاً. أنتي من يوم ما اتكتبتي على اسمي وأنتي بقيتي ملكي، وهتفضلي ملكي لحد ما أموت.”
شهقت عائشة وحطت إيدها على بقه بسرعة وهي بتهز راسها بدموع:
“بعد الشر عنك.. ما تقولش كدة تاني.”
عمر باس إيدها اللي على بقه بحب، وقال بصوت واثق:
“ميادة هانم ملهاش دعوة بينا، وأنا اللي هعرف أتصرف معاها كويس وأحط حدود لكل ده.”
عائشة بدأت ترتاح وابتسامة رقيقة رُسمت على وشها، بس فجأة الابتسامة دي اتحولت لدهشة لما لاحظت نظرة خبث ومكر غريبة في عيون عمر، اللي لونها بدأ يغمق وبقى رمادي غامق ومركز عليها بطريقة خطفت أنفاسها. قرب منها وهمس بمكر:
“طيب إيه بقى؟ بعد سلسلة الاعترافات والدموع دي.. مش المفروض نعمل حاجة مأجلينها بقالنا كتير؟”
سألته بدهشة وعدم فهم:
“حاجة إيه يا عمر؟”
بص حواليه وقال بهدوء :
“إحنا في شقة ولوحدنا يا عائشة.. ومش لوحدنا أوي يعني.”
شهقت وبصت حواليها بخوف:
“هو في حد معانا في الشقه غيرنا؟”
عمر ضحك ضحكة رجولية واثقة وهو بيشيلها فجأة بين إيديه واتجه بيها ناحية الأوضة وهو بيقول بلهجة كلها عشق :
“الشيطان يا قلبي.. هيكون مين يعني؟”
عائشة بدأت تعترض بخجل وصوت واطي وهي بتخبي وشها في صدره ،وعمر مستمتع بارتباكها .
_____________________________
في كافتيريا الكلية، كانت ضحى قاعدة مع ليلى وبتحكي لها والدموع في عينيها عن اللي حصل في المول، عن زين والبنت اللي كانت معاه، وعن كسرة قلبها قدام نظرات مامتها. ليلى كانت بتسمعها بتركيز وضيق حقيقي، مش قادرة تصدق إن زين ممكن يوجع صاحبة عمرها بالشكل ده.
قالت ليلى وهي بتحاول تطمنها:
“معلش يا ضحى، اهدي.. أنا هحاول أعرف من يحيى مين البنت دي بالظبط، وبعد بكره قراية فاتحة لينا هسحبه في الكلام وأعرف أصل الحكاية.”
ضحى ردت بيأس وهي بتمسح دموعها:
“مش فارقة يا ليلى، بجد مبقاش يفرقلي.. أنا تعبت من المحاولات ومن الجري ورا سراب، اللي شفته كفاية يخليني أقفل الصفحة دي للأبد.”
وهما بيتكلموا، فجأة ملامح ليلى اتغيرت، حطت إيدها على بقها وعينيها جحظت بتوتر، وبان عليها الإعياء. ضحى سألتها بقلق:
“مالك يا ليلى؟ وشك اصفرّ كدة ليه؟”
ردت ليلى بصوت مهزوز:
“مش عارفة يا ضحى.. حاسة بدوخة رهيبة ومعدتي مقلوبة خالص.”
ضحى قالت بتلقائية: “يمكن عشان مفطرتش يا بنتي، أنتي مهملة في نفسك.”
ليلى هزت راسها بتعب: “يمكن.. بس الموضوع ده بقاله يومين بيتكرر معايا أول ما أصحى.”
ضحى بصت لها بشك، وفكرة “خطيرة” لمعت في دماغها، لسه هتقولها: “ليلى، هو أنتي آخر مرة…”
مكملتش الجملة لأن ليلى صرخت بوجع وهي ماسكة بطنها:
“آآآه.. مش قادرة يا ضحى، بطني بتتقطع!”
ضحى قامت مخضوضة وسندتها بسرعة:
“لا كدة مش سكوت، إحنا لازم نروح نكشف حالاً، في مستشفى قريبة من هنا، مش هسيبك كدة.”
بعد ساعة..
جوة غرفة الكشف، كانت ليلى قاعدة على السرير، باصة للأرض ودموعها مغرقة وشها من كتر المشاعر المتلخبطة، لغاية ما دخلت ضحى وهي بتطير من الفرحة، اترمت في حضن ليلى وهي بتصيح بهيستريا جميلة:
“مبروووك يا قلب ضحى! مبروك يا روحي.. أنا مش مصدقة، صاحبتي في بطنها نونو يا ناس! هبقى خالتو!”
ليلى ضحكت من وسط دموعها وبادلتها الحضن بقوة، وهي لسه مش مستوعبة كلام الدكتورة.. حامل في شهر ونص!
معقولة؟ في حتة منها ومن يحيى بدأت تكبر جواها؟ الفرحة كانت أكبر من إنها تتوصف، وفي وسط الحالة دي، عقلها بدأ يروح لبعيد.. يا ترى هتقول ليحيى إزاي؟ وإيه هيكون رد فعله وهو بيعرف إنه هيبقى أب؟
_________________________________
بعد يومين
قصر الصياد كان بيتزين ببهجة مكنتش موجودة من فترة. العيلة كلها كانت متجمعة في الصالون الكبير، والجو كان فيه توتر لذيذ، خصوصاً مع وجود الضيوف الجداد: ريان ووالدته.
قعدوا يتفقوا على كل التفاصيل، ودقايق وعلت الزغاريط اللي هزت حيطان القصر بعد ما يحيى والجد أعلنوا الموافقة، وتم الاتفاق إن الخطوبة تكون بعد أسبوعين في القصر ..
يحيى بص لليلى بذهول وضحك مكتوم أول ما لقاها أطلقت زغرودة مدوية، نغزها بخفة في كتفها وهو بيقولها بهمس: “يا مجنونة، فضحتيني!”.. ليلى بصتله بمرح وهزت راسها بضحكة وهي بتقول بصوت واطي: “الفرحة مش سايعاني يا يحيى”
الجد قال :مبروك يا ولاد، ربنا يتمملكم على خير.”
في لحظة، عائشة وليلى قاموا بلهفة وحضنوا لينا اللي كانت وشها زي الوردة من الخجل، وعمر ويحيى قاموا سلموا على ريان وباركوا له، والكل كان بيضحك من قلبه.. إلا شخص واحد.
ميادة كانت قاعدة في ركنها زي القنبلة الموقوتة، الغيض كان بياكل فيها، خصوصاً إن الجد كان كاتم نفسها طول القاعدة ومخلهاش تفتح بقها ولا تتدخل في أي تفاصيل.
لينا، رغم فرحتها، بلعت ريقها بحزن لما لاحظت إن ميادة مقامتش من مكانها حتى تبارك لها جبر خاطر أو تمثيل قدام الناس، رغم إن منال قامت وحضنتها بحب كأنها هي اللي أمها.
فاقت لينا من شرودها على غمزة شقية من ريان، اللي ميل عليها وهمس بصوت دافي كله عشق:
“مبروك يا برتقالتي.. أخيراً بقيتي ليا.”
ابتسمت لينا بحب وكسوف، ونسيت الدنيا وما فيها.
__________________________________
داخل جناح يحيى وليلى
لبست فستان رقيق جداً، ووقفت مستنياه. أول ما فتح الباب ودخل، وقف مكانه مذهول، بص للجناح وبصلها باستغراب وقال:
“إيه كل ده يا ليلى؟ هو فيه مناسبة أنا ناسيها ولا إيه يا حبيبتي؟”
ليلى قربت منه بابتسامة ساحرة، لفت إيديها حوالين رقبته وهمست:
“مفيش مناسبة.. بس كنت عايزة نرقص سوا، ممكن؟”
يحيى ابتسم بحب ولف إيده حوالين وسطها، وبدأوا يتمايلوا على صوت موسيقى هادية جداً. يحيى غمض عينيه وهو بيستنشق ريحتها وبيهمس:
“أنا مستعد أرقص معاكي العمر كله يا ليلى..”
في اللحظة دي، ليلى قربت من ودنه وقالت بصوت هامس يادوب مسموع:
“يحيى..”
رد يحيى وهو دايب في قربها وتوهان:
“امممم.. يا روح يحيى.”
سكتت ليلى لثانية، وبعدين نطقت
“أنا حامل يا حبيبي..”
يحيى اتجمد مكانه، الموسيقى كأنها وقفت في ودنه، سحب نفسه لورا شوية وبص في عينيها بذهول وهو مش مصدق، وصوته طلع مرعوش:
“إنتي.. إنتي قلتي إيه؟ بجد يا ليلى؟ أنا هبقى أب؟”
ليلى هزت راسها بدموع فرحة وضحكة من قلبها:
“أيوه يا يحيى.. في حتة منك ومني هتنور دنيتنا.”
يحيى في اللحظة دي مشالتهوش الأرض، شالها ولف بيها الجناح كله وهو بيضحك وبيعيط في نفس الوقت من كتر الفرحة.
كأنه كان بيحلم وصحي على أجمل خبر في الدنيا. نزلها بالراحة كأنها قطعة ألماس خايف عليها تخدش، ومسك وشها بين كفيه وهو بيبص في عينيها بتركيز وذهول:
“انتي بتتكلمي جد يا ليلى؟ يعني جوه هنا فيه “يحيى صغير”؟ قولي والله العظيم يا ليلى!”
ليلى ضحكت بدموع وهي بتهز راسها: “والله العظيم يا قلب ليلى، الدكتورة أكدت لي النهاردة إني حامل في شهر ونص.”
يحيى في اللحظة دي ملامحه اتغيرت تماماً، الفرحة كانت مرسومة على وشه زي طفل صغير لقى أغلى لعبة في العالم، وفجأة نبرته اتحولت لجدية كوميدية وهو بيقول:
“بصي بقى.. من اللحظة دي، مفيش حركة، مفيش طلوع سلم، مفيش كلية لو استدعى الأمر! أنتي تقعدي على السرير ده زي الملكة، وأنا هكون الخدام بتاعك.. هجيبلك الأكل لحد عندك، وأشيلك لو حبيتي تشربي مية، فاهمة؟”
- لقراءة باقي فصول الرواية أضغط على (رواية عشق يحيى)