رواية زهرة الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم فريدة أحمد
رواية زهرة الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم فريدة أحمد
البارت التاسع والعشرون
– أمال لو قولتلك إن أمه اللي ساعدتني، واتفقت مع الدكتورة تقولهم إني حامل. هتقولي إيه؟
جاءها صوت والدتها محذرًا:
– متأمنيش ليها أوي كده. دي أكيد في دماغها حاجة تانية بتخططلها. المهم أوعي حد يكشفك تاني.
ابتسمت سهر بثقة وردّت:
– متقلقيش
ثم أكملت بإصرار واضح، وقد اشتعل الطمع في عينيها:
– بس انا بردو لازم احمل بجد. انا مش هسيبها تلهفو مني
– طب اتشطري واتجدعني يامعدولة
– اتطمني ياماما. لاني اوعدك اني هحاول وهعمل المستحيل عشان متفوزش هي بيه ويرميني انا.. وحتي لو محملتش.. دي لو وصلت اني اتبني طفل واقولهم دا ابنكم هعمل كده. المهم افضل معاه مش اخرج من مولد بلا حمص
كان كل هذا الحديث قد وصل إلى مسامع صفية، التي كانت في طريقها إلى غرفتها، لكنها توقفت في مكانها بصدمة حين سمعت كلمات سهر. تراجعت ببطء بعيدًا عن الغرفة، وبدأت تحدّث نفسها بذهول:
– يانهار اسود. البت جاية تنصب علينا. لا وكمان امينة اللي بتساعدها. للدرجادي
وهي لا تستطيع تصديق ما سمعته تمتمت بمرارة:
– للدرجادي يا امينة كرهك لزهرة وصلك تعملي كده في ابنك وتعيشيه في كدبة
انتفضت من شرودها على صوت حمزة من خلفها:
– مالك ياعمتي
استدارت إليه بارتباك واضح:
– هاا. حمزة
ابتسم لها بود:
– عاملة ايه ياست الكل
أجابت بصوت مهتز:
– الحمدلله ياحبيبي
لاحظ توترها فسأل بقلق:
– في حاجه ولا ايه ياعمتي
سارعت بالرد محاولة إنهاء الحديث:
– ها. لا لا. انا داخلة انام.. تصبح علي خير
ابتسم وقال:
– وانتي من اهله
دخلت صفية غرفتها بينما هو فتح باب غرفته التي بها سهر التي لا تزال تتحدث مع والدتها. ما إن انفتح الباب حتى ارتبكت وألقت الهاتف من يدها بسرعة، وقالت بتلعثم وخوف:
– حـ. حـ حمزة
نظر إليها بريبة:
– مالك. متوترة ليه
نهضت سريعًا وهي تحاول التماسك:
– ا. ابدا. ا. انا بـ بس اتخضيت لما فتحت الباب مرة واحدة
رفع حاجبه ساخرًا:
– المفروض افتحه علي مراحل ولا ايه يعني
لمح الهاتف الملقى على الأرض، فتقدم والتقطه، بينما كانت سهر تقف مرتعبة، وقلبها يخفق بعنف خوفًا من أن يكون قد سمع شيئًا. أخذ يقلب في الهاتف، فاكتشف أنها كانت تتحدث مع والدتها، هو يعرف جيدًا أن والدتها ليست سهلة لكنه لم يعلّق، فهو لم يسمع شيئًا، حتي لم يسأل سهر التي كانت تبتلع ريقها برعب من صمته وغموضه.
ترك الهاتف، وأخذ علبة السجائر والولاعة، وخرج إلى الشرفة.
في الوقت نفسه، كانت زهرة تقف في شرفة غرفتها. تبادلا النظرات بصمت، دون أن ينطق أيٌّ منهما بكلمة، ثم أشاح كل واحد بصره غارقًا في شروده.
فجأة دخلت سهر إلى الشرفة حيث حمزة، وما إن رأت زهرة حتى اقتربت من حمزة بدلال، واحتضنته من الخلف قائلة:
– حبيبي. مش هتنام
رد ببرود:
– ادخلي نامي لو عاوزة
تحركت لتقف أمامه، وأحاطت عنقه بذراعيها متعمدة اغاظة واستفزاز زهرة التي وإن لم تسمع فكانت ترى كل شيء.
– حمزة. هو انا مش وحشاك
وهي تتلمس وجهه و تحتضنه
لم تحتمل زهرة المشهد، فدخلت إلى الداخل وأغلقت باب الشرفة خلفها، بينما حمزة فك يدي سهر بهدوء وهو يكمل سيجارته، قال بضيق:
– ادخلي. نامي مش فايقلك
نظرت إليه بغيظ مكتوم، ثم دخلت دون أن تنطق بكلمة، وهي تكاد تنفجر من الغضب والغيظ
…
– في اليوم التالي
دخل رحيم غرفة ياسمين، فوجدها جالسة تلاعب ابنته كنز. انحنى وقبّل كنز بحنان، ثم قال لها:
– روحي عند زهرة ياحبيبتي
خرجت كنز، فنظر رحيم إلى ياسمين وقال بهدوء:
– اجهزي
وقبل أن يكمل، نظرت إليه بتوجس وكأنها شعرت بشيء غير مطمئن فسألته بحذر:
– ا. اجهز لـ ايه
أجاب ببرود قاسٍ:
– مش كنتي عاوزة ترجعي لأهلك. هرجعك
قالت بسرعة ودون تفكير:
– بس انا مش عاوزة..
اقتربت منه وأضافت:
– انا. انا عاوزة افضل معاك يارحيم
رد بحزم:
– مش هينفع
– ليه. ليه مش هينفع. انا مراتك
بجمود قال:
– هطلقك
اتسعت عيناها بصدمة وقالت:
– يااه. هي سهله اوي كده. هتطلقني
ثم نظرت إليه بألم عميق وانفجرت بعصبية:
– ولما ناوي تطلقني. اتجوزتني ليه
لتصرخ بانهيار:
– قربت مني لييييه
خفضت صوتها وقد وهن جسدها:
– ليه ادتني امل اني ابقي معاك تاني.. وعشمتني تاني. ودلوقتي جاي بكل بساطة وتقولي هسيبك.. انت ايه. انت ازاي اناني كده
ثم صاحت برجاء موجوع:
– رد عليا..
لم يسطتع رحيم الرد بينما هي جلست على الأرض بضعف وأكملت:
– بتعمل فيا كده ليه
لتنهمر دموعها وتقول بحرقة:
– دي مش اول مرة.. دي تاني مرة. تاني مرة تاخد اللي انت عاوزه وتسيبني
كانت تبكي بانهيار كامل. ليميل رحيم نحوها بشفقة، محاولًا مساعدتها على الوقوف:
– قومي يا ياسمين.. انا هسيبك تعيشي حياتك. اعملي اللي انتي عاوزة. مش هقرب منك
صرخت فيه بألم:
– ومين قالك اني عاوزاك تبعد عني ياغبيييي.. انت ليه مش حاسس بيااا… ليييه . ليه ليه حرام عليك
كانت دموعها تتساقط كالمطر:
– ط. طب انا ذنبي ايه اتعذ، ب كده.. سيبتني زمان وطلقتني. اتخليت عني علشان ترضي ابوك.. ودلوقتي بتكرر نفس اللي حصل
اجاب بندم ظاهر وقال:
– دلوقتي مش هينفع اخسر بيتي وبنتي
صرخت بحرقة:
– وانا. انا بني ادمة حرام عليك. ذنبي ايه تعمل فيا كده
أطرق رأسه وقال:
– انا اسف.. عارف اني ظلمتك كتير. اسف. مش قادر اقولك سامحيني لأني مستاهلش تسامحيني
ثم وقف وقال بحسم:
– انا مستنيكي تحت في العربية
وخرج من الغرفة سريعا
في تلك اللحظة، خرجت زهرة من غرفتها على صوت بكاء ياسمين فرأت رحيم أمامها وقد بدا الحزن واضحًا عليه. دخلت مسرعة إلى ياسمين التي كانت لا تزال جالسة على الأرض تبكي بانهيار.
– ياسمين. في ايه
ألقت ياسمين نفسها في حضن زهرة وهي تبكي بشدة:
– عاوز يسيبني تاني يازهرة.. مش مكفيه الكسرة اللي كسرهالي زمان. جاي بيكسرني تاني
ربتت زهرة عليها بحزن قائلة:
– ممكن متعمليش في نفسك كده
ثم أضافت بصوت صادق:
– انا حاسه بيكي. حاسة بيكي والله
صمتت قليلًا ثم قالت بتردد:
– بس هو كمان بيخسر بيته
لتبتعد عنها ياسمين قليلا تنظر إليها ثم تقول بذهول:
– يعني ايه. واناا. انا ايه
مسحت دموعها بيد مرتجفة، وقالت بنبرة امتلاك ممزوجة بالألم:
– لا هو من حقي انااا. انا اللي كنت مراته قبلها.. يعني اذا كان حد ليه الحق يبقي انا مش هي
هزت رأسها بثقة موجوعة وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل غيرها:
– انا عارفة انو بيحبني. زي ما بحبه. انا متأكدة
لتمسك بيد زهرة برجاء ودموعها تتساقط:
– كلميه يازهرة. قوليله ميسينيش.. انا بحبه. بحبه اوي. حاولت كتير انساه معرفتش.. كلميه يازهرة أرجوكي
كانت زهرة تشفق عليها، لكنها قالت بحزم ممزوج بالحزن:
– مقدرش. سامحيني.. ليلي كمان صعبانة عليا. لاني هحط نفسي مكانها. انا اسفة. حاسه بيكي. بس مش هقدر اجي معاكي علي حساب ليلي
نظرت إليها ياسمين بخذلان:
– حتي انتي ياصحبتي
ردت زهرة بأسف:
– سامحيني
لتمسح ياسمين دموعها ثم تنهض دون كلمة، جهزت نفسها ثم نزلت إلى رحيم الذي كان ينتظرها بجوار سيارته.
– انا جاهزة
…..
في المساء…
اتصلت شيري بزهرة، وأخبرتها أنها تريد مقابلتها فطلبت منها أن تأتي إلى شركتها. ذهبت زهرة بالفعل وما إن فتحت باب المكتب حتى تفاجأت بوجود هيام، والدتها، جالسة مع شيري.
– تعالي يازهرة
وقفت زهرة عند باب المكتب ونظرت إلى شيري بغضب بعدما أدركت أن الأمر لم يكن صدفة أبدًا، وقالت بجمود:
– مقولتيش ليه ان في حد عندك
أجابت شيري بهدوء:
– دي مامتك يازهرة مش حد
نهضت هيام واقتربت منها قائلة:
– مكنتيش عاوزة تشوفيني
….
في بيت هارون، كانت ليلى تجلس أمام رحيم بهدوء:
– مش يلا بقا ياليلي
نظرت إليه ببرود وسألته:
– يلا فين
أجابها مباشرة:
– ترجعي بيتك
ردت بجمود:
– طلقني يارحيم
تنهد وقال محاولًا التماسك:
– ياسمين رجعت لـ اهلها خلاص. ارجعي متهديش البيت ياليلي
نظرت إليه بسخرية لاذعة وقالت:
– والمفروض بقا دلوقتي ارجع علشان خلاص هي مشيت. مش كدا
سألها بحدة مكتومة:
– امال عاوزة ايه
أجابته بثبات:
– عاوزاك تطلقني
ثم تنهدت وأضافت بألم:
– احنا من الاساس جوازنا كان غلط .. انت عمرك ماحبيتني يارحيم.. كنت فاكرة اني هعرف اخليك تحبني. بس فشلت.. انت بتحبها هي. كانت بعيدة عنك بس معاك وفي قلبك
ابتسمت بحزن مرير وتابعت:
– المشكلة بقا اني كنت عارفة وحاسة بس كنت بقول اكيد مع الوقت هينساها وهيحبني. بس ده محصلش رغم السنين اللي عشناها مع بعض. معرفتش انسيهالك
صمتت للحظات بألم ثم أكملت بصعوبة واضحة:
– رجعها يارحيم.. بس طلقني الاول
– انا مقدرش اعيش من غيرك انتي وكنز ياليلي. مقدرش اخسركم
أجابته بثبات موجوع:
– بنتك عايشة معاك في نفس البيت يعتبر. يعني مش هتبعد عنك.. لكن انا هتطلقني يارحيم. وياريت في اقرب وقت لأني واخدة قراري ومش هتراجع عنه
نهضت وتركته، وما إن أغلقت باب غرفتها خلفها حتى جلست علي الارض واستندت عليه وانفجرت في بكاء شديد، وقلبها يكاد ينفطر من الحزن.
……
كان حمزة يقود سيارته بعد ان اصطحب سهر التي كانت تجلس بجانبه، لم تكن تعلم إلى أين يأخذها، لكن الرعب تسلل إلى قلبها عندما وجدته يتوقف بالسيارة أمام المشفى.
– انزلي
قالها بلهجة آمرة، فابتلعت ريقها وسألته بخوف:
– ا. انت جايبني هنا ليه
أجابها بهدوء أثار رعبها أكثر:
– عاوز اتطمن علي البيبي
هزت رأسها برعب وقالت:
– انا مش هنزله. سامع. مش هنزله ياحمزة
رد بثبات:
– مين قال تنزليه.. انا عاوز اتطمن عليه بس وعلي صحته
ترجل من السيارة، ثم دار حولها وفتح لها الباب وأمسك بذراعها وهو يقول:
– يلا ياقلب حمزة نتطمن علي ابننا
كانت سهر ترتجف من شدة الخوف وضربات قلبها تتسارع وهي تخشى أن تُكشف حقيقتها. أخذها حمزة وصعد بها إلى داخل المستشفى، كانت تسير معه مترددة، تضع قدمًا وتؤخر الأخرى، وكأنها تسير نحو مصير لا مفر منه.
يتبع…
- لقراءة باقي فصول الرواية أضغط على (رواية زهرة)