رواية ثمن أخطائي الفصل الحادي عشر 11 بقلم الاء محمد حجازي
رواية ثمن أخطائي الفصل الحادي عشر 11 بقلم الاء محمد حجازي
البارت الحادي عشر
اتجوز مين يا عم؟هي فهمت الموضوع غلط.
مريم اتجمدت.
أنا كل اللي عملته ده، علشان العلاج بتاعها.
وعلشان تتصدم
وتخف.
ضحكة تانية.
صوت يحيى كان لسه ثابت وهو بيكمّل كلامه جوّه الأوضة،
كأنه مش بيتكلم عادي،
كأنه بيعترف لنفسه قبل أي حد:
وأنا مستحيل أفكّر في الجواز أصلًا…
غير مع مريم.
سكت.
السكون نزل تقيل،
مش صمت عادي،
صمت اعتراف.
وبعدين صوته واطي أكتر،
أنضج،أصدق::
أيوه…
أنا مش بس بحبها.
أنا بعشقها.
نَفَسه اتشد،كأنه الكلمة تقيلة عليه
بس مستحيل يشيلها:
يوسف…
أختك حب حياتي.
لفّ وهو بيقول الجملة الأخيرة.
ولفّته دي كانت كفيلة تغيّر كل حاجة.
شافها.
واقفـة قدامه.
وشّها شاحب.
عينها محمّرة.
أثر الدموع لسه ماسك في رموشها.
واضح إنها سمعت…
بس دماغها ما لحقتش تستوعب.
الموبايل نزل من إيده بهدوء،
مش صدمة…قلق:
…مريم؟
قرب منها خطوة واحدة بس،من غير ما يضغط،
من غير ما يخضّها:
مالك؟
إنتِ كويسة؟
مريم حاولت تتكلم…
بس الكلمات اتلخبطت،
خرجت مكسورة.
مريم بتتهته:
لا…
مافيش…
بس أصل…
أول الكلام يعني…
أصله…
سكتت.
مش قادرة تكمل.
مش قادرة ترتّب إحساسها.
يحيى فهم في ثانية.
فهم من نظرتها،من ارتباكها،من خوفها.
نَفَسه خرج طويل، يحيى بهدوء عاقل:
إنتِ سمعتي أول الكلام.
صح؟
مريم هزّت دماغها.
عينها في الأرض،
كأنها متهمة.
قرب شوية،
بس لسه محافظ على المسافة:
عارفة يا مريم؟
كنتي هتمشي، لولا انك سمعتي بقي الكلام صح.
لو كنتي ما سمعتيش باقي الكلام…
ولا كنتي هتصدقي
حتى لو حلفتلك
على المية تجمد.
ابتسامة خفيفة،بس فيها وجع حقيقي:
كنا هنفضل في دايرة سودا.
أنا أحلف،
وأنتِ تشكّي.
وأنتِ تاخدي بعضك
وتمشي بعيد
عن كل ده.
سكت ثانية،
وبعدين صوته بقى أعمق:
مش لأنك وحشة…
ولا لأنك قليلة عقل.
لا.
رفع عينه ليها:
لكن لأنك اتعودتي، إن أي حاجة حلوة
لازم يبقى وراها خدعة.
وإن أي حد يقرب، يبقى أكيد عايز يستغل
أو يضحك
أو يكسر.
قرب أكتر سنة:
بس خليني أقولك الحقيقة بقى،
ومن غير تجميل.
سكت لحظة،
وبص في عينها مباشرة:
إنك تمشي
من غير ما تفهمي،
من غير ما تسألي،
من غير ما تواجهـي…
ده اسمه جبن.
مريم اتنفضت من الكلمة.
واضح إنها وجعتها.
يحيى بهدوء حاسم:
آه، جبن.
مش ضعف.
جبن.
نَفَسه هدي،وكمل:
الشجاعة مش إنك تهربي
عشان تحمي نفسك.
الشجاعة إنك توقفي
وتقولي:
إنت قصدك إيه؟
إنت بتعمل كده ليه؟
إنت فاكرني إيه؟
قرب أكتر،
صوته بقى دافي:
الشجاعة إنك تثقي
إنك تستاهلي الحقيقة.
وإن محدش من حقه
يلعب بعقلك
ولا يستغلك
ولا يضحك عليك.
سكت ثانية:
ولو فعلًا
كنت بتكلم عليك وحش،
كنتِ المفروض
تيجي في وشي
وتاخدي حقك.
بص لها بنظرة صريحة:
مش تمشي.
مش تهربي.
مش تسيبي نفسك
فريسة
للشك والخوف.
مريم صوتها طالع من قلبها:
أنا…
أنا بجد مش عارفة أقولك إيه.
إنت عندك حق.
ده بالظبط
اللي كان هيحصل.
دمعة نزلت،مسحتها بسرعة، كأنها بتعتذر لنفسها.
يحيى بابتسامة دافية:
على العموم…
حصل خير.
سكت ثانية…
وبص لها بتركيز مختلف.
بس أفهم من وجودك هنا…
إنك موافقة؟
مريم رفعت راسها.
هزّت دماغها آه.
ابتسامة صغيرة،
متلخبطة،
بس صادقة.
آه.
سكتت لحظة،
وبعدين قالت بخفة، بس فيها فضول صادق:
بس بص…
إنت كنت من شوية
بتقول
إني حب حياتك.
إزاي؟
وإنت لسه عارفني
من فترة قليلة؟
يحيى ابتسم…ابتسامة واحد فاهم
هو بيقول إيه:
بصي…
عشان ما أبقاش بعمل حاجة حرام،
أنا ما ينفعش
أقول أي كلام
غلط.
قرب خطوة،صوته واطي بس واثق:
وبما إنك موافقة…
نكتب الكتاب.
ابتسم ابتسامة أوسع،أهدى:
وبعد كتب الكتاب
أقولك كل حاجة.
كل اللي نفسك تسمعيه.
إيه رأيك؟
مريم ضحكت ضحكة خفيفة،
ضحكة راحة:
بابا…
هو اللي هيقولك رأيي.
ابتسامتها كانت صافية،
مش بنت مكسورة…
بنت بتتعلم تثق
وتواجه
وما تمشيش.
———————————
البيت كان هادي، ويحيى قاعد قدّام باباها،
ضهره مفرود، وعينيه ثابتة، مش بتلف، ولا بتهرب.
مريم قاعدة جنب باباها،
إيديها متشابكة في بعض
قلبها بيدق
بس في الدقّة دي
فيها أمان.
يحيى خد نفس عميق، وقال بصوت واضح،صوت راجل داخل بنيّة:
أنا يشرفني
وأتشرف قوي
إني أطلب إيد مريم، على سنة الله ورسوله.
سكت لحظة،
وبعدين كمّل من غير لف ولا دوران:
وأنا جايلكم
بنيّة صافية
وبقلب مسؤول
مش جاي أضيّع وقت
ولا أجرّب
ولا أستهين ببنتكم.
بص لمريم نظرة احترام
مش حب قدّام الناس
احترام.
وعشان كده
أنا عايز أكتب الكتاب، في أقرب وقت.
باباها رفع حواجبه بهدوء
مش اعتراض، ده استغراب طبيعي:
بسرعة كده يا دكتور؟
يحيى ما اتلخبطش:
مش سرعة…
ده وضوح.
نَفَسه هدي وكمل:
أنا مش عايز أغضب ربنا فيها.
ولا أعيش معاها
ولا أقعد معاها
ولا أكلمها
وأنا مش في الحلال.
الكلمة وقعت تقيلة…
وحلوة.
مريم قلبها دق دقّة مختلفة.
الدقّة اللي تحسسك
إنك متشالة من الأرض.
باباها لفّ وبص لها.
نظرة أب، بيسأل من غير كلام.
مريم هزّت دماغها آه
وهي مبتسمة.
ابتسامة بنت
اتقال لها كلمة
عمرها ما سمعتها قبل كده.
يحيى ابتسم، وكمل:
وأحب أطمن حضرتك، إني إن شاء الله، هعمل لها كتب كتاب
كبير، يليق بيها، وبمكانتها، وباللي شافته.
مريم اتنحنحت، واتكلمت بهدوء، بس بثقة:
ما لوش لزوم يا يحيى.
الكل بص لها.
بصراحة يعني…أنا مش محتاجة، كتب كتاب كبير، ولا مظاهر.
ابتسمت بخفة:
أنا مش أول جوازة ليّ.
وأنا اتعلمت
إن الفرح مش في العدد
ولا في الصوت العالي.
يحيى حاول يقاطع
بس هي كمّلت.
:
أنا مش عايزة أعيش، تحت نظر الناس، ولا تحت حكمهم.
أنا عايزة أعيش، تحت رضا ربنا، وبس.
يحيى ابتسم، بس مش ابتسامة انتصار، ابتسامة إعجاب حقيقي:
أنا ما كنتش قصدي أرضي الناس.
ولا أغيظ حد.
قرب شوية
وقال بصوت ثابت:
أنا قصدي أفرحك، بطريقتك
مش بطريقتهم.
بص لباباها:
واللي مريم تشوفه صح
أنا موافق عليه
من غير نقاش.
باباها هز دماغه، براحة:
واضح إنك داخل، وانت فاهم، وعارف
ومقدّر.
بص لمريم بحنية:
وأنا طالما بنتي راضية
ومرتاحة
يبقى خلاص.
مريم بصت ليحيى
وابتسمت:
انا عاوزه كتب كتاب بسيط في هدوء، من غير دوشة.
يحيى ضحك بخفة:
على بركة الله.
وبنبرة جد:
نحدد الميعاد؟
باباها قال:
الجمعة الجاية؟
مريم قلبها دق، بس بابتسامة.
تمام.
يحيى قال وهو باصص لها:
إن شاء الله
تبقي بداية
نظيفة
من غير وجع
ولا خوف
ولا ماضي يطاردك.
مريم ردّت بهدوء:
كفاية إنك داخل
وانت ناوي
ما تغضبش ربنا فيّ.
وسكتت…
والسكون المرّة دي
كان راحة.
——————————–
عدا الأسبوع واخيرا جية اليوم المنتظر كتب كتاب مريم ويحيى
المأذون قفل الدفتر وابتسم ابتسامته الهادية، وقال جملته اللي دايمًا بتقلب الموازين:
“بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.”
لسه الكلمة مكمّلتش صداها
إلا ويحيى شدّ إيد مريم في إيده، شدّة خفيفة، كأنّه بيتأكد إنها حقيقية
مش حلم.
بص لها
وعينيه لمعت
ومن غير ما يهتم بحد
قرب
وباس إيدها، وبعدها باس دماغها، بقبلة هادية، مليانة احترام
قبل ما تبقى حب.
مريم وقفت، مشدوهة، قلبها بيدق، بس المرة دي، من غير خوف، من غير قلق، دقّات مطمّنة، كأنها راجعة بيتها.
يحيى لفّ بسرعة، وسلّم على أبوها، سَلِم عليه بإيدين الاتنين
وانحنى شوية باحترام.
بابا قال وهو بيبتسم بنص دمعة:
مش هوصّيك على مريم يا يحيى…
يحيى رد من غير تفكير، وكأن الجملة محفوظة في قلبه:
مريم في عيني،
وفي قلبي،
وتاج راسي يا حاج.
الكلمة نزلت على مريم
كأنها حضن تاني.
بعدها سلّم على يوسف
وما زال ماسك إيدها
ولا سايبها.
يوسف ضحك وقال بهزار، وفي صوته راحة:
إنت متبّت في البنت كده ليه؟
سيب إيدها شوية.
يحيى ضحك، وقرّب مريم منه أكتر:
اسكت…
ده أنا ما صدقت
أمسك المسكة دي.
مريم بصّت لإيدها في إيده، وكأنها بتتأكد، إنها بجد اتجوزت تاني، بس في نفس اللحظة
حاسّة براحة فظيعة
طمأنينة غريبة
ما حسّتهاش قبل كده.
الناس حوالينهم
بتزرغط، وتبارك، وتهنّي، وكل العيون عليهم.
يحيى سلّم على اللي حواليه، بس ما سابش إيدها، ولا لحظة.
وبعد شوية
شدّها بهدوء
ووقفوا على جنب.
صوته كان واطي، بس ثابت:
دلوقتي وقت الكلام…
بس كله باصص علينا.
ميل برأسه ناحية الناس:
بصي.
مريم رفعت عينيها، وشافت كل العيون عليهم
ابتسمت بخجل، وقالت بسرعة:
طب…
تعالى نتكلم في أوضتي.
يحيى وقف
قبل ما يتحرك
وبص لأبوها، ساب إيدها لحظة، وقرّب منه:
بعد إذنك يا حاج…
نقعد دقيقتين في اوضة مريم هقولها حاجه بس؟
أبوها ابتسم، وهز دماغه:
اتفضلوا.
دي مراتك يبني يعني براحتك؟
مريم شافت الحركة دي
وقلبها كبره، احترامه، وقفته، استئذانه، حاجات صغيرة، بس كانت بالنسبالها كل حاجة.
دخلوا الأوضة، وقفلوا الباب وراهم بهدوء، الأوضة كانت ساكتة
بس القلوب كانت مليانة.
يحيى وقف قدّامها، بص لها نظرة طويلة
نظرة راجل أخيرًا وصل:
ممكن…
أعمل حاجة؟
مريم ابتسمت بخجل، وقالت بصوت واطي:
اتفضل.
يحيى قرّب، وشدّها لحضنه، حضن طويل، هادئ
حضن أمان
مش استعجال
ولا تملك.
شدّها قوي
كأنه كان محتاج الحضن ده من سنين.
يحيى بصوت مكسور عند ودنها:
آسف…
سكت ثانية
وبعدين كمّل وهو بيشدها أكتر:
والله كنت هموت
كنت هموت وأعمل كده
من أول يوم.
مريم دموعها نزلت، بس دموع راحة، مش وجع.
يحيى همس عند ودنها، صوته واطي، كأنه سر بينهم:
* وقَابلت البَحر فِـ عِيونڪ شربت عطشت من تاني مڪانڪ عندي غير الناس يا ست الناس يا تاج راسهم * .
مريم سكتت
حضنه شدّها أكتر
وكأنها بتقول من غير كلام:
أنا وصلت.
يحيى بعد عنها شوية، مش فجأة، ولا بخشونة
بعد عنها كأنه بيخاف يكسر اللحظة.
ساب إيدها
وبص لها نظرة طويلة
نظرة حد مستني دوره من سنين.
وبعدين شدّها تاني بهدوء، وقعد على طرف السرير، وشدّها جنبه
من غير ما يلزق، مسافة أمان، مسافة احترام.
سكت شوية، وبعدين قال بصوت واطي، بس ثابت:
عايزة تعرفي
إنتِ حب حياتي إزاي؟
مريم بصّت له
قلبها بيدق
بس ما اتكلمتش.
كمل وهو باصص قدامه
كأنه بيحكي لنفسه قبل ما يحكي لها:
من تلات سنين ونص…
كنت مسافر أكمل دراستي برّه.
وجيت أودّع يوسف هنا.
ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها حنين قديم:
وفجأة…
عدّت من قدامي بنت
زي القمر.
سكت لحظة، وبعدين هز راسه:
غصب عني اتشتّت.
وقفت أبص…
وأنا أصلاً كنت ظابط نفسي على موضوع غضّ البصر.
قلت خلاص مسافر، ودنيا برّه، وفتن، ولا لازم أكون ماسك نفسي.
ضحك ضحكة صغيرة، فيها لوم لنفسه:
فضلت واقف لحد ما يوسف نزل
شافني
وبص لي، وقال بهزار:
إيه يا أسطى؟
إنت بتبص لأختي؟
بص لها بسرعة، وكمل بجدية:
في اللحظة دي، اطمنت إنها أخته، وفي نفس الوقت…
زعلت من نفسي.
قلت إزاي أبص كده؟
إزاي أسيب عيني تروح؟
تنفّس بعمق:
اعتذرت له
وسلّمت
ومشيت.
لفّ وبص لها في عينيها:
بس الموضوع…
ما مشيش.
صوته واطي، كأنه سر:
فضل في دماغي.
وكل ما أنزل أجازة، اسأل عنك، وأبص عليك، من بعيد لبعيد.
من غير ما أقرّب
ولا أتكلم.
سكت شوية، وبعدين قال بنبرة صريحة:
وفي مرة سألت نفسي:
هتفضل كده؟
تبص وتشيل ذنوب؟
ولا تاخد خطوة صح؟
رفع راسه:
قلت أكلم يوسف.
وفعلاً كلمته.
قال لي:
يا مرحب بيك يا صاحبي،
أنا مش هلاقي حد أحسن منك لأختي.
ابتسم ابتسامة رضا:
وأنا كنت أصلاً مخلص دراستي
ونازل أجازة.
ويوم ما خبطتك، كنت جاي أتقدّم.
مريم عينيها وسعت، نفسها اتلخبط.
يحيى كمّل بصوت أوطى:
بس لما عرفت اللي حصل…
قلت:
ده نصيب.
وأكيد مش خير ليّا.
وبنبرة إيمان هادية ربنا بيقول:
“وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”
هز راسه وكمل:
وانشغلت في العيادة
وشغلي
بس…
والله ما عرفتش أنساكي.
سكت، شدّ إيده على ركبته، كأنه ماسك نفسه:
وفي يوم
وأنا رايح المستشفى
عرفت اللي الحيوان ده عمله فيك.
صوته اتحشرج:
دمي غلي.
كنت عايز أموته.
بس قلت…
مين أنا؟
هيقولولي مالك؟
رفع عينه:
رحت قلت ليوسف.
وأول ما اتطلقتي
قلت لنفسي:
هي محتاجة علاج…
مش كلام حب.
قرب منها شوية، من غير ما يلمسها:
ومع كل جلسة
كنت بشوف اللي حصل لك.
كنت بموت من جوايا.
تنفّس بعمق:
لحد ما اتعافيتي.
وحمدت ربنا.
وقلت…
أحاول.
حتى لو بعد مية سنة.
ابتسم وهو باصص لها:
ويوم ما جيتي
عشان تقولي إنك موافقة…
على فكرة
أنا كنت بتكلم عن مريضة
قد أمي.
ضحك ضحكة خفيفة:
بس بتتجوز شباب صغيرة
واحنا ويوسف
كنا بنهزر.
بص لها بعمق:
طلعت مش مريضة.
سكت وبعدين قال بنبرة مليانة امتنان:
دلوقتي…
حاسس إني خدت
نصيبي في السعادة كله.
عارفه لو مت دلوقتي هبقى أسعد واحد في الدنيا.
مريم اتحركت بسرعة، وحطت إيدها على صدره:
بعد الشر عليك.
بعد الشر.
بصّت له بعينين صادقين، فضلوا بصين لبعض شواية وفجأة قال بسرعة من غير تفكير:
أنا بحبك يا مريم.
وبعدين كمل:
وبقولها لك
من غير ما أستنى رد.
ابتسامة مليانة طمأنينة وقال بهدوء:
ولا أنا عايز رد دلوقتي.
قوليها لما تحسيهامن قلبك.
وقف، ومد إيده لها:
يلا بقى نطلع.
غيبنا كتير…
شكلهم هيكسروا علينا الأوضة.
مريم ضحكت وقامت معاه
وقلبها لأول مرة
مش خايف
ولا متوجع
ولا محتار.
قلب
مستقر.
——————————————–
طلعت مع يحيى وهو ماسك إيديها.
إيده كانت ثابتة.
دافية.
مش شدّها…
ولا ساحبها.
ماسِك…
وكأنه بيقول من غير كلام: أنا هنا.
مريم رفعت عينيها.
بصّت حواليها.
ناس بتضحك.
ناس بتبارك.
ناس بتبص.
وناس مش واخدة بالها من أي حاجة.
وفي وسط الزحمة دي…
افتكرت نفسها.
افتكرت البنت اللي كانت واقفة في نفس المكان من سنة وشهرين بالظبط
بس كانت مكسورة
خايفة
ومش شايفة غير وجعها.
وقالت في سرّها:
أنا عارفة إني غلطت.
ما أنكرتش.
ولا حاولت أزوّق الحقيقة.
غلطت لما رضيت أكمّل في حاجة
قللتني قدام نفسي.
غلطت لما سكت
ولما صدّقت إن الحب ممكن يتاخد بالضغط
أو بالخوف
أو بالذنب.
الغلط مش إنك تحبي.
الغلط إنك ترخصي نفسك عشان حد يكمل.
الغلط إنك تقنعي نفسك إن الإهانة حب
وإن الضرب غيرة
وإن القهر رجولة.
والغلط الأكبر؟
إنك تسكتي.
مريم حسّت بقلبها بيدق، بس المرة دي مش خوف، وعي.
وقالت في نفسها وهي باصة على الناس:
مش كل بنت بتغلط تبقى وحشة.
بس كل بنت تكمّل في الغلط وهي شايفة، بتظلم نفسها.
الدنيا علمتها إن المجتمع دايمًا أسهل عليه يلوم البنت، حتى لو كانت مجروحة، حتى لو كانت مغصوبة، حتى لو كانت بتنهار.
بس الحقيقة؟
إن البنت أول واحدة لازم تحاسب نفسها
مش بالجلد، ولا بالكره، لكن بالاختيار.
اختيار إنها تقوم.
اختيار إنها تقول لأ.
اختيار إنها ما تبيعش نفسها
ولا كرامتها
ولا أمانها.
وقالت جوه نفسها:
ما ينفعش أي بنت ترخص نفسها.
ولا تستنى حد يديها قيمة.
افتكرت حسام.
مش بشماتة.
ولا بغل.
افتكرته كدرس.
قاسي.
مؤلم.
بس من غيره
ما كانتش هتعرف نفسها.
أنا دفعت تمن غلطي.
تمن غالي.
بس اتعلمت.
اتعلمت إن الصبر مش دايمًا فضيلة
لو بيخلّيكِ تستحملي ظلم.
وإن التضحية مش دايمًا بطولة
لو بتموتكِ من جوه.
واتعلمت إن ربنا عدل.
مش بيظلم حد.
بس بيسيبك شوية
علشان تشوفي
وتفهمي
وتختاري.
وبصّت لإيد يحيى، اللي في إيدها وحسّت بالفرق.
هو ده العوض.
مش علشان هو شخص كويس وبس، لكن علشان هي بقت شخص أقوى.
وقالت في سرّها:
مش كل الناس لما تغلط بتلاقي العوض.
العوض مش هدية، العوض نتيجة.
نتيجة إنك تعترفي، وتقومي، وتتغيري، وتقفلي الباب اللي وجّعك حتى لو قلبك بيتقطع.
ربنا بيعوّض، بس للي اتعلّم، مش للي أصرّ يكرر نفس الغلطة.
ورفعت راسها، واتنفست بعمق، وقالت:
من أرادكِ حقًا، نالَكِ مهما كانت الظروف، ومهما كانت المصاعب.
مش هيذلك
ولا هيكسرك
ولا هيخليكِ تحسي إنك أقل.
وفي آخر ابتسمت، وقالت جواها:
كما تدين تدان،وكما تعين تُعان،وكما ترحم تُرحم،وكما تزرع تحصد.
“ولك مثل ما فعلت ولو بعد حين.”
كما تدين تدان…
إن لم يكن بنفس الموقف، فسيكون بنفس الألم.
عندما تظلم ستُظلم،وعندما تكذب سيُكذب عليك،وعندما تخون ستُخان.
افعل الآن ما تحب أن يُفعل بك غدًا،
فكل ساقٍ سيُسقى بما سقى به غيره.
شدّت على إيد يحيى
وبصيتلوا بحب وقالت:
“ تستحق أن يُقال لك … أنت العوض بعد كل هذا العناء”
ومشيت.
مش لأنها نسيت
لكن لأنها فهمت.
ومع الفهم…
بدأت حياة.
———————————
- لقراءة باقي فصول الرواية أضغط على (رواية ثمن أخطائي)