روايات

رواية دموع ممنوعة الجزء الثاني الفصل الثامن عشر 18 بقلم هناء النمر

رواية دموع ممنوعة الجزء الثاني الفصل الثامن عشر 18 بقلم هناء النمر

 

البارت الثامن عشر

 

 

… كلامى واضح يافريدة ، انا شايف انك متحاملة جدا على جدى ، وبتتعاملى كأن والدتك كانت ملاك من السما ، وإن كل افراد العيلة دى شياطين ، مع أنى اللى أعرفه غير كدة …

رفعت فريدة يدها له وأشارت له بأصبعها كتنبيه وهى تقول
… إياك ياعادل ، إياك تغلط فى أمى والا فعلا هتخسرنى …

… نزلى ايدك يافريدة ، احنا بنتكلم عادى ، وأنا مبقولش الكلام ده على كلام حد قالهولى ، انا شفت بعينى ، ولو مش عايزة نتكلم فى الحكاية دى براحتك …

استفزها كلامه ، ورغم قلقها الواضح من أى كلمة فى حق والدتها إلا أنها أرادت أن تعرف ما لديه ليقوله ، فهذه هى طريقتها ، تستمع لكل الآراء لتختار فى النهاية الأفضل وما يستقر عليه عقلها ،

… اوكى ، انا هسمعك بس من غير أى تجريح …

… وأنا اصلا هجرح ليه اصلا ، انا أكبر منك يافريدة ، انا لو أكبر من كدة ب 10 سنين بس واتجوزت بدرى ، كان ممكن اخلف حد فى سنك …

.. وايه لازمة الكلام ده دلوقتى …

… عايزة اوصلك انى مش عيل بيحب يلعب بالألفاظ …

.. انا عارفة ده كويس …

…. أتمنى فعلا ، انا برده فى النهاية معرفش كل أبعاد الموضوع ، بس اللى عاصرته بنفسى فى الموضوع ده كان كفاية ..

… وهو ايه اللى شفته اصلا ؟

… عاصرت مواقف كتير بين والدتك وجدك وابويا واعمامى ، وقتها كان عندى اكتر من عشر سنين ، يعنى كنت فاهم اللى بيحصل كويس اوى ،
والدتك كانت عنيدة جدا ،وكانت قوية اوى ، كنت أوقات بحس أنها مش تبع البيت ده أساسا ، بصراحة كنت معجب بيها وبجمالها ، وكنت دايما متابع شتيمة أمى ومرات عمى وخناقاتهم معاها ، بس طبعا عمتى كانت هى الفايزة دايما بسند من جدى وجدتى …

لم تعلق فريدة على ما قال ، فلقد كانت تمتلك خلفية جيدة عن ما يقول ، فقررت الإنصات حتى تصل لمعلومة جديدة ،

تابع عادل قائلا
. .. المهم ، فى موقف معين حصل قدام عينى ، لخصلى كل اللى كان بيحصل بين عمتى وبين كل اللى فى البيت وجدى بالذات ، والموقف ده فاكره كويس اوى ، وأنا مستحيل اكدب نفسى ، فى الوقت ده كان جدى بيحب يتكلم معايا فى الشغل ، وفى يوم كنت قاعد معاه فى اوضته ، كانت تيتة معانا بس خرجت تشوف الغدا ، وبعتتلنا حاجة نشربها لحد ما الغدا يخلص ، فجأة الباب انفتح بعنف جدا لدرجة أن من خضتى من الصوت ، وقعت شوية من اللى كان فى الكوباية على هدومى ، ودخلت عمتى من غير أى استئذان ، كان شكلها يخوف اوى ، عنيها حمرا اوى كأنها بتعيط من كام ساعة ، حسيت أنها مشافتنيش أساسا ، مخرجتش ووقفت جمب الحيطة اتفرج على إللى بيحصل ، دخلت على جدى وهى يتكرر جملة واحدة بس … انت السبب …

فلاش باك ،،،،،

… انت السبب ، انت السبب ، انا عارفة أن انت اللى خليته يسافر ، مش مسامحاك ، مش هسامحك ابدا …

وقف عزت من على كرسيه وهو يقترب منها وهو يقول
… إهدى ياجميلة ، اهدى ياحبيبتى ، ده الأفضل ليكى وليه …

نفضت جميلة يده لتبعدها عنها
… أبعد ايدك دى ، انا بس اللى أقرر ايه أفضل ليا ، مش انت اللى هتكررلى …

.. عيب ياجميلة ، انا أبوكى ، وانتى عارفة كويس اوى انى مش هسمح للمهزلة دى تكمل ، وعارفة برده ليه ، ومتأكدة أن الواد ده صايع وطمعان فيكى فينا ، واثبتلك ده وشفتى بعينك ، ناقص ايه بقى ، متمسكة بيه ليه ….
.. عشان أخلص منك ؟

اتسعت عينا عزت وغر فاه ولم يعد قادرا على النطق بكلمة ، فتابعت هى بعد رؤيته هكذا
… اه ، انا عايزة أخلص منك ومن البيت كله ، عايزة أبعد عن المكان ده …

… ليه ، ليه ، عملنالك ايه ؟

… كرهت تحكمك فيا ، وعايزة أبعد عنكوا ، عايزة اعمل اللى انا عايزاه ، عايزة أبعد عن البيت اللى كله قرف ده …

تنهد عزت وعينيه فى الأرض يحاول تمالك نفسه ثم رفع رأسه لها قائلا
… ماشى ياجميلة ، انا موافق …

… على ايه ؟

… على انك تخلصى منى ومن البيت ، انا اصلا اللى تعبت منك ومن المصايب اللى بتجبيها لحد عندى كل يوم والتانى ، بس برده مش الواد ده ، هتستنى لما الاقيلك جوازة كويسة …

ضحكت جميلة بهستيريا مستمرة للحظات تحت أعين والدها المزهولة من رد فعل ابنته ، ثم تمالكت وقالت
… تصدق صدقتك ، حلوة تلاقيلى جوازة كويسة دى ، مين بقى ؟
واحد من رجالتك ولا واحد من العيلة المتخلفة دى ، عشان فى النهاية بردة أفضل تحت ايدك ، متأسفة ، خلاص ، انتهت ، مبقاش ينفع إلا واحد بس ، أى حد تانى لأ ..

انعقد ما بين حاجبيه واقترب منها وهو يقول
… يعنى ايه الكلام ده ، انطقى ، تقصدى ايه بمبقاش ينفع غيره …

قالت بتحدى … زى ما سمعت ، هو واحد بس ، اصلى حامل منه ، حامل …

لم تشعر بعدها إلا بنفسها ملقاه على الأرض فمها ينزف من أثر صفعته على وجنتها ، ثم انقض عليها بأسرع مما توقعت وقبض بيده على شعرها وبدأ بجرها على الأرض وهى تصرخ تحت يديه ويدها تتمسك بيده التى تقبض على شعرها تحاول افلات نفسها ،
ألقى بها داخل غرفتها التى كانت قريبة من غرفته وأغلق الباب بالمفتاح ، وأخذ المفتاح ، والتفت ليتوقف فجأة أمام حفيده الذى يقف بذهول أمام باب الغرفة و الذى نسى وجوده تماما فى خضم مواجهته لابنته ، والذى يبدوا أنه تابع الموقف برمته ،
بينما وقف عادل رغم رعبه مما رآه إلا أنه كان مشفقا على جده الذى كسا اللون الأحمر وجهه من غضبه ، وصدره الذى يعلو ويهبط يحاول مساعدة جسده فى التنفس بأقصى قدرة لديه ،
الغريب أنه ورغم صغر سنه فهم نظرة جده له بمعنى أن لا تخبر أحد بما رأيت للتو ، وبالفعل أكد له عادل فهمه لإرادته وأماء له بالإيجاب ،

وبعد لحظة قطع تواصل الأعين بينهما دخول الجدة ومن خلفها أفراد العائلة واحدا تلو الآخر ،
اقترب الجد منها واعطاها مفتاح غرفة جميلة ، وبصوت منخفض نسبيا ويحمل كافة أنواع التنبيه والوعيد قال
… انتى اول واحدة هحاسبها لو عرفت انه اتفتحلها من غير اذنى …

ثم ترك الجميع فى حالة من الحيرة الطاغية ، ولا يعلم منهم ما حدث فعليا إلا عادل نفسه .

…………………………..

عودة للحاضر بين عادل وفريدة بعدما حاول ان يصور لها الموقف كأنها حضرته معه ،

… يعنى انت متحامل على أمى بس بسبب الموقف ده …

… برده بتفهمى كلامى غلط ، انا مش متحامل على حد ، انا حاولت اوصلك لمحة من اللى كان بيحصل وقتها ، غير أن فى حاجات تانية كتير اوى شفتها وكلام ابويا وعمى أكرم عن طنط جميلة ، مش هذكرلك بقية البيت لأنى مبثقش فى اى حد فيهم ،
وكمان عشت بالتفصيل اللى حصل لجدى وجدتى بعد ما ماتتك سافرت وبعد الحادثة ، اللى طبعا مفيش اى عزر لأى حد فيها ، وحقك تعملى فيهم اللى انتى عايزاه بخصوص الحادثة نفسها ،
إنما اللى حصل قبلها ، والدتك مش بريئة تماما فيه ، وأتمنى انك تعيدى نظرتك فى الحكاية على بعضها من أولها ، صدقينى هتشوفى وهتعرفى حاجات كتير جديدة ….

أنهى كلامه وهو يقف ليقول ..، انا هاخد حمام ، لانى فعلا حاسس أنى تعبان …

وقفت فريدة هى الأخرى لتقول … حمام ايه ده ، مش قبل ما تفهمنى انت تقصد إيه بده كله …

.. مش هتفهمى ، لأنك رافضة النقاش فى الموضوع أساسا ، قافلة دماغك من ناحية والدتك ، شايفاها ملاك بجناحين ، مع انى شايف أن هى اللى أجرمت فى حق نفسها قبل الكل ، هى اللى عاندت فى الغلط ، رفضت كلام أهلها ومشيت ورا دماغها هى مع أن كل الدلايل اللى قدامها بتقول أن أبوكى مش هو الشخص إللى واحدة ست تحارب أهلها علشانه ، وحتى لو حصل وحاربت أهلها ، ازاى سمحتله يلمسها قبل الجواز ، ولو حصل غصب عنها ، اغتصاب مثلا ، أو حتى استفرد بيها وهم لوحدهم ، فالطبيعى أنها تكون مكسورة وزعلانة ، لكن مش ده الل شفته فى عنيها يافريدة ،
بنت بتقول لابوها أنها حامل من غير جواز ، شفت فى عنيها جبروت وعند ملوش حد ، كأنها تعمدت تعمل كدة وجاية تتشفى فى أبوها باللى عملته …

صرخت فريدة وهى ترفع يدها فى وجهه قائلة … بس بس ، مستحيل يكون الكلام ده حقيقى …

أشفق عليه من أثر كلامه ، لكن لفترة طويلة وهو يجاهد نفسه حتى لا يخبرها ، ولكنها تستحق أن تعرف حقيقة ما حدث ، هى تسعى دائما خلف الحقيقة ، بالإضافة إلى أنه يعلم أنها قوية وسريعا ما ستنفض أثر الماضى وتتجه لمستقبلها
.. انا اسف يافريدة ، انا عارف ان كلامى وجعك اوى ، بس فكرى فيه ، متاخديش كلام والدتك أمر حقيقة مسلم بيها …

ثم تركها واتجه للداخل وهو يشعر بالعاصفة التى قامت داخلها الآن والتى لن تهدأ إلا بما هو أصعب مما قال ، ليلتفت لها من بعيد بأسى للحظة ويعود ليكمل طريقه ناحية غرفة نومه ليحضر ملابس ليرتديها بعد حمامه،

بعدما أنهى حمامه ، خرج ليبحث عنها فى أنحاء المكان ولم يجدها ،
التقط هاتفه واتصل بها لتجيبه بعد بضع رنات

… ايوة ياعادل …

… أنتى فين يافريدة …

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية ظلمني من احببت الفصل الثالث 3 بقلم سمر شكري

.. هروح ادور على الحقيقة زى ما انت طلبت …

… أنتى عارفة الساعة كام دلوقتى …

… مش عايزة اعرف ، اللى أعرفه كويس انى مش هقدر استنى ،
على فكرة ، انا اخدت عربيتك ، ومعرفش هرجع الليلادى ولا لأ ، مش عارفة هرجع اصلا ولا لأ …

ثم أغلقت الخط وأغلقت الهاتف نهائيا وألقته على الكرسى بجانبها ، لتضرب على مقود السيارة بغضب مرات عديدة وهى تصرخ

… هيحصلى ايه اكتر من كدة ، كفاية ، كفاية ، معقول يكون كل ده كدب ، وهم كنت عايشاه سنين ، مستحيل ، مستحيل …..

جلست على أحد الكراسى فى الشرفة الواسعة التى تعودت أن تقضى فيها جزء كبير من الوقت ، تتأمل اللون الأخضر على المدى أمامها وعقلها فى دوامة ثائرة تهدد بالانفجار ، حتى أنها لم تشعر بمن يقف منذ وقت يتأملها من بعيد ،
حقا تثيره هذه الفتاة ، هالة القوة والبأس التى تحيط نفسها بها تجعله مصمما على التحدى لكسر هذه الآلة وتحرير الأنثى القابعة داخلها يل واستمالتها حتى تصل لمرحلة الضعف والاستجداء ، وقتها فقط يكون قد وصل لما يريده جده منه ،
ولا يعلم حقا أن كان هذا ما يريده جده أم ما يريده هو نفسه لها ،
فقد يكون هذا هو الطريق الوحيد لضمانة خضوعها واستسلامها أو بمعنى أقرب ضمان بقائها .
فهو واثق تماما انها الآن تتحين فرصة مناسبة للانقضاض على عائلته بأكملها ثم الابتعاد عن الجميع بما فيهم هو نفسه .

اقترب منها بخطوات ثابتة لم تشعر بها إلا عندما أصبح بينه وبينها خطوتين لا أكثر ، لم تلتفت ، بل بقيت على حالها وعينيها على المدى البعيد ،
انحنى وقبلها من جبهتها ثم جلس قبالتها على الكرسى المقابل بعد أن قربه ليكون بجانبها ، امسك بكف يدها ثم قلبه وقربه من فمه وقبل راحتها بيده بحركة من لسانه على باطن يدها جعلتها تغمض عينيها استمتاعا بها ،
هى لا تنكر ابدا تأثرها به ، رغم أن عدد مرات التواصل الخاص بينهما تعد على أصابع اليد الواحدة إلا أن لحظات اقترابه فقط تعيش فيها مشاعر عدة حتى ولو كان للحظات قليلة .

… طلعتى بسرعة ليه ،كنا نتعشى سوا كلنا …

…مفيش داعى ، الجو مشحون دلوقتى …

… لازم يتعودوا على وجودك فى وسطهم …

…متستعجلش ، هيتعودوا …

…ماشى ، انا هقوم اقولهم يطلعوا العشا هنا …

… مفيش داعى ، انا مش جعانة ، أنزل انت أتى معاهم ، شكلك مأكلتش أى حاجة طول النهار …

… وانتى …

… صدقنى مش جعانة ، بس ممكن تبعتلى أى حاجة اشربها …

… نسكافيه كويس …

… كويس ..

وقف وقبلها من جبهتها ثم توجه ناحية الباب وهو يقول

… نسيت اقولك ، بكرة فى حفلة هنا فى البيت ، أبقى اجهزى بقى …

ثم خرج مسرعا وهى تتبعه بعينيها حتى أغلق الباب خلفه ،

أدارت وجهها وعادت لنظرتها الخاوية ناحية الخضرة التى تملأ الحديقة ،
وشردت فى فيما حدث وما قامت به مع كل شخص منهم من أجل انتقامها لوالدتها ،
وقد ظهر واضحا وضوح الشمس فى كبد السماء أنها قد أخطئت فى حساب ماهية العقاب لكل فرد منهم ،
فمن أجل أن يشعر المرء بأنه قد انتقم من آخر بالفعل ، هى إحساسه بنتيجة ما قام به ، أن يتابع ويشعر بأن ما قام به له تأثير واضح على حياة من انتقم منه ، أن يجعله يعانى ولو بقدر ضئيل مما حدث ،
لكن للأسف هى الأن لا تري ايه نتيجة ، أو أى تأثير فعلى لما قامت به واستمرت تخطط وتجهز له لأربع سنوات متتالية ، هى وفريقها بالكامل ، لم تبخل بجهد أو مال من أجل أن تصل لما تريد ،
وها هى ترى كل ما قامت به ذهب أدراج الرياح ، الكل موجود الكل مجتمع ، ومازال كل منهم بخير وعلى حاله ،
أين الوجع ، أين الألم الذى عاشته أمها لسنين وأورثتها اياه ،

كانت حسبتها خاطئة ، وقد أخطئت فى اختيار طريق الانتقام ، وآن الأوان لتصحيح ما فات ، ولو كان هذا هو آخر ما ستفعله بحياتها .

أخرجها من شرودها طرق بسيط على الباب تبعته فى آن واحد ، رنين جوالها ، أمسكت بالهاتف ، ولغت المكالمة بعدما رأت اسم المتصل ، حتى دخلت الخادمة ووضعت أمامها كوب النسكافيه ثم خرجت ، فهى لا تثق حاليا بأية مخلوق فى هذا المحيط السام الذى يحوطها ،خاصة الخادمات ، فهن أكثر ما يخرج أسرار البيوت ،
انتظرت حتى أغلقت الباب ثم فتحت هاتفها وأعادت المكالمة التى لغتها وانتظرت الرد

… ألو ، سورى ياأستاذ محمود ، قفلت بالغلط …
لم تخبره أنها تعمدت الإلغاء من أجل دخول الخادمة ،

…ولا يهمك ، انتى كويسة …

ادهشها سؤاله ، صمتت لبرهة ثم قالت … الحمد لله ، مكلمنى عشان كدة ..

شعرت بإحراجه من سؤالها ، فقد تردد قليلا قبل أن يجيب
… وليه لا ، كان شكلك تعبان اوى انهارضة ، غير أن احنا مكملناش كلامنا …

… ايوة فعلا ، انا قلت لسيف يبص على الملف ويكلمك …

.. كلمنى من شوية ، وسألنى على شوية حاجات …

.. تمام ، أن شاء الله أرد عليك على طول عشان نجهز هنعمل ايه …

.. إن شاء الله ، ااممم ، يعنى انتى كويسة …

… انا ليه حاسة عايز تقول حاجة ومتردد …

سحب نفسا طويلا سمعته عبر الهاتف وكأنه يستعد ليقول شيئا قد يزعجها ، شجعته بقولها … لو فى حاجة قول ،انا سامعاك …

… بصراحة ، كنت عايزة أسألك عن جوزك ، دكتور عادل ….

أنزلت قدمها، بعد أن كانت واضعة أحدهما فوق الأخرى وكأنها تحاول التركيز فيما سيقول ، فقد شعرت بالفعل بشئ غريب فى نظرته لعادل لكنها لم تشأ أن تعلق أمامه واجلت الأمر ، لكن يبدوا أن محمود لم يستطع التأجيل وعجل بسؤالها .

… ماله عادل ، فى حاجة …

… لا أبدا ، انا بس حسيت انى أعرفه ، لا ، انا متأكد انى شفته قبل كدة ،بس حاولت افتكر ومعرفتش ….

… عادى يعنى ، ممكن تكون قابلته قبل كدة ، الدنيا صغيرة …

… أرجوكى افهمينى ، ولا اقولك ، خلاص ، انا هفتكر لوحدى …

… مش تفهمنى انت عايز تقول ايه وانا أساعدك …

.. ولا حاجة خلاص ، بس ممكن سؤال …

… اتفضل ..

… انا عارف ان انتى تقريبا لسة عروسة ، واسف لسؤاله بس أنتى تعرفيه كويس ، يعنى تعرفيه من زمان ، قبل ما تتجوزوا يعنى ؟

.. انا مش فاهمة سبب اسألتك دى على فكرة ..

شعر محمود أنها تراوغ فى الإجابة ، فقرر إنهاء المكالمة بشكل يليق بدلا عن أحراجه أكثر من ذلك ،

… خلاص ، اسف انى ازعجتك ، هبقى اطمن عليكى وقت تانى ، أوكى …

.. اوكى …

أغلقت فريدة الهاتف وهى حائرة فى كلامه الذى لك تصل منه لأى معلومة محددة ، فقط شعرت بقلق شديد منه ناحية عادل ، المشكلة أنها واثقة فى طيبة معدن محمود ، فهو من خامة طيبة تشبه والده رحمة الله عليه كما تشهد بذكائه الحاد الذى ساعده على منع انهيار شركته وضياع أسهمها فى البورصة بعد وفاة جده المفاجئ و غياب أخيه الأكبر مازن الذى كان يعيش فى الخارج ،
إذن فقلقه هذا له وزنه عندها ، ويجب أن تعرف ماهيته وسببه ،

………………………………………………………

أغلق عادل الهاتف والقاه على الفراش بإهمال ، ثم ألقى بجسده بجانبه هو الآخر ، وهو يفكر فيها ، لقد أصبحت تجزب انتباهه بشكل مبالغ فيه فى الآونة الأخيرة ولا يعلم لماذا ، رغم أنه عميل فى مكتبها منذ سنتين وأكثر ، وقد كان لهم معاملات كثيرة ، إلا أنها كانت جميعها لا تتخطى إطار العمل المتبادل حتى أنه لم يحضر حفل زفافها وتعلل بمشاكله واكتفى بارسال الزهور لا أكثر ، اذن لماذا الآن ، بعدما تزوجت ، وأصبحت ملكا لأحدهم ، أحدهم الذى استفزته مجرد رؤيته ،
نهر نفسه ، واغمض عينيه وقد قرر أن يكف عن هذه التفاهات ، يجب أن يعطى كامل اهتمامه لشركته المهددة بالضياع من قبل شقيقه ، ابن أبيه وأمه ، هذا هو الأمر الذى يحتاج حقا لكل اهتمامه .

……………………………………………………………….

عاد عادل الجناح ولم يصدق عندما وجدها على نفس جلستها ، بل الأكثر هو كوب النسكافيه الكائن أمامها كما هو بعد أن برد و لم ينقص شيئا .

… فريدة …

انتفضت والتفتت له ، … ايوة ، فى حاجة ..

…حاجة ايه ،انا بقالى ساعتين تحت ، اطلع الاقيكى زى ما انتى ، حتى المج زى ما هو لحد ما تلج ، مغيرتيش حتى هدومك ، ايه مالك ، فى ايه ؟

قالت وهى تتطلع للكوب الزجاجى أمامها … ابدا ، ولا حاجة ، سرحت بس شوية ..

جلس بجانبها على نفس الكرسى وانحنى قليلا نحوها وقال بلهجة حنونة وهو يتلمس بشرة زقنها بأصابعه
… أنتى قلقانة من وجودك هنا فى البيت ، متقلقيش أرجوكى ،انا هنا معاكى …

لم تلق بالا لما قاله أو حتى سمعته ، كل ما شد انتباهها هو لهجته هذه وهو يتحدث ، نفس اللهجة التى غزت حصون قلبها وهى فى أشد الحاجة لشخص يحيطها ، لهجة جعلتها تستسلم وتسلم ما أراده منها ، وما كان قد كان .

…. انت حبتنى ياعادل ، ولا سلمت بالأمر الواقع وخلاص ؟

صدم من سؤالها الذى فاجأة تماما حتى أنه أبعد يديه عن وجهها بل عاد هو نفسه للخلف على كرسيه
…يعنى ايه ، تقصدى ايه ؟

… قصدى واضح ، بس معنديش مانع انى أوضح اكتر ، المفروض أن كان فى اتفاق بينى وبينك قبل ما نتجوز على الشكل اللى هتكون عليه علاقتنا ،
بس اللى بيحصل بينا ده مختلف تماما عن الاتفاق ده ، ده معناه ايه من وجهة نظرك ، سلمت بالأمر الواقع وقلت اهى زوجة وخلاص ، ولا حبتنى فعلا ، ودى طبعا حاجة مستحيلة ، انت تعرفنى من شهر ونص بس …

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية جاسر وعزة - عشق الحور الفصل التاسع 9 بقلم نسمة مالك

كان يزداد زهولا مع كل كلمة تقولها ، ويتجمد جسده أكثر ، ولأول مرة تتوه منه الكلمات عندما حاول ان يجييها بعد أم انتهت من حديثها ،
غريب أمر هذه المرأة ، فقد أصبح يخاف الحديث معها فى بعض الأحيان ، لكن لن يدعها تهزمه أو حتى تأخذ عنه تصريح قد يأخذ عليه فى وقت ما ،

قال بهدوء ينافى العاصفة الحائرة القائمة داخله
… أنتى ايه رأيك يافريدة ، انتى كنتى معايا لحظة بلحظة فى اللى تم بينا ، تفتكرى ايه ده تسليم منى بالأمر الواقع ولا حب …

… انت بتجاوبنى بنفس سؤالى ليه ؟

… أبدا ، بالعكس ، يمكن محتاج تعرف إجابتك انتى قبل ما اجاوبك ، انا مضغطتش عليكى فى اى حاجة ، بالعكس انا كنت سعيد اوى أن احنا سوا ، ومتسأليش ليه ، فى أمور فى حياتنا يافريدة مبتحتاجش أى فلسفة فى الوصف ، أو تخطيط عشان تحصل ، الموضوع بسيط ، انا وانتى ،
من غير أى إضافة …

أعادت فريدة كلمتيه بتساؤل وكأنها تتعجب من جمعهما سويا فى جملة واحدة … انا و انت ؟

… ايوة يافريدة ، انا وانت ، صحيح اتفقنا نكون أصحاب عشان ننفذ رغبة أهالينا ، بس قربنا من بعض ، اتكلمنا وارتاحنا سوا ، قربنا ، قربنا اوى ،
….

عاد آخر كلماته وهو يقترب منها ، يقترب جدا ، وأحاط وجهها يكفيه ومال ليلتقط شفتيها ليوضح لها ما كان بحاول قوله لكن بشكل عملى حتى تصل لما يريد قوله ، لكن هى قد كان لها رأى آخر منافى لنهاية الصورة التى أرادها ، فقاومت يديه فى لحظة واحدة ومالت بوجهها للأسفل ، فوجد شفتاه قد حطت على جبهتها، تنهيدته الغاضبة كانت حارقة حتى أنها شعرت بسخونتها على جبهتها ، أكمل قبلته لجبهتها ثم عاد للخلف فيما كانت هى ترتفع بوجهها له مرة أخرى ،

… انا برده مأخدتش منك إجابة واضحة على سؤالى ، خلينى أسألك بشكل تانى ، بشكل أوضح ، انت دلوقتى قررت أن الجواز ده يكمل كأننا زوجين عاديين ؟

… وليه لا ، ايه المانع ، انتى عندك اعتراض ؟

سكتت برهة وهى تتأمل وجهه تبحث عن إجابة جيدة لسؤاله ، اعتراض ،
كيف تعترض وقد تم بالفعل زواجهم ، ولم يكن لها رأى فيه ، قد جرفتها مشاعرها فى أوقات ضعفها ، فلم تكن أبدا أشد ضعفا مما هى عليه الآن ،
والمشكلة الأكبر أنها لم تعطى لنفسها مجالا أن تعيش أى من حالات الحب مع أى شخص حاول الاقتراب منها من قبل ، كانت دائما تتخذ الشكل الرجولى فى التعامل مع الرجال وان كان هذا ينافى شكلها الانثوى الخالص .

وقفت فجأة وهى تقول
.، انا تعبانة اوى ، هحاول انام شوية ، تصبح على خير ياعادل ..

لم تكمل خطوة واحدة بعيدة عنه حتى استوقفها سؤاله
… بتهربى من إجابة سؤالى ليه ، مش انتى اللى فتحتى الموضوع ده …

التفتت له وقالت بهدوء … انا مبهربش ، مبجبش الهروب اصلا ، هجاوبك ، انا بس هواجه نفسى الأول ، تصبح على خير ….

…………………………………………………………….

تسللت بهدوء شديد للداخل بعد أن أغلقت الباب بالمفتاح ،
فوجئ بها أمامه فى لحظة خروجه من الحمام ،

…ايه ده ، انتى اتجننتى ، البيت مليان ناس …

… اعمل ايه يعنى ، من لحظة ما رجعت مع ابوك وانا مش طايلاك ، مش عارفة حتى أتكلم معاك ..

… ماهو ادام عينيك ، من ساعة ما رجعت وانا فى مصايب ، انا مش عارف ازاى سمحتى لبنت الكلب دى تدخل البيت ، ازاى وافقتى على الجوازة دى ، كان عقلك فين ساعتها …

… ومين قال انى وافقت ، ما انت عارف عادل ، حد بيعرف يجبره على حاجة ، وبعدين أكرم كان واقف معاه ، أول مرة اشوف أكرم واقف مع عادل بالشكل ده لدرجة انهم تمموا الجوازة فى أسبوعين …

… وبعدين فى ابنك ده ، كل أما اقول خلصت منه ، يطلعلى بمصيبة جديدة ، وأدى آخرها ، المصيبة انى مش لاقيلها أى مدخل ، بنت الحرام مأمنة نفسها على الآخر ، وابنك المحترم بيقف فى وشى عشانها …

… انت مش ملاحظ انك عمال تقول ابنك ، ابنك ، هو ابنى انا لوحدى …

… سميرة ، اطلعى من نافوخى دلوقتى ، كفاية الأرف اللى انا فيه ، لسة حتى مش عارف ابويا وابنك هيتصرفوا معايا ازاى فى الشركة دى ، وطبعا ابنك ما صدق …

.. برده ابنى …

تنهد إبراهيم بنفاذ صبر وقال بغضب … روحى دلوقتى ، روحى ، انا عايزة اتنيل انام ، والصباح رباح ، يمكن الاقى حل للمصيبة اللى اسمها فريدة دى واشوف ناوية على ايه تانى …

…………………………………………………………..

فتحت عينيها بصعوبة بالغة ، وضعت يدها على رأسها وهى تتململ من حدة الصداع الذى أصبح ملازما لها فى الآونة الأخيرة ، يجب أن تجد حلا لهذا الصداع ، فهى تحتاج لكامل تركيزها الآن ، أكثر من أى وقت مضى ،

اعتدلت وهى تحاول إدراك ما حولها ، وجدت نفسها فى جناح زوجها فى فيلا المصرى ، ابتسمت بسخرية وكأنه لم ولن يكون مكانها ابدا ،
التفتت لتجده نائما بجانبها ولكن على آخر طرف السرير ، وكأنه تعمد أن يتجنب لمسها ،

لم تهتم بما جال بخاطرها ناحيته ، التقطت هاتفها ، فتحت اضائة الشاشة فوجئت بالساعة قد تعدت العاشرة ، وبعض المكالمات الفائتة من ريهام واثنين من والدها وثلاثة آخرين من إحدى زميلاتها ،
نهرت نفسها لأنها حولت رنين الهاتف لصامت ، فكل ما احتاجته هو ساعتين من النوم فقط ، وليس كل هذا ،
أسرعت واغتسلت وارتدت ملابسها دون أن تصدر أى صوت يذكر حتى لا توقظه ، فهى ليست فى حالة تسمح لها بأى نقاش مع أى شخص الآن ،

خرجت من الجناح وهى تتحدث مع زميلتها خلال الهاتف تناقشها فى أمر معين يخص إحدى التحقيقات التى تعمل عليها ،

ضغطت على زر الاسانسير ، بعد عدة ثوانى كان يفتح بابه أمامها ،
فوجئت بمجدى ابن عم عادل يقف بالداخل ،
أشار مجدى لها بالدخول قائلا … صباح الخير يافريدة , اتفضلى …

.. صباح الخير يامجدى … قالتها و هى تخطو داخل المصعد

تعللت بشئ ما أنهت به مكالمتها على وعد منها بالذهاب للعمل غدا واكمال مناقشتهما ،
تعمدت إهمال وجوده ، و كانت على وشك الاتصال بريهام لولا جملته التى جعلتها ترفع عينيها له بدهشة حين قال
… احنا مش وحشين اوى كدة يافريدة …

انعقد ما بين حاجبيها ولوحت برأسها بتساؤل

فتابع كلامه قائلا … انا عارف انك شايفانا كدة ، بس احنا عيلة زى أى عيلة ، فيها الكويس ، وفيها الوحش ،وأنا اسف للى حصل لوالدتك ، وطبعا رافضه تماما ، لكن ده مش معناه أن العيلة كلها زى ما انتى شايفاها …

كان باب المصعد قد فتح بعدما وصل للدور الأرضى

خرجت فريدة من المصعد ثم التفتت له وهى تقول

… هتصدقنى لو قلتلك أنى اكتشفت انى مش شايفة ولا عارفة حاجة عن عيليتكم دى اصلا …

ثم تركته وهو يفكر فى جملتها التى زادته حيرة عما كان داخله من الاساس

فتحت الباب بالمفتاح الخاص بها والذى كانت قد نست أو بمعنى أصح تناست وجوده فى سلسلة مفاتيحها ،

كانت الشقة ساكنة والأنوار هادئة تماما ، اقتربت من الإضائة الخافتة القادمة من غرفة نوم والدها وطرقت الباب النصف مفتوح ليأتيها صوت زوجة أبيها تقول … مين ؟

قالت فريدة بصوت عالى … صحى بابا وقوليله فريدة عايزاك فى اوضتها …

وبعد أن أبتعدت عدة خطوات فى إتجاه غرفتها القديمة حتى توقفت على نفس الصوت بعد أن خرجت صاحبته وهى ترتدى روب قطنى ثقيل وهى تقول
… هو انتى كل يوم تجيبيلنا مصيبة ، ياتجيله يااما يجرى يروحلك ، انتى مش اتجوزتى وخلاص ، ما تحلى عنا بقى خلينا نرتاح …

فظهر الآخر من خلفها وهو يقول … نادية ، ايه اللى بتقوليه ده …

.. ما انت شايف ، الهانم جاية تصحينا فى نص الليل عشان مصيبة من مصايبها …

لم تعطى فريدة بالا لما قالت السيدة صاحبة الصوت الكريه ، كما كانت دايما تسميها ، بل نظرت لوالدها قائلة … هستناك جوة …
ثم انتقلت بعينيها لنادية وقالت … وانتى ، متقربيش من الباب عشان تتصنتى كالعادة ، احسن والله العظيم ، اخليكى ما تسمعى بقية حياتك …

وتركتهم ودخلت غرفتها دون أن تنتظر أى رد من أى منهم ،
دخل والدها فوجدها تجلس على حافة السرير ، تعقد يدها وتستند بها على قدميها ورأسها وعينيها للأرض ، وكأنها شخص يائس ، فاقد للأمل فى الحياة ،

تقدم منها بخطوات ثابتة ، واتجه للمرآه المثبتة على قاعدة خشبية ، سحب الكرسى الخاص بالمرآه ووضعه على مسافة منها وجلس عليه
ليناديها بهدوء … فريدة …

لم ترد أو حتى ترفع رأسها ، فقط سمع تنهيدة طويلة صدرت عنها ، بعدها قالت ورأسها مازال منخفضا

…. انا تعبانة اوى يابابا …

اهتز قلبه و كيانه بأكمله مع الكلمة التى لم تنطقها منذ سنوات ، منذ أن توفت والدتها ولم تناديه بها بل لم تعطه أى لقب من الاساس ،
،، بابا ،، قالتها دون أن تدرك من الإرهاق النفسى والحرب العاطفية التى تعيشها ،

تابعت فريدة كلامها بيأس وارهاق شديد
… مبقتش فاهمة حاجة ، مبقتش عارفة مين الصادق ومين الكداب ….

ثم رفعت رأسها له وقالت بتوسل
… قوللى انت ، أمنتك بالله تقوللى اللى حصل ، وأنا هصدقك ، مش هقول انك كداب ، قوللى ، ماما كانت بتكدب عليا ؟

دي رواية مميزة جدًا جرب تقرأها  رواية ملك وسيف - حمقاء في المخابرات الفصل الثالث 3 بقلم ايزيس

تلئلئت عينيه بالدموع شفقة على ابنته المثقول قلبها بعذاب سنين من احداث لم يكن لها ذنب فيها ، بسبب امرأة تجردت من كافة مشاعر الأمومة واختارت أن تحمل قلب فتاة لم تتعدى الثامنة بحمول وآمال كره و انتقام أرادته هى بنفسها لهم ، اورثتها العناد وزرعت داخلها الضغينة التى حملتها هى لسنين ،
حاول مرارا أن يمنعها لكن بعد فوات الأوان ، حين اكتشف ما يحدث كانت قد تشبعت فريدة بما أرادته جميلة لها ، ولم تعد الفتاة نفسها قابلة للاستماع لوالدة أو اقترابه منها بأى شكل على مدى سنين ، لأنه مهما حاول ان يخبرها أى شئ عكس ما اخبرتها به أمها ، فلن تتقبل ولن تقتنع ،
لهذا احترم ما بداخلها ، واحترم طريقتها فى التعامل معه على أمل أن تكتشف بنفسها حقيقة ما حدث يوما ما ،

وها هى الأن ، تعيش العذاب بأبشع صورة ،أن تكتشف بأن كل ما عاشته لسنوات كان مجرد كذب متقن من امرأة على حافة الموت ،لتكمل طريق لم يسعفها العمر لتكمله ،

أشفق عليها وانفطر قلبه لها ولم يكن يتوقع انه سيتأثر بهذا الشكل بشئ توقعه ،
… لا يافريدة ، مكانتش كدابة ولا حاجة …

… اذاى وانا كل يوم اكتشف حاجة جديدة ، الأول اطلع بنت حرام ، ودلوقتى يقولولى يقولولى أن أمى السبب فى كل اللى بيحصل ، اصدق مين وأكدب مين ؟

… صدقى قلبك وعقلك انتى ، دلوقتى غير زمان ، انتى دلوقتى كبرتى وبقيتى انسانة عاقلة وذكية جدا ، غير انك قوية كفاية ، يعطى تقدرى تخطى النقطة دى وتعيشى حياتك …

… مش هقدر ، انا فضلت سنين وسنين أخطط ازاى انتقم منهم وادمرهم ، فجأة الاقيهم هم المظلومين وانا الظالم ، مش هينفع …

… لا يافريدة ، بالعكس ، انتى المظلوم الوحيد فى اللعبة دى كلها ، واحنا اللى جنينا عليكى ، ووالدتك معانا …

… احكيلى اللى حصل ، انا عايزة أعرف….

… اللى حصل انتى تعرفيه كويس ، اتقابلنا أنا وأمك وقررنا نتجوز ، وأهلها رفضونى ، وبعدين قبلونى غصب عنهم بعد حكاية الحمل دى بشرط أن أمك تبعد عنهم تماما ، وده اللى حصل ،
الفرق الوحيد فى الحكاية دى كلها ، أن أمك هى اللى خططت لكل ده ، بس للاسف انا فهمت ده متأخر اوى …

… يعنى ايه ، مش فاهمة ، وضح اكتر …

… والدتك كانت متمردة اوى وعنيدة وبتكره تحكم جدك ، ومع الوقت التمرد ده اتحول لتنمر غريب ، كأنه مرض أتمكن منها ، بقت ترفض كل حاجة واى حاجة ، بقت مستفذة جدا ، عندها قدرة غريبة أنها تخرج اوحش حاجة فى الانسان اللى قدامها وتوصل لدرجة من الغضب تخليه يتصرف تصرفات سيئة اوى ، وده اللى عملته فى جدك ، وفيا انا كمان ،
لما قابلتها ، بصراحة حبيتها ، واتمنيت اتجوزها ، منكرش أنها كانت بالنسبالى فرصة خاصة انى كنت فى أول حياتى وكنت فقير اوى ، ولما جدك رفضنى وطردنى ، الحلم ده ضاع ، وبعدت عنها شوية ، بعدين رجعنا لبعض تانى ، وطلبت انى اقاومهم معاها ، أوقات كنت بحس أمها بتعمل حاجات ملهاش لازمة تستفذ بيها جدك وبس بس كنت يكبر دماغى ، وفى يوم جاتلى لحد شقتى بنفسها ، الشقة القديمة ، وطلبت منى ده ، وقالت إن دى الطريقة الوحيدة اللى تجبر جدك على الموافقة ، فى الاول رفضت ، بس بصراحة رغبتى فيها سيطرت عليا ، اكتر من شهر واحنا سوا ، وطول الفترة دى وجدك مبطلش ضغط عليا ، لحد ما فى يوم لفقلى قضية سرقة أدوية مخدرة فى المستشفى الخاصة اللى كنت شغال فيها ، وخيرنى ، يااما اسيب مصر خالص وهيخلصلى القضية ، يااما هيمشى القضية ويسجنى …

ثم سكت ليلتقط أنفاسه ويهدأ من ذكرياته السيئة التى عايشها فى هذه الفترة ، لاحقته فريدة بقولها
…طبعا وافقت على السفر …

… طبعا ، كنت هضيع ، لكن لقيتها بتقوللى أنها حامل ، كنت خايف اوى من جدك ، وصممت أن الحمل ينزل ، لكن لقيتها بتتكلم بمنتهي الهدوء وكأنى اللى احنا فيه ده عادى ، مش مصيبة ، وقالت إن دى احسن حاجة حصلت ، وأن كدة جدك هيوافق غصب عنه على جوازنا ، كانت أول مرة أحس أنها كانت متعمدة كل ده ، كأنها بتنتقم منه أو بتتشفى فيه ،
بس خلاص ، الأوان كان فات ، فى طفل موجود ، مش هعرف انفى مسؤوليتى عن وجوده ، وبعدها أمك احتفت شوية ، وبعدين بعتولى وكتبوا الكتاب وعملوا فرح ، وطلعونا برة حياتهم ، والباقى تعرفيه كويس …

… والحادثة …

.. لا يافريدة ، الحادثة لا ، أعتقد أن جميلة ملهاش علاقة بأى حاجة فيها ، مهما كان ، واللى اكدلى ده ، الانهيار اللى حصلها بعد الحادثة دى ، ومحاولات الانتحار المستمرة ، لحد للأسف ما نجحت فى النهاية ،
رغم كل شئ ، الحادثة دى كسرتها …

…وكسرتك انت كمان معاها لدرجة انك تتخلى عنها …

… انا متخلتش عنها ، كل العوامل وقتها صورتلك كدة بس ده مش حقيقى ، حكاية الاغتصاب مش سهلة ابدا ان راجل يقبلها على مراته ، كمان هى كانت رافضة اصلا وجودى ، وكل اما أدخلها تفضل تصرخ وتطردنى ،
يمكن عشان كانت مقتنعة انا السبب فى اللى حصل …

… ليه انت السبب فى اللى حصل …

… عشان انا اللى ضغطت عليها ترجعلهم وتصالحهم ، لأن جدتك راحتلها كتير ورفضت حتى تقابلها ، فجاتلى واتحايلت عليا ، خاصة أن جدك وقتها كان بدأ يظهر عليه المرض ، ودخل المستشفى اكتر من مرة ،
وآخر مرة جاتلى جدتك وقالتلى انهم هيطلعوا الحج ، وأنها مش هترجع من هناك غير لما تخللى جدك يسامح أمك ، وطلبت منى انى اخللى أمك تروحله ، وفعلا فضلت وراها لحد ما اقنعتها أنها ترجع ، وللأسف اول ليلة حصلت فيها الحادثة …

… يعنى فى كل الأحوال أمى مظلومة …

… منكرش ده ، اللى مكنتش راضى عنه تماما ، إنها تدخلك دايرة الكره دى ، إنها حاولت تطلعك صورة منها ، بس الحمد لله ، انا شفت فيكى عقل مشوفتوش فيها ، عندك قدرة انك تفصلى بين الصح والغلط وأنك توقفى نفسك عن حاجات معينة وقت ما تقررى …

وقفت فريدة فجأة وكأنها قد قررت الرحيل مرة أخرى ليقف والدها هو الآخر قائلا … ايه ، رايحة فين ، لسة كلامنا مخلصش …

… كفاية اللى سمعته ، انا همشى …

… تمشى تروحى فين ، الفجر قرب ، استنى الصبح وبعدين أمشى ….

… لا ، زى ما جيت همشى …

حاول ان يمنعها كثيرا لكنها صممت على الخروج ، فلم تعد قادرة على الاستمرار فى مسلسل الذكريات الأليمة هذه ، كل شخص تحدث معها أخبرها بأشياء مختلفة ، وكأن كل منهم يحكى ما حدث من منظوره هو فقط ، وليس الحقيقة الفعلية التى تريد هى الوصول إليها ،
لا والدها أو جدها أو حتى عادل ،أو أى شخص آخر من أفراد العائلة الملعونة ،
والآن قد ماتت من كان بيدها الحقيقة الوحيدة ، حقا كان يجب أن ينتهى كل شئ بموتها ، لا أن يبدأ مسلسل انتقام جديد بطلته طفلة صغيرة فى الثامنة ، وعلى مدار سنين حتى أتمت السادسة والعشرين وهى تعيش فى طيات ماضى والدتها ، يقتات قلبها على بشاعته ليقسوا ويقسوا حتى يموت ،

جلست تتأمل مكان قبرهاا لأكثر من ساعة دون كلام ،
جميلة عزت المصرى ، آخر من كتب ودفن فى مدفن عائلة المصرى حتى الآن ، حوارات تدور بينهما داخل عقل فريدة دون أن تبوح به إلى أن وصلت لمرحلة الاختناق الفعلى والتى كادت بها أن ينفجر عقلها حين قالت

… وصلتينى لحالة غريبة ، ثقتى معدومة فى كل الناس ، انتى كدابة ، وابويا كداب ، وجوزى كداب ، وابوكى واخواتى ، حتى الناس اللى معايا من سنين فى الشغل ، كله كله ، مش عارفة هكمل ازاى ، مش عارفة ،
وجعتينى ، كأنك خنتينى ياأمى ، خنتينى ….

أغمضت عينيها ، لم تعد قادرة على الكلام أو حتى التفكير أكثر من ذلك ،
حتى انتفضت عندما شعرت بيد على كتفها لتفتح عينيها لتجده يجلس بجانبها وعلى وجهه وفى عينيه حنان وحب لم تره من قبل فى نظرة أى انسان تطلعت لعينيه من قبل ،
ابتسم دون أن يقل شيئا بل فقط مد يده الأخرى ليتلمس خديها بأصابعه ثم يريها إياها ،
انعقد ما بين حاجبيها وهى تتطلع لأصابعه المبللة بالماء بعد تلمس خديها ،
ماء ، لا ، إنها دموع ، دموع ، نعم ، دموع ، هى تبكى ، عينيها تزرف دموع ، رفعت يدها لوجهها لتتحسس بنفسها خديها وتحت عينيها ، ثم تعيد النظر ليدها نفسها ، وترفع وجهها له فى غير تصديق ، ليومئ لها برأسه
زادت ضربات قلبها أكثر وأكثر ، وأخذت تنتحب أكثر وأكثر حتى علا صوت نحيبها الذى تحول لبكاء فعلى وهى تخفى رأسها داخل صدره ، وهو يلف زراعيه حول كتفيها وكأنه يدعوها للبكاء أكثر وأكثر ،
وظلا على نفس الحال لموقت لم يعلماه حتى اعتدلا فزعا على صوت قاطع ما يحدث جعلها يتسمرا مكانهما وهو يقول

…. very very sweet , كأنى بتفرج على فيلم عربى قديم ، بس ايه رأيكم فى المفاجأة دى بقى ….

ثم دخل رجاله واحدا خلف الآخر وهم يحملون الأسلحة ،
وهو يتلفت حوله ويقول … مكان تحفة ، نقدر نصفى حسابنا فيه ، من غير ما حد يحس بينا ، مش صح ياعادل باشا ….

يتبع…..

 

لو عاوز تقرأ الفصول الجديدة من الرواية دي بشكل حصري قبل صدورها وتشوف الروايات الجديدة وتطلبها

انضم لينا على الفيس بوك (من هنا)

و

أنضم لقناتنا على تليجرام (من هنا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *