رواية بلا إنذار الفصل الثالث 3 بقلم أمل عبدالرازق
رواية بلا إنذار الفصل الثالث 3 بقلم أمل عبدالرازق
البارت الثالث
لقراءة الرواية كاملة بدون إعلانات (اضغط هنا)
رواية بلا إنذار الحلقة الثالثة
الضربة رنّت في وداني، الدنيا لفت بيا، حطّيت إيدي على خدي وأنا مش مصدقة.
كنت واقفة ثابتة، لا صرخت ولا عيطت، بس حسّيت في لحظة إن كل حاجة جوايا اتكسرت مرة واحدة.
حماتي ما اتحركتش، ما شهقتش، ولا حتى قالت إزاي تعمل كدا
بالعكس… بصّتلي بنظرة رضا غريبة، كأن المشهد ده كان ناقصه تصفيق.
بصيت لابنها اللي تتشل إيده وأنا مش مستوعبة ودموعي بدأت تنزل سخنة على خدي، لاقيته بيبرقلي ويقولي:
_ إياكِ ثم إياكِ تعلي صوتك على ست البيت، وإلا اللي جاي مش هتستحمليه، ولو مش عاجبك نظامنا الباب يفوت جمل وفي ستين داهية، هو إحنا بنتجوز ليه؟
عشان تخدموا أمنا وتشيلوها فوق راسكم
جيت اردله القلم على وشه لكنه مسك إيدي جامد وقالي بغِل:
_ رايحة تعملي إيه يا شاطرة؟ فوقي لنفسك بدل ما افرمك تحت رجلي
رديت عليه وقولتله بتحدي:
_ إيدك اللي اتمدت عليا مش هنسهالك، وهدفعك التمن غالي أوي وهتشوف، وأنتِ يا نبع الحنان ربنا هيجيبلك حقي منك
ضحك بسخرية وقالي:
_ إلعبي بعيد يا شاطرة ووريني أخرك
مصطفى دخل على الصوت، وقف ثواني باصص، لا جري عليّا، ولا سألني في إيه؟ ولا حتى عاتب لأخوه.
سكت… والسكات في اللحظة دي كان أقسى من القلم نفسه. حسّيت إن القلم مكنش من أخوه، القلم الحقيقي كان منه هو، من تخليه عني، من اختياره يفضل واقف في النص وكإن اللي حصل عادي.
لمّيت نفسي بالعافية، عدّلت طرحتي كانت وقعت، وبصّيتله وقلت بهدوء غريب حتى أنا استغربته:
_ كده تمام… الاختبار خلص.
محدش فهم قصدي، ولا حد حاول يفهم.
أول ما خرجت سمعت مصطفى بيقول:
_ أنا فضلت ساكت عشان مش عايز أصغرك قدام مراتي لأنك أخويا الكبير، بس اللي انت عملته غلط وكدا أنا ليا حق عندك، ترضى إني اضرب مراتك بالقلم؟
سمعت صوتها اللي كله غِل وجبروت:
_ مراتك نزلت تزعق وتصرخ وتغلط فيا وأخوك عشان راجل مستحملش اللي حصل ووقفها عند حدها
رد مصطفى وقالها:
_ لأ مراتي ليها راجل تردي عليه غلطها، وأنا مش هسكت على اللي حصل، ما هي بردو ليها طاقة واللي بيحصل فوق تحمل البشر
ضحك أخوه على كلامه وقاله:
_ يا حلاوة مصطفى كبر وبقى ليه صوت وبيخربش، إيه يا جوز الست هتمشي ورا مراتك زي اخوك ولا إيه
ردت أمه وقالتله
_ سيبه يا فتحي خليه يرفع صوته عليا، ادي دقني لو طولت حاجه، أوعى تنسى ان كل حاجه أبوك سايبها بإسمي دا غير اللي عندي كمان، نهايتك هتكون سودا لو ما اتعدلتش يا مصطفى
مصطفى ظهر على صوته التوتر وقال:
_ ما هو أنتو بتصغروني قدامها وكدا مش هينفع، طب كنت استنى وشوف أنا هعمل إيه لما اعرف إني زعقت لأمي… مش تضربها انت، أمك لما طلبت مني اخد الدهب بتاعها عشان تشيله عندها أنا وافقت على الرغم ان مراتك دهبها معاها وشايلاه عند أمها، وضحكت على ملك وقولتلها هفتح الصيدلية ومحتاج فلوس وأصلا انا كنت مجهز الصيدلية من بدري وهي متعرفش.
انا مش برفضلك طلب يا ماما عشان تقوليلي كلامك دا
ردت أمه وقالتله:
_ مش عايزاك تقوي شوكيتها علينا، لازم تفضل محتاجه ليك وميبقاش حيلتها حاجه، هو انا تايهه يعني إنك بتحطلها موانع للحمل في الأكل، دا انا شوفتك بعيني…
سمعت جملتها الأخيرة واتجمدت مكاني والدنيا بدأت تلف بيا، بدأت أسأل نفسي أنا عملت إيه للناس دي عشان يعملوا معايا كدا؟ بيحطلي موانع للحمل مش عايزني أخلف؟
خد دهبي وسلمه لأمه؟
بيتسغلوني عشان بسكت وبمشي الدنيا عشان مش عايزه أخرب على نفسي؟ ولا عشان أبويا ميت ومعنديش إخوات رجاله تقفلهم؟
طلعت على شقتي، قفلت الباب ورايا، وقعدت على الأرض، في اللحظة دي استوعبت الحقيقة كاملة، الدهب اللي راح مش مجرد دهب، دا كان أماني، وكرامة، وأمان.
الشغل اللي نزلتله واتمنع مش مجرد رزق، دا كان طوق نجاة واتقصّ.
الجواز اللي كنت فاكرة إنه شراكة بينا طلع صفقة خسرانة من أول يوم، وأنا اللي دفعت الثمن من عمري وسكوتي.
قعدت أبص حواليّا، الشقة فاضية من أي إحساس، كل حاجة فيها كانت شاهدة إني كنت موجودة بس عمري ما كنت متشافه ولا متقدرة. وقتها بس فهمت إنهم مكنوش بيختبروا طيبتي… كانوا بيعلّموا عليّا وبيكسروني.
بس أنا مش هسيب حقي وكل اللي ليا حق عنده هاخده.
دخلت ألم هدومي عشان اسيبلهم البيت وأمشي، مصطفى فتح باب الأوضة وقالي:
_ أنتِ بتعملي إيه يا ملك؟
رديت بانفعال:
_ أنا همشي مش هقعد دقيقة واحدة زيادة في البيت دا، كنت منتظرة انك تاخدلي حقي لكن للأسف ماليش سند في الغابة اللي وقعت فيها
_ كنتي عايزاني أعمل إيه يعني؟ اضرب أخويا الكبير مش كفايه اللي هو فيه والشرطة بتطارده في كل مكان
قالها وهو بياخد الهدوم من إيدي، شدتها منه وقولتله:
_ أنا الدكتورة ملك انضرب ومن مين؟ من أخو جوزي الشمام اللي مش بيجي من وراه خير وسايبنا محتاسين في ديونه؟
لأ أنا مش جايه اتهان في البيت دا كفايه أوي كدا.
أنا مصدومة فيك، انت لا وفرت ليا أمان ولا استقرار ولا سعادة، عليا بإيه كل دا؟ مشوفتش غير قلة قيمة وبهدلة منك انت وأهلك!
طلقني يا مصطفى…
مسك إيدي وقالي:
_ طلاق إيه؟ مستحيل طبعا، هتروحي فين يعني يا ملك؟ أهلك الله يرحمهم واختك عندها اللي مكفيها، وعمتك كمان، هتقعدي فين؟ في البيت اللي بتلاحقك فيه ذكريات أهلك وتفضلي تعيطي لوحدك؟
متخربيش البيت يا ملك وأنا جاي أقولك حقك عليّا متزعليش
كلامه وجعني لكن حاولت أتماسك وقولتله:
_ انت جبتني خدامه لأمك ومرات اخوك، أخلي بالي من ولادها واشيل شغل البيت كله، حتى كرامتي محفظتهاش، على الاقل الذكريات في بيت أهلي كلها حب ودفى وحزني على فراقهم، لكن هنا مافيش ذرة حب ولا حسيت إني عروسة ولا شوفت الفرح في بيتكم، مشوفتش غير التعاسة
حاول يهدّيني وقالي:
_ كل حاجه هتتحل متقلقيش، بس أنتِ حافظي على بيتك، روحي غيري جو عند اختك وريحي أعصابك، لكن أوعي تفكري في الطلاق أنا مقدرش استغنى عنك، معلش حقك عليّا ولو على ولادي اخويا مش هخليهم يطلعوا هنا
كانت أول مرة يحاول يحتويني وأنا كنت مشتتة مش عارفه هعمل إيه، لكن قولتله:
_ طيب خلاص هبقى أروح عندها بكرا وخلي ولاد أخوك يطلعوا حرام هما ذنبهم إيه يعني.
وبعدين كنت عايزه اروح انا وأنت لدكتور عشان نطمن على الحمل، داخلين في السنة أهو
اتوتر لكنه حاول يبان عادي وقالي:
_ ليه هو إحنا لحقنا نقعد مع بعض عشان نجيب عيال تقرفنا
قولتله بحزن:
_ أنا نفسي في طفل يملى عليا حياتي.
بصيت في عينيه
وقولتله:
_ ولا انت مش عايز تجيب أطفال مني بقى؟
مسك إيدي وقالي:
_ يا حبيبتي إحنا لسه صغيرين ومش مستعجلين على الخِلفة، وبعدين سيبيها لوقتها، وهنروح نكشف ليه؟ ما إحنا زي الفل
قولتله بتصميم:
_معلش ريح قلبي وتعالى نكشف بكرا أنا عايزه اطمن، عشان لو في حاجه نلحق نعالجها، لو فعلا بتحبني وعايز تراضيني تيجي معايا بكرا
بعد زن كتير وضغط عليه وافق
ابتسم وخرج، وأنا قعدت على السرير بفكر في حل لمشكلتي وأخرج إزاي من البيت دا بس بعد ما أخد حقي منهم كلهم.
___________
قفلت باب الأوضة عليّا بهدوء، قلبي كان بيدق لدرجة حسّيت صوته هيطلع من صدري، مسكت الموبايل وإيدي بتترعش، بصّيت على الباب كذا مرة قبل ما أطلب الرقم، كنت خايفة حد يسمعني، بس الخوف اللي جوايا كان اتحوّل لحاجة تانية… غضب بارد، هادي، ومصمّم.
ردّ الظابط، صوتُه كان هادي، وأنا حاولت أكون متماسكة:
_ ألو… لو سمحت، أنا عايزة أبلّغ عن شخص مطلوب للشرطة ومستخبي في بيت عيلته.
سألني شوية أسئلة، وأنا كنت برد بهمس:
_ اسمه فتحي، أخو جوزي، عليه قضايا ومطارد، وموجود دلوقتي في البيت وبييجي كل فترة والتانية في أوقات مختلفة.
الظابط سكت ثانيتين، بعدين قاللي بنبرة رسمية:
_ متأكدة من الكلام دا؟
بلعت ريقي وقلت من غير تردد:
_ متأكدة… وأنا مسؤولة عن البلاغ، وكمان كنت عايزه أعمل محضر ليه لأنه تعدى عليا ومش عارفه اخرج من البيت بسببهم
قفلنا، وأنا فضلت واقفة مكاني، حسّيت رجلي مش شايلاني، قعدت على السرير، حطّيت الموبايل مقلوب، وكأني لو بصّيتله تاني هرجع في كلامي، بس لأ… المرة دي مفيش رجوع.
عدّى وقت تقيل، كل دقيقة كانت بتعدّي عليّا كأنها ساعة، أصواتهم بسمعها لأن في مسقط في البيت، كان صوت ضحكهم وكلامهم واصلني، ولا واحد فيهم حاسس إن الأرض بتتسحب من تحت رجله.
فجأة…
خبط شديد على باب الشقة تحت.
قلبي وقف.
سمعت صوت رجالة بتتكلم بجدّية، صوت ظابط واضح، وسؤال مباشر:
_ فين فتحي؟
الدنيا اتقلبت، سمعت حماتي صوتها عالي، مرتبك، بتقول:
_ فتحي؟! لا مش هنا… إحنا منعرفش عنه حاجه!
الظابط رد بصرامة:
_ عندنا بلاغ ومعلومة مؤكدة، ادخلوا جيبوه من جوا.
ثواني…
وبعدين صوت حركة، جري، وصوت حماتي مكسور لأول مرة، وصوت فتحي وهو بيشتم ويزعق:
_ انتوا بتعملوا إيه؟! سيبوني! انا معملتش حاجه!
خرجت من الأوضة ووقفت ورا باب شقتي، خدت نفس عميق وبعدين فتحت الباب وبصيت عليه من فوق، شُفته وهو متكلبش، وشه متغيّر، عينه مليانة ذل وغضب، نفس الإيد اللي اتمدت على وشي كانت مربوطة ورا ضهره.
حماتي كانت واقفة، وشّها أصفر، بتصرخ:
_ سيبوه! ابني دا مظلوم!
الظابط قال بهدوء قاتـ.ل:
_ الكلام ده تقوليّه في القسم.
ابنه نصاب كبير وسارق فلوس الناس.
عدّوا من قدامي، فتحي لمحني، عينه جات في عيني،
ابتسمت ابتسامة معناها وصله كويس.
حاول يتكلم، بس صوته مطلعش، بس شُفت فيه حاجة عمري ما شُفتها قبل كده… خوف وذل.
الباب اتقفل وراهم، وصوت العربية وهو بيبعد.
البيت سكت فجأة… سكوت تقيل، مُربك، كأنه لأول مرة يعرف طعم الحساب.
رجعت قفلت باب شقتي، سندت ضهري عليه، ونفسي طلع تقيل، حطّيت إيدي على قلبي وقلت بصوت واطي، لنفسي:
_ اصبروا عليا مش هتلاحقوا على كم المصايب اللي هتنزل فوق دماغكم واحد ورا التاني.
___________
كنت في مطبخي لاقيت بنت سلفي الكبير داخله عليا بتقولي:
_ عارفه يا طنط ملك أنا بحبك أوي عشان أنتِ طيبة وحنينة علينا، وشكلك حلو أوي.
أنا مش حاسه إني مش زعلانه على بابا لأنه دايمًا بيزعقلي ويقولي مش بحب البنات، وكان بيعاملني وحش أوي
طبطبت عليها وابتسمتلها واتجاهلت كلامها عن أبوها وقولتلها:
_ إيه الكلام الحلو اللي من غير مقدمات دا يا سارة، وبعدين أنتِ جميلة وأي حد بيشوفك بيحبك
قالتلي:
_ أنا عايزه افتح قلبي ليكي واقولك على سر لازم تعرفيه
سيبت اللي في إيدي وخدتها وقعدنا في الصالون:
_ في إيه يا سارة قلقتيني يا حبيبتي
ردّت عليّا وقالتلي كلام خلّى نفسي ينقطع وعقلي يقف لحظة واحدة، بصّت في الأرض وهي بتلعب في صوابعها وقالت بصوت واطي…
يتبع…
- لقراءة باقي فصول الرواية اضغط على (رواية بلا إنذار)